د. جمال الهاشمي يكتب: التعليم والتغرير بين أزمات الواقع وجدلية التغيير: تيارات الصحوة والعقلانية الإسلامية

0 1

التعليم والتغرير بين أزمات الواقع وجدلية التغيير

د. جمال الهاشمي

g.alhashimi@yahoo.fr

لم تكن حيوية التغيير في مناهج التعليم قضية حديثة أو خصوصية عربية معاصرة فقد اشتد الجدل في التاريخ اليوناني بين جدلية الخطاب السفسطائي والمقاربات الواقعية السقراطية ومقاربات الميتافيزيقا الافلاطونية والمقاربات العقلانية الٍآرسطية حيث استمرت ثقافة التغيير تطحن رحاها بين أربعة أجيال متداخلة مع بعضها وكان لكل جيل طموحا مختلفا عن الآخر ويمكن تلخيص تلك السجالات في عدة اتجاهات سنجعلها ضمن سلسلتنا في الحديث عن التعليم كقضية محورية لمركز الإصباح بين التجديد والمنهج.

الاتجاه الأول وهو النموذج المحتكر بأدوات النفوذ والسلطة والذي سيطر على نمط الحياة الاجتماعية اليونانية والإدارة ومؤسسات التعليم وهو النمط السفسطائي ويشبه واقعنا العربي المعاصر المخضرم بين جدلية العلاقة بين حق التعليم والحرية وضرورات التنمية والمصلحة القومية والمصلحة الشرعية.

وهذا النموذج هو النمط السجالي الخطابي بجميع مكوناته القائمة واتجهاته المختلفة، والتي تأسست معالمه الجدلية بسجالات العقاد وطه حسين والرافعي والمنفلوطي وعلي عبد الرزاق وقاسم أمين وعائشة محمد علي عبد الرحمن وحسين هيكل وتعتبر مقالات وكتابات محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ومحمد رشيد رضا؛  من أهم أعمدة الفكر الإسلامي المعاصر وأهم قواعده المعتبرة وأكثرها تأثيرا على القدامى والمحدثين بواسطة أو بطريقة مباشرة ، وبدرجة أقل عن مجالات الفكر يمكن اعتبار حسن البناء وسيد قطب رائدان في الخطاب العاطفي الاجتماعي ومهندسي التنظيمات السرية ورمزان معتبران من رموز التخطيط الاستراتيجي للقوة العسكرية والتعليم بعيد المدى، ويمثل الأزهر تيارات أخرى مختلفة ومتداخلة مع بعضها التقى مع الوافد كما شكل لحظة مفارقات معه بالإضافة إلى حركات جهادية وثقافة المقاومة وكلها أبرزت تيارات خديجة وفطيمة وأخرى جذرية وبنائية.

ويقابل ذلك في الفكر الشيعي كل من محمد النائيني الذي كان ملهما للخميني والثورة الإسلامية الإيرانية، ومحمد باقر الصدر في العراق، وحسين فضل الله في لبنان.

مثل العقاد نمط إسلاميا مخضرما جمع بين منهجية التناول لدى العالم الغربي الحضاري المتقدم وعبقرية الصدر الإسلامي الأول ويغلب عليه طابع التقليد الغربي أسلوبا ومنهجا ومنطقا و تتقارب المحتويات التركيب بين كتاباته وكتابات مفكري الغرب المعاصرين له أو قبله لا سيما مع انتشار مدارس الاستشراق الغربي ومؤلفاتها عن العالم الإسلامي، وبذلك كان أول من استعمل المصطلحات والمفاهيم الغربية بطريقة متأسلمة وأسس لثقافة الاندماج الحضاري وكان أول من أشار الى فضيلة التعايش الحضاري من وجهة نظر إسلامية وربطها بمنطقية التفكير كفريضة شرعية ومن ثم ولد ما يسمى المفكر الإسلامي مقارن للمفكر القومي العربي أو المفكر الغربي الأصل والمصدر والمنهل المعاصر لقاموس المصطلحات الإسلامية المعاصرة.

وهو ما يعني الحديث عن التفكير غير المنضبط بحدوده .. المواكب لثقافة التفكير الغربية، وقد جعل ميزان كتاباته بما يقوله الغرب ويشهدوا له ومن ثم ترجم له الغرب بعض كتاباته ولما كان الغرب هو معيار التقدم والحضارة ومعيار العلم فقد وجد العقاد قبولا نخبويا في الوسط الجامعي وقبولا شعبيا عاما وما يزال مؤثر على الساحة بثقافته الوجدانية في محور حديثه عن العبقرية كرؤية نفسية انهزامية تحاول الوقوف في صفوف العباقرة باستدعاء التاريخ للاستعانة به والجناية عليه، والهدف الأسمى منه إبراز ذاتية الأنا أو ذات العقاد العبقري الحداثي المتقدم.

أما من حيث مخاطبة الوجدان فقد استعان بالمقولات النفسية لعلماء النفس الغربيين وبذلك ألغى العقل وأوقد نيران العاطفة وقد ساعده رجحان الثقافة الأدبية في ذلك العصر والتي ولد من رحمها علماء تفسير كعائشة بنت عبد الرحمن وغيرها وبذلك كانت الأصول اللغوية هي وحدة القياس الأصولي لبقية العلوم.

؛ حيث كانت فكرة العبقرية كعنوان لأكثر كتاباته المشهورة اقتباسا عن الآخر الغربي الذي كان يمثل النموذج الحقيقي الواقعي  آنذاك بينما كان يبحث عن شوارد النهضة والعبقرية الإسلامية بمحتويات مختلطة بين ما كتبه الأمريكي بنيامين فرنكلين وما ورد في كتابات السير الإسلامية في المجلدات التاريخية المعروفة بالطبقات والمغازي والتراجم، وللتقريب يمكن الإشارة إلى هذا النمط بالتمثيل المعاصر وإن كان يبدو هذا النمط قد بدأ بلهجات شعبية تجاوزت اللغة العربية في مضمار الحديث عن الغاية بالفكرة مع كل من الدعاة كعمرو خالد وطارق السويدان وعمر عبد الكافي، حيث شكل هذا التيار نمطا جديدا من حلقات القصاصين

ومن هذه النمطيات الأقصوصية تشكل العقل الحداثي والباحث عن الذات الإسلامية في البحث عن مصادرها بما لدى الآخر في سلسلة جدلية بين حلقات مفرغة تنتهي بجواب من أكون وكيف أكون وماذا يجب أن يكون وكيف أن أمون قائدا وكيف أصنع الحياة؟ وقد تأثر بهذه الحركة شخصيات أخرى ولكنها تتمتع باطلاع أوفى وتصب تخصصاتها في صلب الدراسات الإسلامية ولكن بطرق مختلفة ومغايرة برزت معالمها مع سلمان العودة وعائض القرني وغيرهما من حركات الصحوة الثانية وكامتداد متأثر بالصحوة الأولى، غير أن كتاب لا تحزن كان له نمطا آخر ربما كان فيه مواساة للمقهورين والمستضعفين، وإن كانت لها تحليلات يمكن الوقوف عليها من مدخل القدر كسجال فلسفي تاريخي بين تيارات مختلفة ليس هنا مجال طرحها.

وبهذه المفارقة المنفصمة بين الذات والآخر أو المغايرة للذات بالآخر تشكلت عقدة النقص الكائن في ذاتية العقاد أو عقد التخلي عن مجتمعات عصره المسلوبة والمتعدد الثقافات والمناهل والأفكار، وثقافة الانبهار بما لدى الأخر المكون لثقافة العقاد التي ارتسمت في كتاباته المسلوبة أو المنحولة عن الآخر حيث تتشكل شخصيته الإسلامية وبها تشكل الهجين المنهجي العاطفي بين عاطفة الوجدان الإسلامي وعقلانية الفكر الغربي كالهجين البوذي في مقارباته الدينية المتعددة عن الكونفوشيوسية والبرهمية والمسيحية بدلالة ما كتبه عن رموز الحضارات الأخرى أمثال “فرانكلين، غاندي، والزعيم الصيني صن يات سن.

، هذه الرؤية التي استنسخها العقاد هي النمطية المسيطرة على كثير من كتابات المفكرين الإسلامين السياسيين أو الإسلام السياسي، بجميع ميولاتهم المختلفة كحركات الصحوة والحركات التجديدية أو المتأسلمين المستقلين، وعلى هذا النمطية الوجدانية في مدرسة أخرى أكثر دفاع عن الإسلام برزت مدرسة أخرى في كتابات سيد قطب الناقد الأدبي كردة فعل جدلية للصدمات الحضارية التي دفعت بهذا الاتجاه نحو تشكيل محورية جديدة لإعادة خلق الذات الإسلامية لكن بمنهجية جديدة مخضرمة بين ما عندي وما عند الآخر، أي نظرية المفارقة بين طرفي صراع تاريخية ودينية واقتصادية، وبهذا حول قطب ما عند العقاد من فلسفات تتحدث عن العبقرية إلى قوة مقاومة للذات المنهزمة والغارقة في ثقافة الاستهلاك الفكري والحضاري الوافد كثقافة الاستهلاك الموجودة عن العقاد، والذات المقاومة ضد غزوات الاستعمار الغربي المسلحة المؤسسة لثقافة الجهاد الإسلامي الذي تجاوزت فلسفة الجهاد النفسية المقاومة للشهوات والموسومة بالجهاد الأكبر عن حسن البناء ، والذات المتحررة لمواجهة الاستبداد السياسي المفارقة للقرآن في استعادة لثقافة القرآنيين القدامى، وبذلك أسس لحركة القرآنيين الجدد وإن لم يكن هو قرآنيا بالمفهوم نفسه.

وتظل هذه الرؤى التي طرحها رؤى فلسفية في مقاربات حداثية بين ما لدى المعتزلة القدامى وأصوليات الثورة المسلحة عند طوائف الخوارج القدامى. وبأحد شقيه برزت الثقافة القرآنية ليست على مستوى العلمانيين القرآنين المناهضين للسنة النبوية والمعادية للبخاري كأهم رموز السنة النبوية المدونة، كما تشكلت الثقافة القرآنية لدى الزيدية الهادوية في اليمن والتي تستقى جذورها الاعتقادية عن أصوليات المعتزلة وتتفق مع الأباضية المعاصرة في كثير من الأصول والمبادئ والمحددات.

استطاع  سيد قطب الجمع بين العاطفة والثورة وصناعة الرمز الذي جعل من تضحيته رمزا جديدا مدافعا عن قيم آمن بها وبذلك شكل ثقافة التضحية لدى مستلهميه و ملهما رئيسيا لحركات الصحوة الإسلامية المعاصرة، وتتقارب هذه الرمزية الحداثية بالرموز البرهمية والشيعية كنظريات رمزية تاريخية شكلت نمطا جديدا من المظلومية الحداثية لحركات الإسلام السياسي والراديكالي وإن كانت في أكثر جوانبها تاريخية، على غرار نظرية المقهورين التي حفزت مشاعر التحولات المجتمعية في العالم الأوربي وكانت سببا في سيطرة التيار البروتستانتي على القارة الأوربية والأمريكية أو في الغالب منها.

وفي المقابل كان هناك نموذجا إحيائيا  لا ينتمي إلى جغرافية المشرق الإسلامي الذي يلتقي معه في النسب الإسلامي، حيث برز في بلدان المغرب العربي مع الطاهر ابن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية كنوع من ابتعاث الموروث للإمام الشاطبي المعروف في كتابه الموافقات، وقد ألهم هذا الكتاب جيلا جديدا من المخضرمين الحداثيين كالإمام محمد عبده تلميذ جمال الدين الأفغاني صاحب نظريات الاعتزال الحداثية، وبين المقاصديين الجدد الذين تناولوا المقاصد الشرعية من مدخل النظريات الفلسفية أو المناهج العقلانية الغربية لعقلانية المعتزلة القدامى فيما يعرف بنظرية المقاصد الشرعية وقد تبنى هذه الحركة المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي أخرج عددا من الدراسات منها نظرية المقاصد لإسماعيل الحسني ونظرية المقاصد للريسوني في مقاربة حداثية جديدة بين النص والعقل كمبادئ أولوية وبين مفهوم الحرية والسياسية كقضية إشكالية معاصرة.

ومن ثم برزت العديد من المعاهد والمراكز المتخصصة في هذا المجال كمركز المقاصد الشرعية في لندن الذي أسسه الوزير السعودي الأسبق أحمد زكي يماني واجتمع عليه العديد من متخصصي العلوم الشرعية ووغير المتخصصين الذين ينتسبون إلى حقول أخرى كالعلوم السياسية والاجتماعية وبذلك أسس مع هذا التيار حركة إحيائية حداثية بمناهج المعتزلة القدامى جمعت بين الفلسفة السياسية والفلسفية الشرعية. وحديثي عن الفلسفة إشارة مني إلى أصول المعتزلة والأصول الغربية المعاصرة للتفكير المنهجي.

وبذلك توسعت الدائرة كنمط حداثي دمج التاريخ في الواقع والنص بالعقل  وأسس صورا متعددة من المراكز والجمعيات والمؤسسات التعليمية أشبه ما يكون في تنظيمه بالنظرية اليسوعية والتي أسست العقلانية المسيحية المناهضة للتعاليم الكاثوليكية البابوية القديمة، ويتشابهان من حيث السياق والمصدر في أن كلاهما ولدا من رحم الأصولية القديمة وكلاهما تبنى عقلنة النصوص الدينية، وقد تجاوزت هذه الحركة مبادئ ومحددات الإمام الشاطبي المدونة في كتابه “الموافقات” ووضع أول لبناتها العالم المفسر الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير في إشارته المعلومة  إلى مفهوم الحرية كأصل سعى لأن يجعله سابعا في إطار نظرية المصلحة التي أشار إليها الشاطبي في كتاباته مع العلم أن الشاطبي جعل شروطا ضرورية لمن أراد الولوج في هذا العلم قبل الشروع فيه لكثرة مداخله التي تصرف العقل عن المقاصد الشرعية المعتبرة، وإن أخذا المفهوم بسياقات أخرى للإمام العز بن عبد السلام غير أن هذا العالم كان له واقع يقاربه لا سيما ارتباطه بأنظمة الحكم كمرشد أعلى متناغم ومنسجم مع سياسات الحكم وبذلك كان ابن عبد السلام يمارس نفوذه في التغيير والأمر والنهي بقوة السلطان وليس بقوة منظمة خارجة على السلطان والفرق كبير بين الخروج به في تغيير حوادث المجتمعات والخروج عليه بقوة المجتمعات.

، وقد نشأ مفهوم الحرية كانعكاس لحركة الليبرالية الأمريكية والأوربية وكردة فعل لاستبدادية السلطة السياسية التي سعت لتسيس الدين، مما جعلها بطريقة غير مباشرة تشكل نظريات وحركات سياسية معارضة للسلطة السياسية من مدخل الحرية التي أشار إليه في كتابه المقاصدي المشهور.

ومن ثم كان هذا المدخل هو المحور الرئيس التي تشكلت به نظريات المقاصد المعاصرة ويقوم مقام القاعدة الأصولية القديمة للمعتزلة المنضبطة بالأصل الثاني: العدل والأصل الخامس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ثم يمكن اعتبار فلسفة المقاصد الشرعية فلسفة سياسية حديثة جاءت كردة فعل للنظم السياسية القائمة من جهة ومن جهة خرى كردة فعل للعلمانية العقلانية الفرنسية خصوصا والغربية بشكل خاص لا سيما في مناطق المناطق الإسلامية المستعمرة والمقاومة خلال فترات الاستعمار المباشر.

وأصبح هذا المفكر وهو الأساس الرئيسي لحركات الإسلام السياسي ويوظف في الأساس توظيفا سياسيا حول مفهوم الحرية والثورة والتحرير والسلمية والديمقراطية وغيرها من المفاهيم الغربية التي تأخذ إطارا إسلاميا عاما.

ويمكن تحديد هذا الاتجاه بين:

العقلانية السياسية المقاصدية وتقدم العقل في قضايا السياسة والمجتمع على النص وتسعى لتعليل العبادات وتتصدر الفتاوى العامة في هذا المجال وتستهدف السيطرة على النخب الثقافية والنظم السياسية.

الوجدانية التاريخية أو القصصية وتشمل القصاصين والخطباء الثوريين وتستخدم العاطفة إما للتثوير ضد النظام أو للتسكين معه وتسعى في السيطرة على العقلية الاجتماعية وتنمية عقلانية السامع.

السفسطائية الجدلية وهم المتكلمون المعاصرون غالبا ما تأخذ أنماط سجالية للدفاع عن تياراتها الحزبية أو تدافع عن الإسلام من خلال جدلية الاعجاز العلمي وتفسير الإيمان بالعلم.

ومن ثم يمكن الاقتصار على هذا  الاتجاه في هذا المقال باعتباره من أهم الاتجاهات المعاصرة المناهضة للنظم السياسية، ولا يعد هو المكون الوحيد المؤثر في الساحة وإن كان موضوع حديث الساعة العالمية وسنتناول الاتجاهات الأخرى في مقالات لاحقة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.