النسب من قبل الأم

0 5

النسب من قبل الأم

Pedigree by mother

د. ثرية اقصري       

Dr.. Rich in Luxor

مقدمة :

أثارت اهتمامي فكرة البحث في موضوع “النسب من قبل الأم” منذ أعوام خلت، حينما كنت أتصفح الجزء الثاني عشر من كتاب المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي علماء إفريقية والأندلس والمغرب لأحمد بن يحيى الونشريسي المتوفى بفاس عام 914هـ، حينما كنت أحضر رسالة الدكتوراه… حيث لفت نظري عنوان “مسألة الشرف من قبل الأم”، وحينما قرأت الموضوع تبين لي أن الشرف يورث من قبل الأم كما يورث من قبل الأب، وإذا كان الشرف يورث من قبل الأم، فلماذا لا يورث النسب أيضا ؟

خاصة وأن الأدلة التي استدل بها الونشريسي لتوريث الشرف من قبل الأم صالحة للاستدلال بها على توريث النسب من قبل الأم أيضا… وقررت حينئذ تعميق البحث في هذا الموضوع حينما تسنح الفرصة بذلك بعد الانتهاء من بحث الدكتوراه؛ لكونه يعالج جانبا من إشكالية كبرى تعاني منها المرأة المسلمة، والمتمثلة في ضعف مركزها ومكانتها الاعتبارية داخل الأسرة، ومن ثم داخل المجتمع. وهذا الضعف ناتج عن عدة أسباب يمكن إدراج معظمها تحت أعراف الأسرة الأبوية؛ ويأتي على رأسها عرف عدم قدرة الأم على تمرير نسبها لأولادها، حيث ينظر إليها على أنها مجرد وعاء لحفظ نسب الآخر…

ذلك أن مسألة انتساب الأولاد إلى أبيهم دون أمهم من المسائل التي تم تأويلها وفق الأعراف السائدة حين نزول القرآن الكريم، والمتمثلة في أعراف المجتمع الذكوري التي تكاد تلغي الأنثى وتجعلها تابعة للذكر، على الرغم من أن دور الأنثى مساو لدور الذكر في تمرير المورثات للولد، وتزيد عليه تفردها بحمل الولد في رحمها لتسعة أشهر، وتغذيته خلالها من دمها، ثم تغذيته من حليبها بعد ذلك خلال طفولته الأولى، مما يعمق العلاقة بينهما، وقد أثبتت الدراسات الحديثة بأن الجنين يتأثر بأمه وبانفعالاتها… بينما الأب لا يساهم إلا بالنطفة التي ليست بولد؛ وإنما هي جزء يتخلق منه الولد فقط. كما أن معنى الولادة ألصق بالأم؛ وفي هذا المعنى قال أحمد بن يحيى الونشريسي : “إن الولد مشتق من الولادة، وإضافتها للأم حقيقة، وإضافتها للأب باعتبار النسب مجاز، فإذا صح الانتساب إلى أبي أبيه، كان لأبي أمه أولى؛ لأنه نسب حقيقي”.

ولأهمية دور الأم في الولادة والتربية، ذكره الله عز وجل في معرض الآيات الكريمة التي أوصت بالوالدين، وفصلت في دور الأم، وحثت على شكرهما عند قوله تعالى : {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}.

وتكمن أهمية تمكين الأم من تمرير نسبها للطفل في رد الاعتبار لمكانة المرأة داخل الأسرة كعنصر فاعل وأساسي، والعمل بوصية الله عز وجل بها ولشكرها، والقضاء على عرف تفضيل الذكر على الأنثى من منطلق أنه هو الذي يخلد اسم العائلة، وفي هذا الإطار يعلل الشيخ محمد رشيد رضا حب الناس للذكر أكثر من حبهم للأنثى ب “كَوْنه فِي عُرْفِ النَّاسِ عَمُودُ النَّسَبِ الَّذِي تَتَّصِلُ بِهِ سِلْسِلَةُ النَّسْلِ، وَيَبْقَى بِهِ مَا يَحْرِصُونَ عَلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ”.  بالإضافة إلى أسباب أخرى سيتم بيانها خلال هذه الورقة البحثية.

وخلال البحث في هذا الموضوع تبين لي أن مسألة إثبات الشرف من قبل الأم حظيت بدراسات مستفيضة وطال فيها السجال، واختلفت فيها الآراء والأقوال، والذين ألفوا في الموضوع كان هدفهم الرئيسي في الغالب إثبات لمن أمه “شريفة” من نسل الحسن أو الحسين ابني فاطمة الزهراء بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبوه “ليس شريفاً” (المقصود ب “ليس شريفاً” هنا من ليس من نسل فاطمة الزهراء)، هل يكون “شريفاً” كأمه أم لا ؟ ومن الكتب المؤلفة في هذا الإطار :

” – تحقق الوارد في اختصاص الشرف من الوالد، أحمد بن حسن بن قنفذ القسنطيني المالكي.

– إسماع الصم في إثبات الشرف من جهة الأم، محمد بن أحمد بن مرزوق الحفيد أبو عبد الله.

– إسماع الصم في إثبات الشرف من قبل الأم، الضرير المراكشي.

– ثبوت الشرف من قبل الأم، عبد الرفيع.

– طراز الكلم في تحرير إثبات الشرف من جهة الأم، عبد الرحمن تونسي.

– إزالة اللبس والشبهات عن ثبوت الشرف من قبل الأمهات، الطالب بن سودة”.

ومن الكتب المؤلفة خلال القرن الماضي كتاب شرف الأسباط لمحمد جمال الدين القاسمي الدمشقي الذي قال : “ولا يخفى أن شرف النسب النبوي يتوارث بالآباء والأمهات، فتنال الأحفاد والأسباط ما له من المزايا والخصوصيات. ولما وهم بعض الناس أن الأحفاد ورثة النسب بالتعصيب، وأن الأسباط لا حظ لهم منه ولا نصيب، انتدب أعلام العلم لرد هذا الوهم، فأفتوا بمساواة الإناث للذكور في هذا الشرف المذكور، وأن الأسباط يضربون فيه بوافر سهم، فيثبت لهم الشرف الكريم من قبل الأم، وصنفوا في ذلك مؤلفات عديدة أيدوها ببراهين سديدة. وكيف لا ينال الشرف من قبل النساء وقد بدأ أصل شرف النسبة من النساء؛ أعني سيدتهن فاطمة البتول الزهراء”.

وهذا السجال أفادني في كتابة هذا الموضوع؛ لأن الأدلة التي تثبت الشرف من قبل الأم هي نفسها التي تثبت النسب من قبل الأم، وقد بذل العلماء الذين ألفوا في الموضوع مجهودات مشكورة في جمع هذه الأدلة ودراستها، ولئن كان هدفهم هو إثبات الشرف من قبل الأم، فإن هدفي أكبر من ذلك وهو إثبات حق الأم في تمرير نسبها لأولادها عموما؛ فكما يحق للمرأة تمرير “الشرف” يحق لها أيضا تمرير “النسب”… حيث سأتناول بالدراسة والتحليل مختلف الأدلة التي تثبت ذلك من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة من خلال المحاور التالية :

أولا – تعريف النسب.

ثانيا – اختصاص الأب بالنسب من أعراف الأسرة الأبوية.

ثالثا – تفسير آية }ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ{.

رابعا – الآيات والأحاديث التي تنسب أبناء البنت لجدهم من الأم.

خامسا – استواء الرجل والمرأة في التولد منهما وفي التكريم.

النسب من قبل الأم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.