النظريات اللغوية القديمة وأثرها في تعليم اللغة وانتشارها

0 166

النظريات اللغوية القديمة وأثرها في تعليم اللغة وانتشارها

د.  ليلى عبد الرزاق الزقوزي

محاضر بكلية التربية طرابلس/ جامعة طرابلس

الحمدُ لله العزيز الوهاب، والصلاةُ والسلام على سيدنا محمد صلاةَ دائمة إلى يوم الحساب
والشكرُ لمن نظم هذه الندوةَ، وللقائمين عليها لموافقتهم على مداخلتي المتواضعة للاحتفال بيوم جلَّ قدرُه وعلا شأنُه، يومٍ اعترف فيه أعداءُ العربيةِ بها، فعلت رايتُها، وانتشر حرفُها، ولو كره الكارهون.

أولا- ما المقصود بالنظرية؟

النظريةُ مصدرٌ صناعيٌ، يقصدُ بهِ اصطلاحًا: “ترتيبَ أمورٍ معلومةٍ على وجهٍ يؤدي إلى استعلامِ ما ليس بمعلومٍ”. ( الكليات، أبو البقاء الكفوي ، 1998م، ص904)،  وهي: “فرضٌ علميٌ يربطُ عدةَ قوانينَ بعضَها ببعضٍ، ويردُها إلى مبدأٍ واحدٍ يمكنُ أن نستنبطَ منه حتمًا أحكامًا وقواعدَ”. (المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، 1983،ص202).

ثانيا- النظرية اللغوية العربية:

هل يمكنُ أن تعدَّ فكرةَ العاملِ نظريةً؟ وهل قام النحوُ على أساسِ هذه الفكرةِ فقط؟ إذا كان كذلك فهل تصلحُ هذه الفكرةُ لدراسةِ الجانبِ الصوتيِّ والصرفيِّ والدلاليِّ؟

  • إذا اعتبرنا أن العاملَ فرضٌ عقليٌ تدورُ حوله بعضُ الكلياتِ في الدراسةِ النحويةِ، فهو نظريةٌ حاول علماءُ العربيةِ تفسيرَها وإثباتَها، وقد وردت هذه الفكرةُ في كتابِ سيبويهِ (الكتاب.1/13) وتواترت عند علماءِ النحوِ ولم يحاولوا تطويرَها، وإنما أدخلوها في جانبِ التجريدِ الفلسفيِّ حتى لجأ بعضُ العلماءِ إلى نقدِها، وبعضُهم الآخرُ دافع عنها بـ“أن محدثَ هذه المعاني في كلِّ اسمٍ هو المتكلمُ، وكذا محدثُ علاماتِها، ولكنه نسب إحداثُ هذه العلاماتِ إلى اللفظِ … فسمّي عاملا لكونِه كالسببِ للعلامةِ“ (شرح الرضي لكافية ابن الحاجب. 1/52)، وصارت هذه الفكرةُ بدلا من استعمالِها لربطِ المفرداتِ داخلَ التركيبِ لإعانةِ المتعلمِ على فهمِ قواعدِ النحوِ، صارت شرا عليه، ليس لأنها غيرُ صالحة ٍوإنما لأنها طغت على غيرِها كما أنها استعملت بشكل خاطئ يفلسفُ بها المعلمُ اللغةَ ويجردُ بها الكلامَ، ويضجرُ المتعلمُ ويتذمرُ من صعوبةِ هذا التجريدِ.
  • ولا يمكن للمتعلمِ تطبيقُ فرضيةِ العملِ على جميعِ مستوياتِ التحليلِ اللغويِّ، بل إنه لا يمكنه أن يطبقَها على جميعِ كلياتِ النحوِ، ولهذا يجدر أن تكون فكرةُ العملِ هي أسلوبٌ تعليميٌ وليست نظريةً تدورُ حولَها جميعُ الجزئياتِ، فكما استعملَ الأقدمون النظمَ لتسهيلِ الحفظِ، واستعملوا الميزانَ الصرفيَّ لتسهيلِ معرفةِ بنى الكلماتِ صرفيًا، وكما استعمل الخليلُ البحورَ العروضيةَ لتحديدِ الوزنِ الشعريِّ، … استُعمل الأسلوبَ العقليَّ في تعليمِ اللغةِ المتمثلِ في أسلوبِ العملِ النحويِّ لإدراكِ بعضِ جزئياتِ اللغةِ، وهو يناظرُ أسلوبَ الأصلِ والفرعِ في البنى الصرفيةِ والاشتقاقِ والتصريفِ والتقليباتِ الصوتيةِ والاشتقاقِ الأكبرِ، وهذه كلُّها أساليبُ عقليةٌ تعينُ متعلمَ اللغةِ على ربطِ مفرداتِها الجزئيةِ للوصولِ بها إلى كلياتٍ عقليةٍ، فيتمكنُ من القياسِ عليها.

ثالثا- سمات النظرية في التراث اللغوي

  • يتبين للناظرِ في علومِ العربيةِ أن علماءَ العربِ اعتمدوا على تصنيفاتٍ لغويةٍ متشابهةٍ عند دراسةِ اللغةِ من مستوياتِها المختلفةِ، وعدَّها بعضُ الباحثين نظريةً عامةً للدّراسةِ اللغويةِ العربيةِ القديمةِ تدور حولها جميعُ أساليبِ تعليمِ العربية (محمد عبد الدائم في كتابه: النظرية اللغوية في التراث العربي، ص160-162)، وهذه التصنيفاتُ هي:

النموذج القياسي- النموذج المكمل – النموذج البديل – النموذج المتداخل.

 

فكان التصنيفُ الأولُ النموذجَ القياسيَّ الذي يبني المتعلمُ عليه لغتَه، والتصنيفُ الثاني هو تصنيفُ المنقولِ إلى مسموعٍ يعولُ عليه، وشاذٌّ يسمعُ ولا يقاسُ عليه، والثالثُ يتعاملُ معه المتعلمُ على أنه مكملٌ للتصنيفِ الأولِ، فيعرفَ به لغاتِ العربِ والقراءاتِ المختلفةِ والضروراتِ والتغيراتِ التي حدثت للكلماتِ وغيرت النظامَ القياسيَّ، ثم يليه التصنيفُ الرابعُ وهو حظرُ اللحنِ والشاذِّ والقليلِ والمهملِ …، ثم اتخذوا بعد ذلك لكلِ مستوىً ما يناسبه من أساليبَ تعليميةٍ.

وهذا التصنيفُ وصفيٌ لا معياريٌ يمنعُ التداخلَ في معالجةِ اللغاتِ المتعددةِ  (بناء النظرية اللغوية في التراث اللغوي وتقويمها، مجلة المعيار، 2/10/2020، ص169)

ولا شكَ أن وعيَ المتعلمِ بوجودِ هذه الحدودِ للغةِ سيعينُه  على التزامِ القياسِ على النموذجِ الأمثلِ، مع علمه بالنماذجِ المكملةِ والبديلةِ فلا يستنكرُ ما لم يأتِ على النموذجِ القياسيِ، ويحذرُ من استعمالِ النماذجِ المحظورةِ، أما عن تلك الأساليبِ التي استعملها أهلُ العربيةِ لتعليم اللغة، فقد كانت مشابهةً لما اتفق عليه المحدثون من أن للغةِ بنيةٌ عميقةٌ وأخرى سطحيةٌ، وتظهر  أيضا فيما يعرف حديثا بنظرية التعلم markedness

وبقاءُ العربيةِ إلى يومِنا هذا يرجعُ إلى علمِ متعلمِ العربيةِ بتصنيفاتها السابقة واستخدامِه أساليبَ تعلمٍ متعددةٍ تمكنُه من القياسِ وإنتاجِ جملٍ تتفق مع قواعدِها، وهذا ما أطلقَ عليه تشومسكي مصطلحَ الكفايةِ اللغويةِ، التي لا بد من ربطِها بالواقعِ العمليِّ للغةِ، والوصولِ إلى هذه القواعدِ عن طريقِ الكلامِ المحسوسِ بالتدريبِ والممارسةِ؛ لأن أساليبَ التعلمِ ليست هي اللغةُ، فاللغةُ هي ما يترددُ على ألسنةِ ناقليها وليست القواعدَ والنظرياتِ والأساليب.

رابعا – أساليب تعليم العربية التي استعملها العرب قديما:

استخدم العرب  قديما عدة أساليب لتعليم العربية منها:

  • 1- العامل النحوي
  • 2- الميزان الصرفي
  • 3- النظم
  • 4- المثلثات
  • 5- الأشباه والنظائر
  • 6- التقطيع العروضي (وهو يضاهي التقطيع الصوتي في تعليم اللغة حديثا)
  • 7- حمل الأصل على الفرع
  • 8- الاشتقاق الأصغر والأكبر
  • 9- التقليب الصوتي
  • 10- الوعي باللغة
  • 11- الاشتراك والتضاد والترادف
  • 12- جداول التصريف
  • 13- التلقين والمشافهة

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.