منظومة القيم الأخلاقية في اللسان العربي: مقاربة شعرية

0 49

منظومة القيم الأخلاقية في اللسان العربي: مقاربة شعرية

د. حمّادِي المُوقِت

أستاذ مبرز وباحث في اللسانيات وقضايا اللغة العربية/ المغرب

نائب قسم اللغة العربية بالمعهد الفرنسي للبحوث والدراسات العربية والإسلامية / فرنسا

 

  مقدمة:

لا يزال “ديوان العرب” -بمقوماته الفنية وأغراضه الشعرية- صامدًا عبر العصور لا يَنِي، ومُتناميًا عبر النظم لا يَفتُر، بل لايزال مَعِينًا من القيم لا ينضُبُ، ومكنزا من المعاني لا يَغورُ؛ منهُ يَستقي العربُ لغتَهم، ويكتسبون قَواعِدها، فيُطَوِّرون مِن ذلك تعبيراتهم الشفهية والكتابية.

فقد يكون حِفظُ نَصِيبٍ من الشعرِ وحدَه كفيلا بالتّمكن من ناصيةِ اللغة: معرفيا، وتركيبيا، وصوتيا، ودلاليا…، بل وقد يمنحُ أحَدَهم حفظُ الشعر مكانةً بارزةً بين الناس والمثقفين بالسماعِ منه؛ والجلوسِ إليه، إما استمتاعًا بمحفوظه، أو تأثرا بشواهِده…

فتكوين الفصاحة ليس بالأمر الهين، ولن يكون كذلك؛ إلا بمَكْنَزٍ لغوي رصينٍ يستأثر فيه الشعرُ بنصيبِ الأسد، اعتبارا لمكانته في احتضان المعرفةِ، والفكرِ، والحِكمةِ، ومختلف القيم على حد سواء.  وإلا فيكفي أن يحملَ صاحبَه على تهذيب نفسِه وتربيتها على قيم الكرم، والشجاعة، والسماحة، والتواضع… وباقي الخصالِ التي عززت ومنذ زمن طويل؛ مبدأ الأفضلية لِعَصْرٍ على آخر، ولِقبيلة على أخرى، ولِشَاعر على شاعر ثانٍ.  وليس ذلك؛ إلا لأن الشعرَ في معناه القريب؛ إحساسٌ وشعور بالمسؤولية الأخلاقية التي يَحْمِلُها الشاعرُ على عَاتِقه إزاء ذاته أولا، وإزاء قَومِه ثانيا، لأن الشاعرَ الفحلَ يصنع لنفسه مَجدا؛ بوضع نفسِه مَوضِعَ أمرِ القبيلة: يُدافع عن عِرضها، ويُنافح عن إرثها، حتى كانت القبيلة في الجاهلية تهنئ الأخرى إذا نبغ فيها شاعر، أو شَعَرَ فيها نابغة؛ بناءً على ما تَضَمَّنَتْهُ قصائدُه من قيم، ومعانٍ وخصائصَ فنيةٍ وأسلوبية تُعزى أساسياتها إلى الفصاحة ِفي النطق؛ والسليقة في التعبير، والسّبْكِ في التركيب؛ حتى دفع بعض النقاد إلى إحداثِ مُوازناتٍ بين الشعراء، وتصنيفهم في طبقات ك: كتاب “الموازنة بين أبي تمام والبحتري ” لأبي القاسم الآمدي؛  و”طبقات فحول الشعراء”  لمحمد بن سلام الجمحي؛

و”طبقات الشعراء” لابن قتيبة، ومِثله “طبقات الشعراء” لابن المعتز، وغيرها مما يُعتبر وثيقة مُهمة في معرفة حال الشعراء، والرؤية لهم، وأسباب التفاضل فيما بينهم، مع ذكر المشهورين المعروفين وفُرسان العرب وأشرافها وأيامها… وفي هذا يقول القاضي الجرجاني : ” وكانت العرب إنما تُفاضل بين الشعراء في الجودةِ والحسنِ، بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتُسَلِّمُ السبق فيه لمن وَصَف فأصاب، وشَبَّه فقارب، وَبَدَه فأغزر، ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته”[1].

2-    مظاهر البعد القيمي في الشعر العربي

إذا كان الشعرُ لغةً، واللغةُ قيمةٌ؛ فإن الشعرَ بالضرورة وعاءُ قيمٍ مُتكامل يحمل منها ما لا تستطيع الكتبُ حصرَه وشرحَه. وما دام الشعرُ لغةً فإن اللغةَ أكثرُ مَضَاءً وأشدُّ تأثيرا مما سواها، بما يحمله شِعرُها من قُوةٍ ورصانة وجمالٍ وفصاحةٍ وقيمٍ حَرِيٌّ بها أن تُمنح صفة “النموذج” أو “المقدس” لأنّ ما يُقرأ به المقدس هو في حكم المقدس، لذلك قال أحدهم صادقا: إنّ مُعلم العربية هو داعيةٌ إلى الله”. فالشعر بشهرته، وانتشاره، ووجوديته هو وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله… فبه شرَح الشُّرَّاح القرآنَ والحديث، وبه استشهد الشُّهّاد على القاعدة وشواذّها؛ وبه تأثر وأثَّر العلماء على طلبتهم وجماهير القراء… فهو إذن أكثر من مجرد كلامٍ موزونٍ مُنمقٍ تُغَلِّفُه المحسناتُ، وتزينُه الموسيقى، بل هو تاريخٌ وهوية، وقيمٌ وحضارة؛  وعلوم ومعارف؛ وإلا لما كانت العرب في حاجةٍ إلى أن تُهَنِّئَ بعضَها البعض حين ينبغ لدى أحدها شاعِرٌ كما ذكرنا… وكأنها تهنئة بطعم الفخر والتفاخر بالتمكن من ناصية اللغة أولا، والوصول إلى درجة الحِكمة ثانيًا، فكان اختيار أفضلِ الشعراء  سليقةً، وأحسنِهِم نَظمًا، وأَحْكَمِهم معنًى؛ يتم في أسواقَ أنشؤوها لهذا الغرض: كسوق عكاظ، وسوق ذي المجاز، وسوق مَجَنّة، ولم يكن ما يَسْمُو فيها –فضلا عن قول الشعر-؛ غيرَ المروءة والشهامة العربيين، لأن الحاضرَ بها كان يأمن على نفسه، فلا يلحقه الأذى من أي نوع؛ إذ” كان لها حُرمتها التي عظمها الجاهليون فكانوا لا يعتدون على أحدٍ فيها، وكانوا يأمنون على دمائهم وحرماتهم أثناء دخولها، فمُنحت بذلك قيمةً تجارية وأدبية ونقدية (فريدةً)”.[2]

ولأن الكثير مِن مِثْل هذه القيم الأخلاقية افتقدناها في تواصلاتنا وتعاملاتنا الإسلامية اليوم، فإنها كانت في العصر الجاهلي تؤسس لنُبْلِ العلاقات بين الناس أفرادا وجماعات، ولهذا سيكون تركيزنا –في غالب هذا البحث- على القيم التي كانت محور تعاملات الناس في هذا العصر وتمَثَّلَها الشعراء في قصائدهم، وإلا فالشعر الإسلامي على امتدادِ حُكمِ خُلفائه وأمرائه إلى الآن؛ أولى باحتضان هذه القيم ورعايتها؛ انسجاما مع مضمون الحديث النبوي الشريف: “إنما بُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق”، وتأكيدا أيضا على ما أُثِر عليه صلى الله عليه وسلم مِن أنّ: “حَسَنَ الشعرِ كَحسَنِ الكلام، وقبيحَ الشعر كقبيحِ الكلام”.

إن الآداب وفي مقدمتها الشعر؛ ثروةُ الأمم الفكرية والحضارية التي تصنع مجتمعًا بشريّا تسوده قيم الخير والحق؛ فكان حريًّا بنا سرد بعضِ ما سطره الشعراء في تناولهم للقيمة الحقيقية للأخلاق في حياتنا، وما عاشوا به هُم؛ على الرغم من جاهليةِ بعضِهم.  وما من شك أن هزيمتنا السياسية اليوم، بالإضافة إلى تدهور مستوانا العلمي والفكري والحضاري.. تُعزى أسبابها إلى أزمةٍ مُركبةٍ على مستوى الأخلاق والآداب والقيم… لأننا أقمنا حاجزا منيعًا بين الدين والدنيا اعترفنا بهذا؛ أم أنكرناه؛ ويمكن أن نفهم هذا المعنى الحقيقي من خلال قول الإمام علي رضي الله عنه:

كُن ابن مَنْ شِئتَ واكتسِبْ أدبًا * *  يُغنِيك مَحْمُودُه عَنِ النّسبِ

فَلَيسَ يُغني الحَسيب نِسبَتَهُ * * بِلا لِسانٍ لَهُ وَلا أَدَبِ

إِنَّ الفَتى مَن يُقولُ ها أَنا ذا* *  لَيسَ الفَتى مَن يُقولُ كانَ أَبي

ومعه قول أبي الفتح البستي الذي شدد فيه على ضرورة استكمال فضائل النفس البشرية إذا ما طمعت في تحقيق إنسانيتها :

يا خادمَ الجسم كم تشقـى بِخدمته * * أتطلب الربح فيمـا فيـه خُسرانُ

أقْبِلْ على النفس واستكمل فضائلها * * فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ

ثم يعزز هذا المعنى؛ ما خلده أمير الشعراء أحمد شوقي ببيته المشهور الذي يساوي فيه بين الأمم والأخلاق، وكأنه يقرن وجود الأمم بوجود الأخلاق، ونفي الأخلاق عنها تضمحل معه الأمم وتنحط، يقول:

إنما الأمم الأخلاقُ ما بقيت* *  فإنْ هم ذهبت أخلاقُهم ذهبوا

3-    عن قضية الخير والشر في الشعر

كان الشعر العربي ومازال؛ يحمل في طياته قيم الشر والخير، فكان يَقْوَى بالشر والكذب… وَ يَلِينُ بالخير والصدق … وقد أُثِر عن الاصمعي في هذا الباب؛ أنه نظر إلى مَنبع الشعر فوجده واحدا من اثنين: إما الخير وإما الشر، وليس بسبب تَدَيُّنِه قَرَن الشعر بالشر، ولكن لأن الشر عنده هو صورة النشاط الدنيوي جُملةً، والشعر ينبع من ذلك النشاط، كما يقول إحسان عباس[3]. ومضمون الكلام؛ أن الشعر عند الأصمعي مجاله الشر، وإذا تناول الموضوعات الأخلاقية والدينية ضعف وتهافت. وقد كان هذا المعنى واضحا عند أشد الأخلاقيين تزمّتًا، ولهذا أخرجوا من الشعر ما كان وعظا أخلاقيا[4].

وعلى هذا كانت العلاقة بين الشعر والأخلاق قضيةً جِدّيةً أَفْرَدَ لها إحسان عباس  في “تاريخ النقد الأدبي…”، مبحثاً خاصًّا، صَرَّح فيه بأنّ هذه القضية بالذات اقترنت لدى النقاد بموقفٍ دفاعي عن الشاعر دون الشعر؛ فإذا عِيب أبو تمام بأنه قليلُ التدين لا يؤدي الصلوات في أوقاتها، دافع عنه الصولي بأن الدين ليس مِقياسًا في الحكم على الشاعر، وإذا عاب بعضهم المتنبي بأنه مستهتر في شعره ببعض الشؤون الدينية دافع عنه القاضي الجرجاني بأن الشاعر لا يُعاب لدينه، إذ لو كان الأمر كذلك لاطُّرِح الجاهليون وقد كانوا وثنيين، أو لاطُّرِح شعر أبي نواس وكان شديدَ التهتك والاستهتار.[5]

ولأن الأمر –بناء على هذا – انزاح إلى موقفين متعارضين؛ فإن الإسلام وهو الذي جاء ليرفع من المستوي العقلي والفكري للمسلم، ويجعله ذَوَّاقًا للجمال، مُعبرا عنه بأسلوب متأنق و راقٍ؛ حضّ على قول الشعر وجعله أسلوباً من أساليب الدعوة إلى الإسلام وإلى المثل الرفيعة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: ” يا حسان اهجهم وروح القدس يؤيدك .” وكان يقصد بذلك هجو كفار قريش، وهو الذي بسط –صلى الله عليه وسلم- بُرْدَته لكعب بن زهير حين امتدحه بقصيدة طويلة يعتذر فيها إليه ويلتمس الصفح منه؛ يقول في مطلعها:

بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ == مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفْدَ مَكْبولُ

وَمَا سُعَادُ غَداةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا == إلا أَغَنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ

إنَّ الرَّسُولَ لَنورٌ يُسْتَضاءُ بِهِ== مُهَنَّدٌ مِنْ سُيوفِ اللهِ مَسْلُولُ

ومما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، متفاعلا مع الشعر والشعراء أن سمع  يوما بيتًا شعريا يقول:

ألا كلُّ شيء ما خَلا الله باطِل== وكلُّ نعيمٍ لا مَحَالَة زائِلُ

فقال عليه الصلاة والسلام: أصْدَقُ كلمةٍ قالها شاعرٌ كلمة لبيد: «ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل». أما زهير بن أبي سلمى فقال في صدق الكلام وداعيا إلى خيره:

ما أحسنَ الصدق في الدنيا لقائله *  *  وأقبحَ الكذبِ عند الله والناسِ

بينما أُثِر عن بشار بن برد قوله في الكذب مُعْزِيا السبب فيه وفيمن يألفه إلى مهانته أو قلة أدبه:

لا يكذبُ المرء إلا مِن مَهَانَتِه   *  *  أو عادةِ السوء أو مِن قلة الأدبِ

4-    عن قيمة الشجاعة كَغَرَضٍ شِعري

مما تداوله النقادُ على مرّ العصور حول الفرزدق، وانفرد به هو دون غيرِه من الشعراء،  قولهم عنه: “لولا شعر الفرزدق لاختفى ثلث لغة العرب، ولولاه لاختفى نصف أخبار الناس[6]. إن ما يحمله هذا القول من دلالات لكفيلٌ بِنَا أن نعتز بالشعر وبوظيفته الفنية والأخلاقية والموضوعية. فأنْ تجد شاعرا يحمل هَمّ لغته وهَمّ أهلها بما ينظمه من شعر ؛ لَحَرِيٌّ به أن يُقدّر وأن يُرفع من شأنه؛ لا يعني إلا شيئا واحدًا هو أن الشاعر العربي مهما كان انتماؤه، أو عصره، أو توجهه الفني ليس له من مهمة يشتغل مِن أجلها، مهما جمّل قصائده وأبان عن عُلُو كعبه في نظمها أكثر من خدمة العربية توظيفًا، واحتضانًا، ورعايةً… فكلما أكثر القول وأجاد النظم بها، زاد في عُمرها ووجودِها… ولم يكن شِعرُ الفرزدق مُقدّمًا على شُعراء الإسلام، إلا لأنه ينأى بنفسه وبشعره عن مواطن اللهو والعبث؛ من جهة؛ و لأنه متميز عنهم بشيء لم يستَطِعْنه من جهة أخرى؛ على الرغم مما  يُعْرَفُون به من كفاءة وقدرة على النظم والإبداع الشعري، حتى قال عنه أبو الفرج الأصفهاني : “الفرزدق مقدّم على الشعراء الإسلاميين هو وجرير والأخطل، ومحلّه في الشعر أكبر من أن يُنبّه عليه بقول، أو يدل على مكانه بوصف، لأن الخاص والعام يعرفانه بالاسم، ويعلمان تقدُّمه بالخبر الشائع.[7] بل قال عنه الحطيئة – وهو من هو- لما سمع شعره وهو غلام صغير : هذا والله الشّعر، فقيل له: أتفضله على نفسِك ! فقال: بلى والله، أفضله على نفسي وعلى غيري، وقد أدركَ مَن قبلَه، وسبق مَن بَعدَه، ثم قال الحطيئة للفرزدق: يا غلام لئن بقيتَ لتبرزن علينا.[8]

إن هذا الاعتراف؛ لم يأتِ عن نسب القبيلة للفرزدق فقط؛ بل من نَسَبِ الشعر والإبداع، ومما تألق به هذا الشاعر وبَرَع فيه؛ أنِ اتخذ من غرض الفخر بقومه غرضًا رئيسا لا يحيد عنه، ذلك لأن شرفه وشرف آبائه وأجداده قد مَهّد له سبيل القول بالفخر، حتى تطاول يوما على جرير وتحداه أن يأتيه بمثل آبائه وقومه، فقال له في بيت مشهور :

أولئك آبائي فجئني بمثلهم = إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ

غير أن غرض الفخر هذا؛ لم يكن ليركز على موضوع دون آخر، فما تَرِثُه قبيلة الشاعر بني تميم من المكارم كثيرٌ، سواء في النسب، أو الشجاعة، أو الأخلاق، أو العلم، أو حماية الجار، أو شرف المنزلة، أو قِرى الضيف، أو رجاحة العقل. فالشجاعة مثلا وهي من صفات العرب قبل الإسلام وارتبطت بالفروسية والقوة،  مع الإيمان بالمبادئ والدفاع عنها، قال  فيها الفرزدق مفتخرا بقومه:

لنا عَدَدٌ يُربي عَلى عَدَد الحَصى== وَيُضعِفُ أَضعافاً كَثيراً عَذيرُها

وَما حُمِّلَت أَضغانُنا مِن قَبيلَةٍ== فَتَحمِلَ ما يُلقى عَلَيها ظُهورُها

تَميمٌ هُم قَومي فَلا تَعدِلَنَّهُم == بِحَيٍّ إِذا اِعتَزَّ الأُمورَ كَبيرُها

هُمُ مَعقِلُ العِزِّ الَّذي يُتَّقى بِهِ== ضِراسُ العِدى وَالحَربُ تَغلي قُدورُها

ثم يقول:

لَقَد عَلِمَ الأحياءُ في كُلّ مَوْطِنٍ == بِأنّ تميمًا لَيْسَ يُغْمَزُ عُودُها

وَيَوْما تَميم: يَوْمُ حَرْبٍ وَنَجدَةٍ== وَيَوْمُ مَقَامَاتٍ تُجَرُّ بُرُودُها

كَأنّكَ لمْ تَعرِفْ غَطارِيفَ خِنْدِفٍ == إذا خَطَبَتْ فَوقَ المَنَابِرِ صِيدُها

وَإنّ امْرِأ يَرْجُو تَميمًا وعِزّهَا == كَبَاسِطِ كَفٍّ للنّجومِ يُريدُها

فَمِمّا ظهر أن الفرزدق يتّصف به؛ وبرع فيه على غيره؛ أسلُوبه في النظم، فقد كان في فصاحته وجزالته وغرابة ألفاظه وسعة مفرداته صورةً لأساليب الفُصحاء من شعراء الجاهلية حتى قالوا عنه كما ذكرنا سلفًا: ” لو لا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب“، على أنه من الإنصاف القول: إن الفرزدق لم يكن يُعْرَف بسعة مادته اللغوية فحسب، بل عُرِف بسعة اطلاعه على أيام العرب وأخبارهم ووقائعِها، حتى قالوا أيضا : لولا الفرزدق لضاع نصف أخبار الناس”.  بل ويجيد الاعتذار لها ويحولها إلى فخر، فهو حين عجز عن قتل الأسير الرومي الذي دفع إليه قال:

ولا نقتل الأسرى ولكنْ نَفُكُّهم = إذا أثقلَ الأعناقَ حِمل المغارمِ

وعن الشجاعة دائما ؛ لكن كغرض ذاتي قبل أن يكون غرضا شعريا لهُ أبعاد فنية؛ يقول عنترة بن شداد في قصيدةٍ طويلة جعلها ترتقي إلى بيانٍ شعري يعلن فيه تمرده على العبودية، مُناصرا حريته، ومصرحا بشجاعته، أمام نفسه، وابنة عمه “عبلة”، وأمام قومه مِمن عَيّرُوه بسواده:

عَتَبتُ الدَهرَ كَيفَ يُذِلَ مِثلي == وَلي عَزمٌ أَقُدُّ بِهِ الجِبالا

أَنا الرَجُلُ الَّذي خُبِّرتَ عَنهُ == وَقَد عايَنتَ مِن خَبري الفِعالا

غَداةَ أَتَت بَنو طَيٍّ وَكَلبٍ == تَهُزُّ بِكَفِّها السُمرَ الطِوالا

تَوَلَّوا جُفَّلاً مِنّا حَيارى == وَفاتوا الظّعنَ مِنهُم وَالرِّحالا

وَما حَمَلَت ذَوُو الأَنسابِ ضَيماً == وَلا سَمِعَت لِداعيها مَقالا

وَما رَدّ الأَعِنَّةَ غَيرُ عَبدٍ == وَنارُ الحَربِ تَشتَعِلُ اِشتِعالا

صَدَمتُ الجَيشَ حَتّى كَلّ مُهري == وَعُدتُ فَما وَجَدتُ لَهُم ظِلالا

وَراحَت خَيلُهُم مِن وَجهِ سَيفي == خِفافاً بَعدَما كانَت ثِقالا

ولأنه لايرضى الظلم، ولا يشجع على التحقير، دفاعا عن عزة نفسه، وشرف أمه (وما أدراك ما الأم)؛ إلى جانب كرامة قومه، لم يجد الشاعر الجاهلي عمرَو بن كلثوم بُدّا من أن يَرفع السيف في وجه ملك الحيرة عمرَو بن هند، ليُجهز عليه ودون رحمةٍ؛ لمجرد سماع صراخ أمه واستنجادها به، لمّا فطن لمكر الملك وأمِّه وقتَ دعوتهما للقصر للنيل من شرفها، فقال بصوت الغضب والتحدي:

أَلا هُبّي بِصَحنِكِ فَاصبَحينا == وَلا تُبقي خُمورَ الأَندَرينا

أَبا هِندٍ فَلا تَعَجَل عَلَينا == وَأَنظِرنا نُخَبِّركَ اليَقينا

بِأَنّا نورِدُ الراياتِ بيضاً== وَنُصدِرُهُنَّ حُمراً قَد رَوينا

مَتى نَنقُل إِلى قَومٍ رَحانا== يَكونوا في اللِقاءِ لَها طَحينا

يَكونُ ثِفالُها شَرقِيَّ نَجدٍ== وَلُهوَتُها قُضاعَةَ أَجمَعينا

أَلا لا يَجهَلَن أَحَدٌ عَلَينا== فَنَجهَلَ فَوقَ جَهلِ الجاهِلينا

بِأَيِّ مَشيئَةٍ عَمرو بنَ هِندٍ== نَكونُ لِقَيلِكُم فيها قَطينا

بِأَيِّ مَشيئَةٍ عَمرو بنَ هِندٍ== تُطيعُ بِنا الوُشاةَ وَتَزدَرينا

تَهَدَّدنا وَأَوعِدنا رُوَيداً== مَتى كُنَّا لِأُمِّكَ مَقتَوينا

5-    سلطة الإيقاع في اختيار القيم: الصبر  والجلَدُ نموذجا

ويأبى الشعر العربي –كلما لحقه تطور في عصر من العصور- إلا أن يلزَم حجته المرجعية للسان العربي، وتعلُّمَه؛ مادام هذا الأخير مؤهَّلا في ذاته؛ ومن حيث بنيتُه للتعبير عن مختلف القيم الأخلاقية التي أخفقت في التعبير عنها ألسن أخرى؛ لا على مستوى اللفظ، ولا على مستوى الدلالة… فعلى مستوى اللفظ نستحضر في العربية قاعدة مشهورة بين النحاة تقول: تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني[9] التي تبناها صاحب الخصائص. وشرْحُها نورده بالأمثلة الآتية: فلفظ “الجُرح” ولفظ “الحَرج” على سبيل المثال؛ كِلاهما “ألمٌ”؛ لكنّ الألمَ ههنا ليس من نفس الدرجة؛ فحين يكون ملموسًا يسمى “جُرحًا”، وحين يكون محسوسًا يسمى “حَرجًا”، بل حين يقع على مستوى حَبسِ الجَسد يسمى “حَجْرًا”، ويقوى الألم ويتطور مع العُنف، ويَضْعُف ويَنِي مع النَّفْعِ، وبين العُنف والنفع تصاقبٌ لفظي ودلالي آخر. فالعُنف يقتضي مِنّا ردّه ب”النفع”، وما النفع هنا سوى “الصبر” و “الجَلد”.

لكن؛ هل الصبر في العربية هو الجَلَد؟ طبعا في العربية نؤمن بقاعدة أخرى تقول: كل زيادة في اللفظ هي زيادة في المعنى، ليكون “الجَلَد” بهذا المعنى؛ صورةً من صور الصبر أو درجةً منه، وليس مرادفا له.  لكن اختيار الشاعر لأحدهما في نظم بيتٍ من أبياته الشعرية قد يُصادفه عائق الوزن، فيقدم هذا على ذلك ولو على حساب المعنى الذي يرغب فيه، احتراما والتزاما بالوزن وسلطة القافية.  وبالتالي؛ يتوجب عليه إخضاعه لهذه السلطة وهي سلطة أقوى من الشاعر نفسِه؛ مما يدفعه إلى اختيار لفظ غير الذي كان يريد ليستقيم الوزن معه؛ كما هو الحال مع قول امرئ القيس في لفظ “التجمّل” في البيت الآتي :

وُقُوفَا بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ   يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أَسَى وتَجَمَّلِ

فالتجمّل هنا كان دعوة من صَحبِ الشاعر لتحرّي معاني الجمال في الصبر على الأسى، دون الوقوع في الهلاك؛ لكنّ سلطة القافية والروي على وجه التحديد، فَرض على الشاعر اختيار لفظ “التجمل” بحكم تضمّنه صوت اللام كروي بُنِيَت عليه قصيدتُه، عوض لفظ “التصبّر” مثلا؛ وقد ورد بيتٌ بفصه ونصه باستخدام لفظ “تجلّد” مكان “تجمّل”، في قول طرفة بن العبد:

    وُقُوفَاً بِهَا صَحْبِي عَلَيّ مَطِيَّهُمْ     يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أَسَى وتَجَلَّدِ

فالفعلان : تجمل في شعر امرئ القيس، وتجلد في شعر طرفة بن العبد استعملا بمعنى واحد تقريبا، غير أنّ أحدهما لا يمكن استبداله بالآخر، لأن الفعل “تجمل” في قول امرئ القيس ورد في قصيدةٍ لامية، مطلعها:

     قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ   بِسِقْطِ اللِوَى بَيْنَ الدَّخُولِ  َحَوْمَلِ

والفعل “تجلد” في شعر طَرَفَة ورد في قصيدة دالية، مطلعها :

لِخَوْلَـةَ أَطْلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ   تَلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ في ظَاهِرِ اليَدِ

فسياق استخدام كل منهما يفرض على امرئ القيس استخدام “تجمل” وبالتالي؛ قيمة “التجمل” في الصبر؛ لأن قصيدته لامية، ويفرض على طرفة استخدام “تجلد”؛ لأن قصيدته دالية كدعوة إلى قيمة “التجلّد” الذي هو بمعنى “التصبّر” وزيادة درجة “الصبر” على الأسى.  ولو افترضنا جدلاً أنّ شاعراً سيستخدم هذا البيت في قصيدة رائية، فلا شك أنه سيستخدم الفعل “تصبر” مكان “تجمل” في قصيدة امرئ القيس، ومكان “تجلد” في قصيدة طرفة، فيأتي بيته هكذا :

وُقُوفَاً بِهَا صَحْبِي عَلَىَّ  مطِيَّهُمْ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أَسَى وتَصَبَّر

وعلى هذا يكون التصبّر، والتجلّد، والتجمّل بمعنى واحد، لكن بدرجات؛ أي ليس بمعنى واحدٍ لو تحرّيْنا التدقيق الدلالي طبعا، لكنَّ سلطةَ الوزن والقافية هي مَن تكفلت بالاختيار وتفعيل مبدأ الأفضلية بينها . واستطاعت بذلك؛ أن تغير قيمةً بأخرى؛ وخِصلة بواحدة أدقُّ معنى منها أو أقل بقليل؛ فقط من أجل أن يستقيم الوزن، ولاشيء غير ذلك مما توفق فيه أحمد شوقي حين أمر بالصبر قائلا:

دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ     إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني   

فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها    فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني

وَاِصبِر عَلى نُعمى الحَياةِ وَبُؤسِها      نُعمى الحَياةِ وَبُؤسِها سِيّانِ

يا طاهِرَ الغَدَواتِ وَالرَوحاتِ وَال     خَطَراتِ وَالإِسرارِ وَالإِعلانِ

وسبقتها رائعة للإمام الشافعي وهي تشير إلى تغير الأحوال في أيام اللهو مُنَبّها إلى وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره لمواجهة عموم المصائب والنكبات في هذه الحياة إذ قال:

دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ== وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ

وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي == فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ

وَكُن رَجُلاً عَلى الأَهوالِ جَلداً== وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ

6-    شِعر في الخيانة والوفاء

وعلى شاكلةِ ذلك؛ يأتي لفظُ “الوفاء” مقابلا لِلفظ “الخيانة”، فعلى مستوى الأصوات المركزية أو ما يحلو للبعض تسميتها ب”الأصوات المسيطرة” يَكْمُنُ الاختلاف. فالفاء في الوفاء، والخاء في الخيانة كلاهما صوتٌ مسيطرٌ على ما يرافقه من أصواتٍ؛ وبالتوقف معهما نُسَجِّل: أن الفاء أضعفُ أصوات العربية وأخفُّها على اللسان بالإطلاق؛ لذلك قال الله تعالى معبرا به عن قيمة البر بها :”ولا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما”… فكان الوفاء بهذا؛ مِن القيم الأكثر تَفَلُّتًا، والأقل ثُبوتًا في زماننا، في مقابل قيمة الخيانة التي يُسيطر عليها صوت الخاء، وتسيطر على الواقع المنظور أيضا؛ ولو أنه يشترك مع الفاء في الهمس والاحتكاك،  إلا أنه صوت يكشف عن خُمولٍ وخجلٍ مَعنوي بوصفه صوتاً مخذولاً على حد تعبير د. عبد العباس عبد الجاسم أحمد في مقالة له بعنوان: “الدلالة الصوتية لحرف الخاء في العربية”[10]، والخذلان طبعا قرينُ الخيانة. يقول عنترة بن شداد في هذا الباب واصفا الغدر والخيانة بالنار التي تنشب بالهشيم:

دَهَتني صُروفُ الدَهرِ وَاِنتَشَبَ الغَدرُ == وَمَن ذا الَّذي في الناسِ يَصفو لَهُ الدَهرُ

وَكَم طَرَقَتني نَكبَةٌ بَعدَ نَكبَةٍ == فَفَرَّجتُها عَنّي وَما مَسَّني ضُرُّ

وقال زهير بن أبي سلمى في معلقته وهو يداري عن نفسه أسباب الإهانة والشتم بقيمة الوفاء :

وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْروفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ == يَفِـرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْـمَ يُشْتَـمِ

وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْـلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِـهِ == عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْـنَ عَنْـهُ وَيُذْمَـمِ

وَمَنْ يُوْفِ لا يُذْمَمْ وَمَنْ يُهْدَ قَلْبُـهُ == إِلَـى مُطْمَئِـنِّ البِرِّ لا يَتَجَمْجَـمِ

ولأن الوفاء عُملة نادرة في وقتنَا، يأبى التاريخ الإنساني أن يجود به على كثير من القلوب المغلّقة، فإنه في الوقت نفسه؛ لا يتناساه التاريخ عبر قصة شاعرٍ إنسانٍ علّمَ الإنسانية قيمة الوفاء مُقدمًا روح ابنه فداء له حتى اشْتُهِر بلازمة يُنْعَت بها من وُجد في قلبه شيء من الوفاء تقول: “أوفى من السموأل”. والسموأل هذا؛ واحد من رجال الدين اليهود أيام الجاهلية، ضُرِب به المثل في الوفاء لتسليم ابنه للقَتْل على أن يُفَرِّط في دروعٍ أودعها امرُؤ القيس صاحب (قِفا نَبْكِ) أمانة عنده، وهي دروع كانَ ملوك كِندة يتوارثونها ملكاً عن ملك، فطلبها يوماً ملك الحيرة الحارثُ بن أبي شَمِر الغَسّانيّ بإلحاح؛ فلمّا حُجِبَتْ عنه سار إلى السموأل بجيشٍ، فكان منه أن أخذ ابنًا للسموأل كان خارج الحصن في مُتَصَيَّدٍ له، فخَيّر الحارثُ السموألَ بين دَفْعِ الدروع التي في حِرْزه وقَتْل ابنه، فاختار السَّموأل الوفاءَ بالذِّمّة. و أعطاها ورثة امرئ القيس فقال السموأل:

وَفَيْتُ بأدرع الكندي إني == إذا ما خان أقوامٌ وَفَيْتُ

وأوصى عاديا يومًا بأنْ لا == تُخَرِّبْ يا سموأل ما بنيتُ

وفي ذلك يقول الأعشى، مخاطباً بعض بَنِي السموأل:

كُن كَالسَمَوأَلِ إِذ سارَ الهُمامُ لَهُ ==  في جَحفَلٍ كَسَوادِ اللَيلِ جَرّارِ

جارُ ابنِ حَيّا لِمَن نالَتهُ ذِمَّتُهُ  ==  أَوفى وَأَمنَعُ مِن جارِ اِبنِ عَمّارِ

بِالأَبلَقِ الفَردِ مِن تَيماءَ مَنزِلُهُ   == حِصنٌ حَصينٌ وَجارٌ غَيرُ غَدّارِ

وكوسيلة للدفاع وتبرئة مكانه ومكانته، اختار محمود سامي البارودي رائد الشعر التقليدي في العصر الحديث أن يجعل من الشعر ذرعًا يرد به التهم، ويُثبت به براءته وعزة نفسه من كل ما رُمي به من خيانة للأمانة والمسؤولية، فقد عَلَا صوته وهو بديار النفي قائلا:

مَلَكْتُ عُقَابَ المُلكِ وَهْيَ كَسِيرَةٌ == وَغَادَرْتُهَا فِي وَكْرِهَا وَهْيَ طَائِرُ

وَلَوْ رُمْتُ مَا رَام امْرُؤٌ بِخِيَانَةٍ == لَصَبَّحنِي قِسْطٌ مِنَ الْمَالِ غَامِرُ

وَلَكِنْ أَبَتْ نَفْسِي الْكَرِيمَةُ سَوْأَةً == تُعَابُ بِهَا والدَّهْرُ فِيهِ الْمعايِرُ

فَلا تَحْسَبَنَّ الْمَالَ يَنْفَعُ رَبَّهُ == إِذَا هُوَ لَمْ تَحْمَدْ قِرَاهُ العَشَائِرُ

7-    أبيات في الكرم والبخل

من زاوية بلاغية يعتبر تزيين البيت الشعري بصور فنية وبلاغية أمرٌ مقصود في ذاته، فالقصيدة لا يكتمل بناؤها، ولا تتجمل هيئتها إلا بصور شعرية بليغة تُحَقّق مَسْعَيين من مساعي “عمود الشعر”. يتعلق أولهما بالمقاربة في التشبيه، وثانيهما بمناسبة المستعار منه للمستعار له.

والحال هذا؛ يكاد يتجسد -حقيقة- في كل بيت من أبيات الشِّعر والشَّعَر العربيين، كَرَمًا من الشاعر لقاصِده وقصائده، إمتاعا وإقناعا، وإلا لَناقَضَ دعواه، وواقعَ تعامل الناس في زمنه، لأن البخل كان مما تمقته العرب عامة، في مقابل فخرها بجلب الأضياف واهتدائهم لمكان خيمة الأجاويد الضاربة في الصحراء حيث الليالي الباردة فيُقْرُونَهم[11]. وقد كثرت أشعارهم في هذا الجانب مُفاخرةً. فهذا  النابغة الذبياني يقول :

متى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضوءِ نارِهِ == تجدْ خير نارٍ عندها خَير مَوقدِ

ويقول الأعشى في مدح المحلَّق الكِلابي مُثنيا على طيب ناره وهدوئها، وجودة حَطبه، وحُسن إيقاد ناره:

لعمري لقد لاحَتْ عيونٌ كثيرةٌ == إلى ضوء نارٍ في يَفاعٍ تُحَرَّقُ

تُشَبُّ لمقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانها == وباتَ على النَّاس النّدى والمُحَلَّقُ

أما أبو تمام وبأسلوبه البليغ اجتهد لإقامة البرهان والتفنن في أساليب التعبير عن الكرم وأهله في مثل قوله:

لاَ تُنكِري عَطَلَ الْكَريم مِنَ الْغِنَى*  *  فالسَّيْلُ حَرْبٌ لِلْمكانِ الْعالِي

وإذ نجده توسل بالتشبيه ههنا، فإنه أخفى معالمه، لأنه كلما كان التشبيه خفياً، كان أبلغ في النفس كما يقول البلاغيون.  ومضمون البيت أن الشاعر يريد أن يقنع مخاطبته، ويُزيل استغرابها ودهشتها من فقر الكريم، مبُررا ذلك بأن الأمر غير مستبعد، وليس بغريب، لأن قمم الجبال وهي أشرف الأماكن وأعلاها لا يستقر فيها ماء السيل.

ومن جهته؛ نسب النقاد لأبي نواس بيتا شعريا يعتلي به درجة الحكيم، ونازعا به جُبة المجون واللهو التي لازمته، ولولاها لاعتُبِر مرجعا في اللغة والنحو على حد قول طه حسين وهو يدافع عن “جِديته” في مقابل “لهوه”[12] يقول أبو نواس:

أنتَ للمالِ إذا أمْسَكته == وإذا أنفقته فالمالُ لكَ

وإذ ننسى شعراء الكرم؛ لا ننسى حاتم الطائي ؛ فقد كان رجلا جواداً في الجاهلية[13]، ضُرب المثل في كرمه المُغدِق الفيّاض، فهو يذم البخل ويفتخر بكرمه بأن جعل بيته موطأ للضيوف[14] ويصور ذلك في شعره قائلًا:

وإذا ما بخيلُ النّاسِ هَرّت كِلابُهُ == شَقَّ على الضيفِ الضعيف عقورُها

فإنّي جَبانُ الكلبِ بيتي مُوَطَّأٌ == أَجُودُ إذا ما النفسُ شَحَّ ضَميرُها

وَإِنَّ كِلابي قَد أُهِرَّت وَعُوِّدَت == قَليلٌ عَلى مَن يَعتَريني هَريرُها

وَما تَشتَكي قِدري إِذا الناسُ امْحَلَّت== أُؤَثِّفُها طَوراً وَطَوراً أُميرُها

وإذ ننهي حديثنا عن الكرم ودُعاتِه، فإننا لا نجد مفرّا من التعريج عن البخل ومَن أجاد الوصف في قبحه غير الأخطل وهو يقول فيما اشتهر بين الناس:

قومٌ إذا استنبحَ الأضيافُ كلبهمُ == قالوا لأمّهِمِ: بُولي على النّارِ

فتُمْسِكُ البَوْلَ بُخْلاً أنْ تجودَ بهِ== وما تبولُ لهم إلا بمقدارِ

8-    عن ثنائية الكبر والتواضع

انبرى شعراء مختلف العصور الشعرية في الكشف عن قيمة لفظتي “الكبر” و “التواضع”، ودلالتِهِمَا وتجلياتهما وآثارهما على مَن تحلى بهما … فمن زاوية لغوية يأتي “الكبر” من الاستعلاء والتعالي في الشيء المعنوي؛ في مقابل “التواضع” الذي ينحدر مِن أُسرة الوضع الذي يفيد الاستِفَال وإظهار الضعف احتراما وتقديرا، لا انهزاما واستكانة. فالكبر خصلة قبيحة تَمُجُها الأعراف، وترفضها الشرائع، فيما التواضع يزيد صاحبَه رفعةً وعزة، وقد عبر عن هذه القيمة شعراء كُثُر نذكر منهم: الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي يقول:

ليس التطاول رافعًا مِن جاهِلٍ == وكذا التواضُعُ لا يَضُر بعاقلٍ

لكن يُزادُ إذا تَواضعَ رِفْعةً == ثم التطاولُ ما له مِن حاصِلٍ

وقول الأحنف بن قيس مخاطبا مَن يُظهر كِبره إعجابا بنفسه، ومُذكرا إياه بحقيقته:

يا مُظهر الكِبر إعجابا بصورته == انظر خلاك فإن النتن تثريب

لو فكّر الناس فيما في بطونهم == ما استشعر الكبرَ شبّانٌ ولا شيبُ

هل في ابنِ آدَمَ مِثلُ الرَّأسِ مَكرُمةً== وهو بخَمسٍ من الأقذارِ مضروبُ
           أنفٌ يسيلُ وأذنٌ ريحُها سَهَكٌ == والعَينُ مُرمِصةٌ  والثَّغرُ ملعوبُ 
            يا ابنَ التُّرابِ ومأكولَ التُّرابِ غدًا== أقصِرْ فإنَّك مأكولٌ ومَشروبٌ

أما المتنبي فله في التواضع بيتٌ أشهر من نارٍ على عَلَمٍ يقول فيه:

ملأى السنابل تنحني بتواضعٍ == والفارغات رؤوسهن شوامخُ

ففي البيتِ صورة استعارية رائعة، يستعير فيها الشاعر صفتي الانحناء والتواضع من الإنسان، ويسقطهما على السنابل حين تكون مثمرة، تكريما لكل متواضعٍ لله، ولكل خافضِ جناحيه للناس، في مقابل مَن تكبر على الناس، ونازع الله في سلطانه، وهو القائل سبحانه وتعالى في حديثه القدسي المشهور:” العِزُّ إزاري، والكبرياء ردائي، فمَن نازعني واحدًا منهما عذَّبتُه”[15]. لأن المتكبرَ فارغُ القلبِ والرأسِ مثله مثلَ السنابل الفارغة غير المثمرة التي ترفض الانصياع والانحناء من أجل أن تظل هامتها مرفوعةً تكبرا وأنفة…

وهكذا؛ تختلف طبائع الإنسان باختلاف بيئته وثقافته، ويكتسب منهما العاداتِ والتقاليدَ على كثرتها، ولكن يبقى القاسم المشترك بينهم هو مفهوم الإنسانية؛ فنرى منهم المتواضع الذي يعامل الآخرين بالحسنى، ونرى منهم المتكبر الجاهل الذي يُعامل الآخرين بالسوأى، والشعرُ –على مر العصور- لم يكن إلا وسيلة أدبيه لإظهار سوأة المتكبرين وجهلِهم، في مقابل الاحتفاءِ بالمتواضعين وتكريمِهم مهما اختلفت عقيدتهم وجنسياتهم.

9-    خاتمة.

بعد هذه الانتقائية المبررة من القِيم في مُتون الشعر العربي، وما جاد به النظم فيها، لا أجد مفرا من الاعتراف بأن تتبع البعد القيمي والأخلاقي في الشعر العربي، مع ما لهذا الأخير من دور في احتضانها والتعبير عنها ورعاية لغتها، يحتاج إلى وقت طويل، وجُهد مُضنٍ لرصد كل تجليات القضية وأسبابها وآثارها على الشعر والشاعر واللغةِ والمتلقي على حد سواء، لكن وجب التأكيد على أن الشعر العربي كانت ولازالت تُوجهه الأغراضُ الشعرية والقيمية على مر العصور الفنية، ولا نكاد نجد عصرا خلا من القيم والأبعاد الأخلاقية التي تحكم العلاقات بين الناس، وتبني جسور الثقة بينهم، فكان الشعر العربي ولازال؛ بناءً على هذا الوضع : حجةً معرفية للمثقفين والمفكرين؛ وحجةً فنية للشعراء والأدباء؛ وحجة استشهادية للعلماء والفقهاء؛ وحجة لغوية للنحاة والبلاغيين؛ وحجة إيقاعية للعروضيين  والنقاد، وحجة تاريخية لأصحاب الحضارة والمؤرخين، ثم أخير حجة أخلاقية للمعلمين والمتعلمين وعامة الناس.

المراجع

  1. القرآن الكريم
  2. صحيح مسلم.
  3. ابن جني، الخصائص، ج2.
  4. ابن كثير، السيرة النبوية تحقيق مصطفى عبد الواحد.
  5. إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار الشروق، عمان، ط2، 1993.
  6. الأصفهاني،أبو الفرج ، كتاب الأغاني، المجلد الحادي عشر .
  7. الجرجاني، الوساطة.
  8. الحموي، ياقوت. معجم الأدباء،
  9. دراسات تربوية، المجلد6، العدد24، السنة 2013.
  10. شوقي ضيف، العصر الجاهلي.
  11. الصفدي، الوافي بالوفيات، المجلد الواحد والعشرون.
  12.  طه، حسن، جدية أبي نواس، مجلة خصام ونقد، دار العلم للملايين، بيروت، ط11، مارس 1982.
  13. قايس يسمينة، أسواق العرب في الجاهلية ودورها الأدبي.
  14. محمد بن ابراهيم الحمد، كتاب نوازل الضيافة.

[1]  الجرجاني، الوساطة، ص34.

[2] قايس يسمينة، أسواق العرب في الجاهلية ودورها الأدبي، صفحة 9.

[3]  إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار الشروق، عمان، ط2، 1993، ص 647.

[4]  نفسه، ص669.

[5] نفسه، ص669.

[6]  الوافي بالوفيات، الصفدي، المجلد الواحد والعشرون 256.

[7]  كتاب الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، المجلد الحادي عشر ص 396.

[8]  معجم الأدباء، ياقوت الحموي، ص 2786.

[9]  الخصائص، ابن جني، ج2، 147.

[10]  دراسات تربوية، المجلد6، العدد24، السنة 2013، ص127.

[11]  محمد بن ابراهيم الحمد، كتاب نوازل الضيافة، صفحة 24

[12]  طه، حسن، جدية أبي نواس، مجلة خصام ونقد، دار العلم للملايين، بيروت، ط11، مارس 1982 صص245 و246.

[13]  السيرة النبوية لابن كثير، تحقيق مصطفى عبد الواحد، صفحة 108.

[14]  شوقي ضيف، العصر الجاهلي، صفحة 68.

[15]  صحيح مسلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.