النظام السعودي بين نماذج التجارب التاريخية والتحولات القادمة

0 7

النظام السعودي بين نماذج التجارب التاريخية والتحولات القادمة

“مقاربة تاريخية بين فترات التأسيس ومتغيرات التاريخ المعاصر”

د. جمال الهاشمي

تراجعت الجزيرة العربية عن مكانتها في صناعة القادة أو تشكيل دولة بزوال دولة بني العباس على يد المغول في بغداد، وحينها توالت عدة تحولات أثرت في جزيرة العرب عقائديا وثقافيا وسياسيا ومن ذلك ارتباط أمراء مكة بالدولة الفاطمية من خلال الدولة الصليحية التي امتلكت زمام اليمن  ومن بعدها أخذ ملوك بني قتادة الحسنيين سياسة الولاء بارتباطهم بالأيوبيين ثم دولة المماليك المتولدة عنها، ومن بعدهم الدولة الرسولية في  اليمن  وليدة الدولة الأيوبية  وتسيطر على تهامة اليمن،  وعندما أزاح العثمانيون المماليك سارعوا بتقديم الولاء والطاعة للدولة العثمانية عقب إزاحة المماليك وسيطرتها على مصر، وشكلت هذه النمطية والصورة السلبية الطبيعة العامة لمجتمعات الجزيرة العربية، وغدا الركاز والريع والأعطيات والدعم من عاصمة المركز مصدرا لميزانية حكام الحجاز القائمين بأمر الحجيج،  وقد تشكل نموذج أمراء مكة بقيم وثقافات الدول التي تدعمهم بالأعطيات مقابل الدعاء لهم وتأصيل قيم الشرعية لحكمهم.

كان تطبيع تعاليم مفاهيم وقيم ونظم  وثقافات ومعتقدات وتعاليم إدارة المركز الرئيس من السياسات المقدسة لهذه الإمارة، حتى بدأت فكرة  تصورية  لبناء  الدولة والثقافة من منظور التقاليد الإسلامية  بقيادة الإمام الديني محمد عبد الوهاب و والأمير محمد بن  سعود (تحالف استراتيجي عربي بدت نواته بين بني بكر وبني تميم في مناطق نجد) اجتمعت فيه قيمتان أحدهما أن الإمام محمد عبد الوهاب سعى لدعم فكرته الدينية والتراث السلفي من منظور قوة السلطان أو قوة الإكراه والقوة الصلبة.

أما ابن سعود فقد كان يسعى لاكتساب الشرعية الاجتماعية من منظور القيم الدينية ووجد أن تبني قيم جديدة للدين مخالفة للمعتقدات الصوفية الطرقية وعبادة القبور والأولياء ستحقق المطلوب بإقامة الدولة لا سيما بعد أن مقابلته للشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي كان يطرق الأبواب فيجدها مغلقة بل وقد وصل إلى أن البعض من فقهاء وأئمة الصوفية قد رفعوا أمره إلى أشراف مكة وإلى دولة البشوات في مصر.

كان النظام السعودي خلال الجيل الؤسس والتابع له من ذرية الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود يتباينون في سياساتهم المحلية والخارجية اقترابا وابتعادا من سياسة الملك المؤسس وأكثرها سعت للحفاظ على الوضع السائد ولهذا سندع الاسترسال في هذا الجانب من أجل وضع تصور موجز بين تاريخين  أحدهما اكتملت معالمه بقيادة المؤسسين، والثانية تتشكل معالمه برؤى مختلفة وعوامل وظروف تكاد تكون متشابه.

كان الملك عبد العزيز يتميز بإرادة المؤسس المدرك بطبيعة التحولات الدولية وطبيعة المتغيرات المحلية فاستطاع أن يأخذ سياسة الانطواء موضوعا لبناء دولته وفرض سياسة الأمر الواقع بالقوة الصلبة، و لا سيما بعد محاولاته الأولى لتشكيل تعاون استراتيجي مع الإمارات داخل أطراف الجزيرة العربية والتي باءت بالفشل حيث تعدد الإرادات المحلية داخل الجزيرة العربية من خليج عدن جنوبا وحتى نجد شمالا ومن البحر الأحمر غربا وحتى الخليج العربي شرقا كانت بين إرادات متعددة وطموحات ملكية ومشيخية مستقلة ومعتقدات ومذاهب دينية ذات موروثات دينية متصارعة.

كانت جميع تلك التكوينات تتعاطى في علاقاتها الدولية بصورة مستقلة تتآمر على بعضها وتتخوف من البعض الآخر، وعلى مستوى العلاقات الدولية فإن كل تكوين مشيخي ارتبط بأعطيات دولية بريطانية أو ايطالية وفرنسية وروسية ، وسعى البعض منها لاستغلال هذه العلاقة مع بريطانيا أو السلطنة العثمانية وترشيح أنفسهم كوكلاء للمركز في جزيرة العرب على غرار الطريقة المعروفة لأمراء وأشراف مكة القدامى، مقابل الارتباط بمركزية أحد الدولتين أو بالتحيز إلى أحد المعسكرين الدوليين، وكانت الغاية من هذا الارتباط تحقيق عدة أهداف:

  • الحصول على الدعم بالسلاح والخطط والسيولة النقدية.
  • فرض سياسة القوة العسكرية في توسيع النفوذ.
  • الدخول تحت نظام الحماية والتعبية.

بينما كانت تتعاطى هذه التكوينات المنمنمة بحذر ومؤامرات وتخوف مع المكونات السياسية داخل الجزيرة العربية، فالملكية اليمنية التي وجهت لها من قبل الملك عبد العزيز رسالة تعاون عبر فيها عن رغبته في تشكيل قوة عسكرية خاصة بالجزيرة العربية وأمنها وحدودها واستغلال الظرفية الدولية لتحقيق ذلك، وكانت حينها الفرصة مواتية لتوحيد طاقات الجزيرة العربية نحو بناء وتأسيس نموذج الدولة العربية المتحدة باءت بالفشل نتيجة لتخوف أئمة اليمن الهاشمين من طموحات عبد العزيز من جهة، ولكونه لا يمتلك شرعية الحكم الإسلامي لكونه ليس من السبطين وفقا للنظرية السياسية في الفقه الزيدي، كما كانت الآئمة يرون أنهم أهل مكة وورثتها لكونها من تهامة وتهامة من اليمن إضافة إلى منابتهم الأولى في مكة، وفي الوقت ذاته كانت تتعدد النظريات داخل البيت الهاشمي على مفهوم التفاضل ومنها تقديم الحسنيين أو الحسينين وكل تلك النظريات ارتبطت فلسفتها بالتاريخية وليس بالنصوص الدينية إلا ما وضعت من مدونات نبوية لا تحصى بإجماع أهل السنة وفقهاؤها كمسند الإمام زيد، كما أن الفقه الزيدي فقه خديج يجمع بين الفقه الحنفي والفقه الشافعي ومقولات الآئمة وفقه التشيع وفقه الاعتزال، بمعنى أنه لم يكن مدرسة مشهورة كمدارس الشافعي ومالك وأبو حنيفة وابن حنبل، ويرجع قوة الأئمة المشهورين إلى وحدتهم الأصولية في الحديث والتراث النبوي وتراث الخلفاء الراشدين، بينما انحصرت الزيدية بتراث ضعيف ومنفصل عن الاجماع.

كان عبد العزيز يهدف من مبادراته إلى تثبيت ملكه في مواجهة التحولات الدولية المتوقعة بعد الحرب العالمية الثانية وحتى يضمن استقلال جزيرة العرب بعيدا عن التدخلات الأجنبية ودعم التكوينات والإمارات الطامحة في الملك كنبي خالد وهي قبيلة معروفة وذات سيادة قبلية مشهورة.

ومن جهة أخرى تشكيل حدود أمنية دفاعية وقوة عسكرية تضمن السيطرة على ملاحة البحر الأحمر  لتأمين الجزيرة من التدخلات البحرية ومن ثم التوجه نحو الشام والعراق والذين كانوا يطالبون بالتحرر من العثمانيين وقد تلقى ابن عبد العزيز نداء من أحرار الشام ولكنه خشي من التحذير البريطاني، وحينها لم تكن السعودية ذات أهمية اقتصادية وهي الفرصة التي مكنته من تأسيس دولته بعيدا عن المطامع الدولي بينما كانت العراق والشام من أغنى الدول في موارده الطبيعية المتنوعة وكانت محل أطماع القوى الكبرى قبل ظهور النفط.

وجدت مراسلاته صدودا من كل أمراء المنطقة ، وفي الوقت التي كانت المملكة اليمنية منفتحة على إيطاليا وروسيا بل وشارك عدد من مرتزقتها مع الجيش الإيطالي في الحروب على الحبشة و الذي حاول بدوره أن يوطد العلاقة مع صنعاء، بعقد اتفاقيات لضمان تحكمه بالملاحة البحرية (بحر القلزم)  أو المشاركة والتعاون مع الجانب اليمني،  قبل أن تدحرها بريطانيا وفرنسا اللتان تتنافسان  في السيطرة على البحر الأحمر وبنفس الوقت كانتا تتحالفان لدحر دول المحور المتواجدة في دول القرن الإفريقي.

وعلى غرار ذلك وجدت رسائله صدودا وتخوفا كبيرا من الشريف حسين شريف مكة والذي ارتبط معنويا ونفسيا ببريطانيا، وبدد قوته للدفاع عن مكاسب وأهداف دول الحلفاء لا سيما وأنه كان يجد قبولا في الشام والعراق ومصر، وكان قد تلقب بخليفة المسلمين أو ملك العرب، ولكنه من سوء سياسته أهمل مركزية الدولة ممثلة بمكة وأضعف قوته بتشتيتها في الشام والعراق حيث سعى ليس لتأسيس دولة خلافة وإنما سعى سعى لبناء مملكة مقسمة بين أولاده، وكان في سياسته ضعيفا حيث أهمل الجزيرة العربية كجغرافية محمية تتميز بأحزمة أمنية ودفاعية طبيعية.

وبنفس السياسة سلك أمراء منطقة عسير الذين ارتبط بعضهم بالقوة البريطانية كدولة الأدارسة على الطريقة التي اتخذها شريف مكة ولم يفطن شريف مكة للسياسات البريطانية التي كانت تصفهم بملك العرب وخلفية المسلمين في الوقت التي تعقد الاتفاقيات والحماية مع مشائخ دول الخليج والإدريسي في الجنوب وسلاطين الجنوب اليمني.

والبعض الآخر ارتبط  بالسلطة العثمانية كدولة الآئمة الزيدية مقابل اعتراف العثمانيين لهم بالسلطة على الهضبة العليا إضافة إلى تخوفهم من سلطة الإدريسي الذي تدعمه بريطانيا حيث كان التوجه الزيدي نحو بريطانيا منطلقا من قيم دينية الأقرب إليهم في المعتقدات وأيضا لكونهم كانوا متشددين ضد النصارى وفقا لفلسفة الفقه الإسلامي المشهورة، وسلكت مسالكهم أمارة آل رشيد في حائل والتي ارتبطت أيضا  مع الدولة العثمانية، بينما ارتبطت مشيخيات الخليج باتفاقيات ثنائية أحادية مع بريطانيا ونفس الاتفاقيات الثانية وقعها سلاطين ومشيخيات جنوب اليمن معها.

ونجد أن تعدد الإمارات في جزيرة العرب كان مرتبط بمشاريع جزئية ومصالح ذاتية جهوية خالية من المفاهيم الأمنية والتنموية ونظام دولة، لهذا كان تركيزها في الداخل على فرض الضرائب أو تلقي الدعم الخارجي أو تمكين الدول المتقدمة من الاستفادة بمواردها مثل بن اليمن عبر ميناء المخا، أو التحكم بالملاحة في البحر الأحمر والمواقع الاستراتيجية العسكرية.

وعلى أساس هذه الثقافة تجمدت العقلية السياسية في الجزيرة العربية قبل أن يحدث لها تحولات لكنها ظلت جامدة في أكثر جوانبها الإدارية، أما بناء القوة العسكرية فقد كانت عشوائية وغير مؤسسية وليست لديها أية أبعاد استراتيجية باستثناء أوقات معينة أوشكت أن تشكل النموذج الأمني الجيواستراتيجي حيث أوشكت أن تتشكل دولتين أحدهما على النمط الديني وهي الأقدم والأكثر استراتيجية، والثاني على النمط الحداثي العسكري، ولكن… تعرض البعض منها للتدمير والمؤامرة ؛ حيث تعرضتا للاحتواء من قبل القوى الدولية والإقليمية بمساعدة من بقايا التكوينات المحلية داخل الدولة (في سياق المشروع) أو المكتملة البنيان خلال فترات زمنية مختلفة ويمكن أن نشير للنموذج الأول في هذا المقال:

من ضمن هذه المشاريع في جزيرة العرب التي بدأت كانت قادمة من مناطق قبائل بني تميم وبني بكر في الهضاب المرتفعة لجزيرة العرب فيما يعرف بإقليم نجد المشهور بالكثافة السكانية والذي يشكل ديمغرافية القوة داخل المملكة العربية السعودية، ومركزية النشأة السلفية داخل الجزيرة العربية.

بدأت نشأة الدولة بعدة إرهاصات والتي كانت تسعى في البداية لتشكيل حكومة فيدرالية تحت سلطة الدولة العثمانية وكانت هذه الحركة التي تسمى عند الخصوم (الوهابية) أول حركات الإصلاح الديني في العالم الإسلامي، وأول حركات التجديد التي استطاعت إعادة القيم السلفية في صورة النموذج الحضاري في مجتمعات فشا فيها الجهل والاستغلال والفقر.

وقد تعرضت الدولة لإخماد من قبل الولاة العثمانيين في مصر (دولة البشوات) والذين حاولوا الاستفادة من مركزية الحجاز وسعوا تحت سلطة الدولة العثمانية لإلحاق جزيرة العرب بالإمارة المصرية الحديثة المخضرمة بين فكرة التحديث على النمط الأوربي والتقاليد السلطوية العثمانية بقيادة محمد علي باشا.

لا خلاف بين المؤرخين أن الدولة العثمانية كانت تحتاج لثورة إصلاحية من داخلها وهو ما لم تتنبه له الدولة حيث انحسرت عن مكانتها وقيمها في الدفاع عن الجغرافية الإسلامية التي استمدت به الشرعية وقبول المجتمعات العربية إلى مرحلة من الاستبداد السلطوي وممارسة المركزية البيروقراطية وانتشار البطالة والفقر  والأخطاء السلبية الذي مارسه الولاء في التعاطي مع مجتمعات العالم الإسلامي عامة ومجتمعات جزيرة العرب على وجه الخصوص، وهي المؤشرات التي استفادت منها دول الحلفاء و أصلت من خلالها للفكر القومي و إدارة المفاهيم القومية تارة أو العرقية تارة أخرى، لا سيما وقد حاولت بريطانيا  إقناع الملك عبد العزيز ليعلن نفسه خليفة وقد أدرك مخاطر ما ترمي إليها بريطانيا من أهداف فقابل ذلك العرض بالرفض وأقام معهم اتفاقية على غرار اتفاقيات دويلات الخليج شريطة أن يوسع دولته في مناطق الجزيرة البرية وليس البحرية وخصوصا الاستراتيجية منها أو ذات الأهمية الاقتصادية وبذلك حاولوا حصره في المناطق الفقيرة بالموارد الطبيعية، بينما سعى إليه الشريف حسين لعقد اتفاقيات تحالف عسكري مع بريطانيا والوقوف معها لمواجهة الدولة العثمانية التي كان آباؤه القدامى يقدمون لها الولاء ويجنون منها الأموال،  ووقع بالمأزق الذي نجا منه عبد العزيز، وكان ثقته المطلقة ببريطانيا من أهم استلاب حكمه وتقصيره ليبق منه القليل لأحد أحفاده في جزئية صغيرة تسمى الأردن بعد ازاحة ابنه الملك فيصل من حكم العراق عبر عملاء جدد بلباس القومية القطرية البائسة.

تعتبر المرحلة الثالثة من تأسيس الدولة السعودية هو خلاصة تلك التجارب القديمة حيث شكلت العقليتين العسكرية والسياسية في سن مبكر للملك عبد العزيز وساعده في ذلك قدرته على استغلال الظواهر السياسية التي نظر من خلالها إلى ضعف الدولة العثمانية وحضور دول الحلفاء في مناطق الشام والعراق ومصر وأطراف الجزيرة العربية، وغياب سلطة موحدة قوية وقادرة على حماية أمن الجزيرة العربية، وبروز ثقافة المشيخية والخوف والفقر وقطع الطريق.

كل تلك العوامل كانت تحتاج إلى رجل قوي وحكيم لديه الإمكانيات والذهنية السياسية والقدرة على فرض سياسة الأمر الواقع وتحقيق الأمن وتنقية المجتمعات من المفاهيم السلبية وهو ما تحقق مع الملك عبد العزيز عبر ثلاث أدوت وظفها لتحقيق مشروعه الاستراتيجي في بناء الدولة القوية:

  • القيم الدينية:

تعتبر القيم الدينية من أهم الأدوات التي استطاعت تشكيل قوة عسكرية قاهرة في المنطقة حيث كانت تصنع القوة الذاتية في المحارب العربي والتي تشكلت منذ بداية تأسيس الدولة السعودية الأولى، حيث خلال تلك الفترات تهيئت النفسية العربية للانفتاح على المفاهيم الدينية واستطاعت الولوج إلى الروحية من خلال العقل وليس من خلال المفاهيم الدينية الوافدة والقادمة من الهند وتركيا ودول مناطق جاوه وفارس والأقاليم المحيطة في المنطقة ودول العالم الإسلامي وهنا بدأت الثقافة السلفية في صورها الأصولية على غرار البروتستانتية الأ صولية  في المعتقدات النصرانية.

  • القوة العسكرية.

تعتبر القوة العربية من أهم المراكز العسكرية التاريخية التي شكلتها التقاليد العربية ولا سيما كانت منطقة نجد ومناطق عسير ونجران ومناطق الحجاز تزخر  بتلك السمات إلا أن الكثافة الديمغرافية في نجد إضافة إلى طبيعة القوة الجبلية شكلت نفسية المحارب الأكثر قوة وحضورا في المنطقة الشمالية من الجزيرة العربية وكانت الغنائم إلى جانب المعتقدات الدينية من أهم وسائل اندفاع المحارب في أكثر المناطق ندرة للموارد الطبيعية وأكثرها وفرة بالموارد البشرية،  وتعتبر من أكثر المناطق الثقافية التي انتشرت ثقافتها تاريخيا بل ومفاهيمها اللغوية في مناطق المرتفعات الشمالية لليمن وبعض المناطق الوسطى منها و التي شكلت الثقافة المكافئة للثقافة النجدية (التأثير المتداخل).

وقد برز في صناعة الخطط العسكرية إلى جانب الكاريزمية القيادية للملك عبد العزيز أحد رجالاته المشهورين عبد الله بن عثمان الهزاني العنزي حيث كان هناك قبولا داخل الرياض لآل سعود وهو ما ساعد في فتحها والانطلاق منها نحو توحيد شمال الجزيرة العربية وشرقها وغربها وبعضا من جنوبها.

  • العقلية السياسية.

تميزت الملك عبد العزيز بالذهنية السياسية اليقظة حيث استطاع إدراك الظواهر السياسية والتحولات الحضارية بفطرته العربية وقيمه الدينية، وقد استغل الصراع بين دول الحلفاء والمحور ورسم خططه الاستراتيجية في توسيع دولته واستطاع دمج كثير من القبائل العربية بالرغبة أو بالرهبة ومن ثم توجه نحو الشمال باتجاه الخليج العربي والشام، وقد ساعد في بناء الدولة السعودية عدة عوامل استطاع استغلالها الملك عبد العزيز والاستفادة منها وهي:

  • أن بريطانيا لم يكن لها مطمع بجزيرة العرب الصحراوية قبل ظهور النفط، ولهذا اكتفت بالسيطرة على مراكز الترانزيت والمواقع العسكرية البحرية من شبه الجزيرة العربية التي بدأت من مدينة عدن وحتى المناطق المطلة على مضيق باب المندب وساحل تهامة والمناطق المحاذية للبحر الأحمر لدول القرن الأفريقي بالإضافة إلى جزر البحر الأحمر وقناة السويس إضافة إلى المناطق المطلة على الخليج العربي وبحر العرب وحتى الهند وإيران لضمان سيادتها البحرية المطلقة على الملاحة الدولية.
  • أن بريطانيا تميزت بعقلية استعمارية ذكية اكتسبتها من موروثات الثقافة السياسية للدولة الرومانية في استغلال شعوب المناطق بالصداقة وتجنيدهم المباشر وغير المباشر لتنفيذ استراتيجيتها السياسية وقد نجا من هذا الاستغلال الملك عبد العزيز في الوقت الذي مكنته إمكانياته العسكرية من أعطيات بريطانيا مقابل رجوعه عن الشام والعراق.
  • إدراك الملك عبد العزيز أن مشروع الشريف حسين مشروع اتكالي مرتبط بإرادة بريطانيا العظمى، وليس له ضمانات فعلية كما أن تبديده لقوته العسكرية إلى جانب الحلفاء سيضعف من شرعيته السياسية من قبل الوحدات السياسية المحلية داخل الجزيرة العربية التي لم تجمع على شرعيته من جهة، ومن جهة أخرى حروبه مع الدولة العثمانية المسلمة إلى جانب بريطانيا النصرانية أفقدته الشرعية المجتمعية (إشكالية انفصام القيادة عن قيم المجتمعات).
  • أن الجزيرة العربية عبر تاريخها ظلت منعزلة باستثناء بعض مناطق الأطراف وقد ورد في أساطير العسكريين هلاك أي جيش يدخلها، ولهذا اتخذت الدول العظمى سياسة تفكيك القبائل لمنع هذه الموجات البشرية الصحراوية من التي تشبه إلى حد ما توحش منغوليا بالنسبة لدول أوروبا، وقد تراجع عن دخول جزيرة العرب الإسكندر المقدوني وتجنبها الروم والفرس في أوج عظمتهم وإمبرياليتهم العسكرية وعبر تاريخهم ولهذا كانت السياسة أكثر حكمة من القوة العسكرية ولهذا جعلوا من عرب الشام أحزمة بشرية دفاعية ضد موجات عرب الجزيرة على أطرافها وقد أكدت فطنتهم السياسية معركة ذي قار ثم تلتها أكبر معركتين عربيتين في اليرموك والقادسية اللتان غيرتا معالم الجغرافيا و خارطة التحولات الحضارية العالمية.
  • استفادت بريطانيا من إرهاصات الدولة العثمانية التي انتهت بسلسلة حروب استنزافية مستمرة في منطقتي شمال الشمال، وشمال الجنوب من الجزيرة العربية والذي ترتب عليه ضعفا اقتصاديا وعسكريا أزاح السلطنة عن مكانتها الدولية إلى جانب المعارك العقائدية والاستبداد وعوامل أخرى، وقد أدرك الملك عبد العزيز أهمية هذه العوامل وأسس عليه استراتيجيته في بناء دولة حديثة في مجتمعات قبلية متصارعة وذات ولاءات مختلفة ومصالح متناقضة وذلك من خلال تحديد معالم وجود الدولة باتباع الاستراتيجيات التالية:
  • رأى الملك عبد العزيز أن توسعه في مناطق الشام أو في الخليج العربي سيدخله في صراع مباشر مع بريطانيا العظمى مما سيعجل من تدمير قوته العسكرية ويقضي على مشروعه السياسي وكان مدركا بمدى عجزه وضعف إمكانياته العسكرية والاقتصادية مقارنة بدولة إمبريالية ودولة تجتاح العالم بعقليتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.
  • أدرك أن تشكيل معالم بناء دولته الحديثة يحتم عليه رسم حدودها السياسية من خلال سياسة الأمر الواقع وذلك بالتوسع على حساب التكوينات المحلية التي لا تمثل جغرافيتها مطمعا للقوى الإمبريالية، وتجنيد شوكتها الحربية وطاقاتها البشرية والتنموية في بناء الدولة السعودية الناشئة.
  • أدرك أن الشريف حسين ليس أكثر من عالة على بريطانيا في بناء ملكه بعد تبديد قوته الدفاعية لصالح دول الحلفاء، ومن جهة ثانية استفاد في التوسع على حساب شريف مكة بانشغال دول الحلفاء بحروبهم الطاحنة مع دول المحور والذين لم يكن لهم الشريف حسين إلا رمزا عربيا يمكن استغلال الموارد البشرية العربية في الحروب مع دول المحور وتفكيك الدولة العثمانية من داخلها.
  • أن السيطرة على منطقة الحجاز وجغرافيتها المقدسة سيعطيهم الشرعية الإسلامية باعتبارهم حينها خدمة البيت الحرام وهو اللقب الأول الذي انتزع من الدولة العثمانية حيث كان السلطان سليم هو أول من تلقب بخادم الحرمين الشريفين، وبذلك  استطاع الملك عبد العزيز امتصاص معارضة دول العالم الإسلامي وسيطرته على مكة وانتزاع حكمها من أوليائه الشرعيين المشهود لهم بالأحقية  بإعلانه تدويل المناطق المقدسة وكانت الظروف مواتية له وبذلك  أصبحت سلطته عليها أمر واقع بموافقة بعض دول العالم الإسلامي.
  • فطنته في إدخال دولة الأدارسة التي كانت تربطهم ببريطانيا اتفاقية ثنائية ضمن تحالف ثنائي واتفاقية دفاعية لمواجهة دولة الأئمة الزيدية في اليمن ومن ثم احتواء الدولة بموجب اتفاقية ينتهي حكم الأدارسة لصالح دولة آل سعود وأصبحت هذه القضية من أهم القضايا التي أنشأت بها اتفاقية الطائف وخسرت دولة الأئمة الزيدية سياسيا بعد أن أوشكت أن تحقق انتصارتها عسكريا.
  • إدراكه أهمية بناء دولة قابلة للتوسع الجغرافي في مناطق الاستجابة ومناطق التكوينات المحلية الضعيفة إضافة إلى استغلال انتصاراته العسكرية المتكررة في استخدام استراتيجية الحروب المعنوية لتفكيك القوى وإضعافها قبل وصول عساكره إليها وهو ما حدث مع قبائل الجزيرة العربية بما فيها قبائل المنطقة الشرقية.
  • إدراكه أن استخدام القوة مع المملكة اليمنية ليس من مصلحة الطرفين وأن التوسع لحيازة المناطق السهلية ضرورة استراتيجية، كما أن الدخول بصراع مع هضبة صنعاء التي تتشابه من حيث القوة مع هضبة نجد سيكلف الدولة الوليدة الكثير من الإمكانيات ولهذا كانت السياسة تحقق مكتسباتها على الأرض بإعلان اتفاقية الطائف بين الجانبين وإعادة صيغ التفاوض السياسي والدبلوماسية بين الطرفين.
  • تنفيذ الإحكام الإسلامية ونشر التعليم وتحقيق الأمن والقضاء على ظاهرة قطع الطريق وتأسيس المحاكم وبناء مؤسسات بيروقراطية حديثة حينها على غرار التقليد الحديث بصبغة سلفية عربية،كما  أسهمت ثورة النفط من مواكبة التحديث وكانت الثروة من أهم وسائل استمرار الحكم السعودي والذي اعتمد عليه في استقطاب القبائل والمشيخيات وشراء الولاء ومنح المناصب والنفوذ والذي لا يزال معمول به حتى الآن في السعودية واليمن ودول الخليج العربي.

ولما كان الموضوع ثريا بمعلوماته فقد اختزلنا فترة تاريخية حرجة ومهمة جدا لقراءة معالم سياسة الدولة السعودية التي تتشابه إلى حد بعيد بواقع الجزيرة العربية بعد قيام ثورات الربيع العربي، لكن يأتي التساؤل الأكثر إشكالية حول ارهاصات وتحولات بقاء أو زوال الدولة السعودية المعاصرة؟ هذا التساؤل هو الموضوع الكامن الأكثر إلحاحا في ظل التحولات الدولية وبروز متغيرات جديدة ستحول الدولة السعودية من دولة بإرادة مخطط لها إلى خطط جبرية تفرض عليها اجتماعيا ودوليا وإقليميا ومحليا واقتصاديا.

وقبل الوصول إلى نقطة الرؤية المستقبلية لمآلات الدولة السعودية المعاصرة لا بد من تتبع مساراتها ضمن عدة مقالات يمكن ابرازها على النحو التالي:

1 – الدولة السعودية في عصر الدور الأمريكي البريطاني.

2- الدولة السعودية في عصر التحالفات العسكرية مع القوى الدولية

3- الدولة السعودية وصراع القيم المحلية

4- الدولة السعودية في عهد الملك سلمان وابنه الأمير محمد بن سلمان والتحولات المحلية القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.