د. جمال الهاشمي يكتب: فكرة المقاومة الفيزيائية بين منهج التبرير وثقافة التدمير

0 1

فكرة المقاومة الفيزيائية بين منهج التبرير وثقافة التدمير

د. جمال الهاشمي

عندما تفتقد أية نخبة قومية أو إسلامية، أو تعجز عن بناء مشروعها الخاص تلجأ كنوع من ضرورات الواقع المفروضة لإثارة فلسفة التعايش والاندماج، وتؤسلم الاستهلاك الفكري والحضاري والنماذج الأخرى أو تنتحل قوالبها في تبريرات إسلامية، ويأتي هذا بعد سلسلة من الصراعات النفسية مع الذات التي تستهلك القوالب الفكرية الوافدة للدفاع عن الذات في نماذج جدلية صدامية أو اندماجية بين الأنا والآخر.

وقد تأصلت المكونات النفسية الاجتماعية في عالمنا العربي نتيجة لذلك الانفتاح العشوائي المقلد والإلتياع المزمن بثقافة الغالب وترتب عليها انتقال تلك المفاهيم والأفكار بصيغ أيدلوجية صريحة كالعقائد الشيوعية أو مندمجة أو منتحلة بقوالب قومية كالقومية العربية والطورانية او القوميات القطرية المعاصرة ومن ثم جاءت حركة الصحوة لتأخذ هذا الموروث ولكن على طريقة جمال الدين الأفغاني الذي تبنى مفهوم القومية الإسلامية وأخذ بها الخميني لتأسيس القومية الإيرانية الإسلامية كمحور لقيادة العالم الإسلامي باعتبارها قومية النخبة ومن ثم تأصلت حركة الإخوان على هذا المفهوم باعتبارها حركة النخبة بدلالة عدم انتقال قيادة الحركة العالمية أو صفة المرشد العام  إلى جنس آخر خارج  إطار القطر القومي. كما تتشابه مفاهيم المرشد بين حركة الإخوان والقومية الإيرانية الإسلامية بقيادة المرشد الأعلى للثورة.

وهذا النسق الوظيفي يحتم علينا النظر في ثقافة الاستهلاك المفاهيمي على مستوى التنظيم السياسي وتوافق الرؤية من حيث التنظيم بين الرؤيتين لا سيما إذا نظرنا إلى التقية كمفهوم يربط بين سرية المعتقد والتمكين السياسي، وهو بين سرية التنظيم وعلانية الدعوة عند الإخوان لأهمية ذلك في تربية المجتمع ووسيلة من وسائل التمكين للسيطرة على النظام السياسي من خلال ثورة التمكين والانقلاب أو بالتمكين السلمي من بالسيطرة على القيادة السياسية واستغلالها واختراق المؤسسات العسكرية وذلك بتحويلها من الولاء الوطني إلى الولاء الحزبي.

وتعود هذه الاستراتيجية من حيث التنظيم إلى المعتزلة الذين استطاعوا اختراق النظام السياسي العباسي من خلال محاضن التربية داخل قصر الخلافة وذلك بتربية المأمون الذي ترتب عليه التمكين السياسي ونشر أفكارهم واستحلوا دماء العلماء والمتعلمين والمخالفين بفتاوى دينية ومن ثم سيطروا على المحاكم والمدارس ووظائف الدولة ومؤسساتها واستمر خلال الخليفتين المعتصم والواثق وترتب على هذه الممارسة أن تصدرت  فلسفة الكلام  والفلسفة المحضة عبر حلقات التعليم في المجتمعات مما وسع الفجوة بين المجتمعات والسلطة وبين المجتمعات وبعضها في مذاهب ومعتقدات وإثنيات متعددة هيئت الدولة العباسية للصراعات القومية الداخلية وانتقال سلطتها الفعلية إلى السلطنات والدويلات بمباركتها مع استمرار بقاء رمز الخلافة الإسلامية كجزء من التراث قبل أن يعلن التتار نهايتها بقتل آخر خلفائها.

ومنذ ذلك العهد تسيطر أفكار المعتزلة السياسية والثورة السلمية ومحاضنهم الاجتماعية الكلامية واختراق المؤسسات والوصول إلى السلطة من خلال فتح بوابة المعتقدات والأيدولوجيات والإثنيات والقبليات والقوميات العامة والقطرية وذلك بالسيطرة على الجامعات والمدارس والمحاضن التربوية والاجتماعية وهو ما أعطاها الشرعية الاجتماعية قبل أن تتحول إلى حلقات الحزبية بشرعية سياسية

وهكذا وعن هذه المحاضن التربوية ورثنا العنف والتذبذب الفكري والتقلبات العاطفية وبهذه المؤسسات وقع المجتمع تحت فلسفة المؤامرة والأنا والحقيقة المطلقة ليصبح المجتمع بهذا المنتوج الفكري الأيدلوجي والحزبي  أحد تحديات السلطة السياسية، وأحد أدوات الإرهاب ومعوقات التنمية، سواء ذلك الإرهاب التي شكلته الأيدولوجيات والمعتقدات الحزبية، أو الإرهاب الذي تسيسه النظم القومية والعالمية أو الإرهاب الذي يصنعه الحرمان الاقتصادي وتستغله فلسفة الحلول الإسلامية المعاصرة.

بينما نجد الوعي الحديث والمعاصر في بنية الفكر الحضاري الغربي أو الأسيوي المتقدم بأبنيته الفاعلة وحقائقه الذاتية تتكامل بنياته الحزبية مع توجهاته العامة وحضارته وبنيته التعليمية والمنهجية في صورها المستقلة كقوة مؤثرة أو مشاركة في صناعة المتغيرات الدولية والاجتماعية والثقافات العالمية، ومع هذا التكوين المحلي في تلك الحضارات على قيم أحادية ومبادئ قومية عامة وصلت تلك الدول إلى العالمية وقدمت نماذجها إلى العالم الأمم المستهلكة في قوالب تعليمية وبحثية ومؤسسية وإدارية بما فيها من جينات حضارية وتاريخية وتعاليم دينية وثقافية وأخلاقية، ومن ثم تعود أيدلوجيا المعتزلة في ثقافات تعليمية معاصرة يصدرها الوافد ويستهلكها الفاقد.

وحديثي عنها هو حديثي عن نخب القوالب المستهلكة لكل ما لدى الآخر من نماذج وثقافات وتعاليم ومعتقدات وأخص في هذا المقال تبعا لسابقه تلك الكتابات الإسلامية المنفتحة أو التي تؤسلم المفاهيم الوافدة على غرار أسلمة خلق القرآن عند المعتزلة، حيث ترادف هذه التيارات الإسلامية بين الديمقراطية والشورى، وفي الوقت الذي يدعون فيها إلى الحاكمية يدافعون عن الديمقراطية ويتخذونها وسيلة للوصول إلى السلطة، في صيغ جديدة لمفهوم الخروج على الحاكم ، أو التمرحل من ثقافة الثورة السلمية إلى الثورة الجهادية في قوالب قرآنية جديدة تؤطر لمفاهيم الخروج على البيعة وطاعة الإمام.

ومع رفضهم لفكرة العلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة والمطالبة بالحاكمية فإنهم يطالبون الغرب بحماية الديمقراطية من استبداد النظم الحاكمة ويتبنون حوار الحضارات وفكرة العالمية بديلا عن العلمانية، ومن نقد الغرب في سلوكه مع المرأة واخراجها من بيتها  واستغلالها في الاقتصاد والسياسية إلى استغلال المرأة المسلمة في الدعاية السياسية والإعلامية ودعمها للحصول على جوائز العالم الدولية من العالم الآخر أو الكافر وفقا لثقافة التناقض بين الذات والسلطة والغاية والوسيلة، ومن الخوف من وحشية الغرب إلى البحث عن إنسانيته والهجرة إليه لممارسة التجارة والعيش والمعارضة للنظم السياسية المستبدة، ومن ثقافة المقاومة والمتاجرة بالقضية الفلسطينية إلى الاحتماء بالغرب وقوته العسكرية للتحرر من الأنظمة العربية،

ومن مناهضة الوجود الدولي والأمم المتحدة ووصف النظم السياسية العربية بالعمالة والنفاق والمتاجرة بالقضية الفلسطينية إلى الاستعانة به في احتلال البلدان المتحررة في العراق وليبيا وتونس وسوريا وقريبا تركيا وغيرها من ثقافة الولاء والبراء، بل ومن ثقافة الخطب في المساجد واستغلال المجتمعات بالتبرعات إلى ثقافة تنمية التعليم والتدريب وتقنين الجهل وأمية المتعلم وامتصاص الثروات.

وفي خلاصة ما سبق نؤكد أن هناك منهجان مسيطران على العالم الإسلامي أحدهما منهج المعتزلة في أبعاده الاجتماعية والسياسية والثقافية والخوارج في أبعاده التنظيمية والعسكرية والجهادية ومنهج السوفسطائية في قوالبه الجدلية والإعلامية حيث تتشكل به تيارات الشيعة وحركات الصحوة الإسلامية والمفكرين الإسلاميين برعاية دولية وما يزال هذا الموضوع خصبا حيث يمكننا مواصلة الكتابة حول هذا الموضوع قبل الانتقال إلى المناهج القومية وإبانة تحصيلاتها التاريخية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.