تحولات مجتمعات شبه الجزيرة العربية بين الديمقراطية و فلسفتي الصراع واللذة

0 4

تحولات مجتمعات شبه الجزيرة العربية بين الديمقراطية و فلسفتي الصراع واللذة

د. جمال الهاشمي

هل الديمقراطية مذهب من مذاهب العرب؟ أو كما أشار إليه تيودور الصقلي في مضمون مقارنته المشبهة بين الشخصيتين العربية واليونانية. في فلسفة الحكم والحرية، و الذي يصف في أحد جوانبها نظام الحكم والديمقراطية بين ممالك اسبرطة وإثينا ومقدونيا و القبائل والممالك في شبه الجزيرة العربية.

وانطلاقا مما ذهب إليه أزعم أن الديمقراطية تحتضن مذهبين: مذهب الصراع الثنيوي، ومذهب اللذة وهما مذهبان فلسفيان وتاريخيان قديمان أو قد تكون نشأت عنهما مجتمعان. وبناء عليه  فإما أن تكون فلسفة تشريعية.  أو أن تكون عقيدة دنيوية أو  دينية، وهذا ما  يدفعني للبحث عنه بغرض التبيين،  او الحديث عنه من أجل التوضيح. ولكن المسارات وفقا لفلسفة العقل والمنهج تحتاج إلى زاوية تستقطب التحولات مع بعضها إما بطريقة عرضية انتشارية، أو من خلال أفقيات متعددة.

قد تتشابه طبيعة المجتمعات الإنسانية في تحولاتها التاريخية من تشريع اللذة وعبوديتها في فلسفة الرفاهة والمادية الحضارية، أو التحرر عنها بفلسفة القوة والقيم الدينية، ومن جهة أخرى تشكلت هذه الثنائية أو الثقافة الصراعية بين فلسفة الطبيعة الكونية،  وفلسفة الطبيعة الإنسانية وبهما تشكلت النفسية الإنسانية بين متغيرين أحدهما خارجي من الداخل، والآخر داخلي من الخارج، وكل منهما يؤثر في الآخر ما لم تكن لهما محددات وضوابط تهذب أحدهما وتؤدب الآخر…هذا بشكل عام.

أما في مجتمع الجزيرة العربية فيعد من أكثر العوالم التقليدية الحداثية أو الشخصية المتقلبة بين انفتاحه وتدينه أو بين ما هو عليه من طبيعة تقليدية وما يتأثر به من ثقافات وافدة، إذا يشهد التاريخ أن الجزيرة العربية ومنذ نهاية الصدر الثاني من العصر العباسي والشخصية العربية عبر المراكز التجارية وما يزال يسترضع القيم الوافدة حتى يومنا هذا، باستثناء بعض المحطات التي كان آخرها ظهور السلفية النجدية كحالة من حالات التجديد المناهضة للثقافات السائدة. ثم استخدمت كغطاء لكثير من الثقافات الأخرى الوافدة وبدت أولى إرهاصاتها بثورة البدو ثم ثورة المهدية لجماعة التبليغ بقيادة جيهمان في مكة المكرمة.

لهذا فقد تعرضت معتقدات شبه الجزيرة العربية لسلسلة من الصواعق التاريخية المنحرفة، كما تعرضت مجتمعاتها لإرهاصات قيمية وأخلاقية وثقافية، كان أكثرها تأثيرا خلال مسارات حكم الدولة العثمانية ثم ما أحدثته السياسات التعليمية النهضوية وسياسات التعليم المؤسسية، والتي أعادت عقل الجزيرة العربية على النمط القديم بصور مختلفة.

ونزعم أنه قد  نشأت معتقدات الطبيعة السلوكية وفلسفة القوة التي نادى بها مؤخرا دارون وميكافللي أو الفلسفة الثقافية للفاشيستية عبر عدة تحولات تاريخية بدأت مع تاريخ القبيلة ونسب العصبية في فلسفة الأقوى، ثم عصبية الاندماج  أو الحزبية في فلسفة الأضعف (نظرية تعدد الثقافات والمعتقدات) أو المهمشون في فلسفية نيشته والمنبوذون في فلسفة الهندوسية أو الصعاليك في الفلسفة العربية.

هذا بإجمال دون التعمق في طبقاتهم الاجتماعية والثقافية والتي شكلت قيمة جديدة معارضة لفلسفة الأقوى بأحقر الأساليب المتبعة إلا في حالات نادرة تخللها هدم الكثير من القيم القبلية الواضحة، والتي ما تزال أحد العلامات البارزة في ثقافة القبيلة العربية المعاصرة عند التناص بينهما وكلتاهما جمعتا بين فلسفتي القوة العسكرية المناقضة لقيم الفروسية العربية، واللذة الأيبقورية المناهضة لقيم الأصالة العربية.

تعرضت القبيلة العربية مع التطورات التاريخية لعدة هزات داخلية و خضعت لسلسلة من التحولات التقدمية الرديئة التي فككت عصبيتها أو عصمتها المجتمعية من الداخل من خلال الغزو الناعم أو (دبلوماسية النصرة) مع فلسفة الولاء (الموالي) الذي سيصبح مع تقدم الزمان سيدا بثقافته الأولى وليس بمعايير وثقافة الأصالة القبلية، والتي من صورها اتفاقيات الحماية والانتداب والوصاية أو وصاية الاستعمار التي لا تفرض إلا على ضعيف أو جاهل أو سفيه.

وقد توسعت فلسفة القوة مع تعدد المراكز التجارية وطرق التجارية لدول الطوق المحيطة بشبه الجزيرة العربية في مملكتي الشام والعراق قبل سبعين أو مائة سنة من البعثة النبوية، ذهبت ضحيتها القبائل العربية المحاذية.

وبهذا السلوك تشكلت فلسفة القوة أو (الثقافة العسكرية) وأسست لثقافة انحطاطية غيرت معالم ومبادئ ثقافة الفروسية الأخلاقية، وظفت الفروسية توظيفا سلبيا لتتحول إلى عسكرة جديدة لحماية القوافل التجارية من الصعاليك المهمشين اجتماعيا، وتوزعت تلك القبائل في محطات ترانزيت للتجارة القادمة من ممالك العراق الشام واليمن، وكان أخرها انشغال العرب بإقامة المراكز التجارية الدائمة (عصر الرفاهية) وبها تأسست فلسفة اللذة والتفاوت الطبقي وفقا لمعايير الثروة.

وإلى جانب التحولات التفكيكية نشأت عدة ثقافات موالية وأخرى معارضة ومن هذه الثقافات المعارضة؛ ثقافة الصعاليك أو ثقافة التعددية المتباينة عرقا وهدفا، ومكانة اجتماعية والتي أصلت بدورها  لثقافة الخروج على العادة والأوضاع السائدة. ومن أهم ملامحها الخروج وقطع الطريق والعنف والغزوات المسلحة. ويسجل التاريخ أن الصعاليك أول خوارج شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام على العادات السائدة والقيم القبلية الحاكمة، وإليهم يمتد النسب الجينيولوجي والبيولوجي والثقافي لخوارج المعتقدات داخل الإسلام، وجميعهم فلسفوا الفوضى والعنف والقرصنة وقطع الطريق من أجل لذة الذات وثقافة التغيير، كما تبديه دواوين الشعراء الصعاليك، وأدبيات الفلسفات الدينية وعلم الكلام للطائفتين صعاليك الجاهلية وخوارج الإسلام.

وشكلت هذه الثقافات الأدبية والتراثية والمدونات الدينية البنية الفوقية التي تستمد منها الجماعات على شاكلتها واضرابها مشروعيتها الاجتماعية وشرعيتها الدينية، وفي هذه السلوكيات انعكاس مؤسس لثقافة اللذة في البحث عن العنف تحت غطاءات تستجمع لها قيم الفروسية، والشهرة أو تحت ما يسمى القيادة الشرعية، والمتعة أو قد تسمى فتاوى  الاحتياجات النفسية أو الفقه و فلسفة الواقع.

أما ثاني عوامل التفكك لمفهوم القبيلة فقد تكون مع ثقافة العبيد، أو الثقافات العبدة السائدة في عالمنا المعاصر،  وتتميز عن ثقافة الحرية بكونها الجانب الآخر المناقض لها؛ أي ثقافة العبودية، ومنشؤها في الغالب فلسفة الحضارة ونظام السوق وانتشار التجارة، لا سيما وقد تطورت الأسواق بالوافدين وشكلوا ثقافة سلمية مناقضة للقيم القبلية، وترتب عليها تجهيل القبيلة وانحطاطها ، وساد التاجر الوافد  الحاكم  بثقافته وأخلاقه.

ويؤكد التاريخ أنه كان  لتجار الهند قاعدة ثقافية تمارس التبشير لتمكين ثقافتهم من جهة،  وكوسيلة من وسائل السيطرة على السوق، عبر ما يسمى بفلسفة الحمر أو الأحمريين وقد تتلمذ على أيديهم عرب كثر؛ وهي طبقة فلسفية دينية كانت تحج إلى مكة المكرمة كما استوطنت الشام والعراق والجزيرة العربية قبل الإسلام. و أسست مراكز مختلفة في جزيرة العرب وفي عمان واليمن و جدة، إضافة إلى الثقافات اليهودية والنصرانية قبل الإسلام.

بينما كانت قد تطورت في مراكز الحضارة الإسلامية الرئيسية في بغداد ودمشق ومدنهما القريبة، وقد شهدت من قبل سياسة إصلاحية في عهدي الخليفتين عثمان وعلي -رضي الله عنهما-وتدارك الخليفة علي سلبية الاندماج الذي كاد يهدد مجتمعات الجزيرة العربية، فقرر نقل مركز الخلافة إلى الكوفة  والتي من أسباب نقلها  حماية الثقافة العربية وتقوية مركزيتها الثقافية لصد الهجمات الفلسفية القادمة والثقافات الوافدة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى دمشق مع الأمويين ثم بغداد مع الدولة العباسية.

وكان رضي الله عنه أول من أسس لسياسة التحيز الثقافي وأخذت به أنظمة الدولتين الأموية والعباسية،  وحينها لم يكن سياسة عزل جزيرة العرب إلا وسيلة من وسائل المحافظة عليها بينما ترادف سياسات التهميش في مفاهيمنا العالمية المعاصرة.

وقد ظلت جزيرة العرب معزولة لتكون حال الاختلاف مرجعا ثقافيا ولغويا وأخلاقيا ودينيا للمجتمعات الناشئة والجديدة الداخلة في رحاب الإسلام، وحتى تبقى منبعا من منابع العودة إليها ومعيارا من معايير القيم العالمية ومن الجدير بالذكر أنها كانت مركزا ثقافيا قطبيا للمفسرين واللغويين والعلماء والدارسين عند التنازع أو الاختلاف،  كما كانت المرجع الوحيد لمقاييس اللسان في المعاجم والقوافي والمؤلفات القرآنية والنحوية والبلاغية والدينية. وعلى أساس ذلك نشأت مناهج التحقيق والتوثيق والقياس.

سيتبع على النسق ذاته مقالات أخرى توضح مسالك الانحطاط في عالمنا العربي المعاصر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.