المكان الحاوي: عندما يُكسب قيمة مضافة للتّشكيل المعماري: قراءة سميولوجية للعمارة التقليدية نموذجا Containing place: when it gains an added value for the architectural formation :a semiological reading of traditional architecture as a model.

0 4

د. زينب قندوز غربال           

مساعد تعليم عالي في مادة التصميم

باحثة في انثروبولوجيا العمارة

    Dr.. Zainab Kunduz filter

Higher Education Assistant in Design

Researcher in Architectural Anthropology

 

إنّ الذكريات تظلّ ساكنة، وكلما كان ارتباطها بالمكان أكثر تأكيداً أصبحت أوضح، إنّ كل أماكن عزلتنا الماضية، والأماكن التي عانينا فيها من الوحدة، والتي رغبنا فيها وتآلفنا مع الوحدة فيها تظل راسخة في داخلنا، لأننا نرغب أن تظلّ كذلك، نرغب أنْ تظلّ تلك الأمكنة مستقرّة بوعينا مشبعة بالأحداث والرّموز ومشحونة بالدّلالات والذّكريات[1]

 

الملخص:

إن العمل على محمل العمارة التقليدية يجعلنا في علاقة مباشرة معها ومع مختلف عناصرها، فيكون تعاملنا مع التفاصيل بصورة أدق وربما أكثر حساسيّة. فبالتعمّق في دراسة عمائرنا التقليدية نكون قد تجاوزنا مادية المواد ومدى تأثير الموقع الطبيعي والمناخ على الهيكل العام للبناء، إلى معنوية هذا التشكّل من كيفيات تعامل مع أجزاءه وما تحمله من مخزون ذاكراتي حيّ ومتداول.

لعلّه ولتفعيل دور الحضور المعنوي لصانع المجال المعماري (الساكن كحضور اجتماعي) سيتجه اهتمامنا بالعمارة السكنية التقليدية أساسا من زاوية أنثربولجية[2] سوسيولوجية تعدّ الفضاء صانع لعلاقات وتفاعلات وسند من سندات ذاكرة الفرد وذاكرة القرية/المدينة، فالمسكن التقليدي قبل أن يكون أعمدة وجدران وسقف وأبواب ونوافذ وأثاث هو فضاء عيش تتمحور حوله تصورات وتمثّلات تقام تناصفا بين مادية الفضاء السكني ومعنويته.

 

يتشكّل السّكن التقليدي دون الارتباط المسبق باعتبارات تشكيلية أو معمارية موضوعة سلفا، فعملية “التّشكّل” تحتكم قبل كلّ شيء إلى الموقع -موضع السّكن-ليكون المحمل “الموقع” أُولى منظّري عمليّة التّشييد. فتكتشف العمارة الشّعبيّة التقليديّة المكان وإمكاناته لتُعمّره، وتملأ الفراغ لتجسّده، تحتوي الزّمان والمكان لتبقى سكينة للسّاكنين.

إنّ المكوّنات المورفولوجية لعمائرنا التقليدية وعلاقاتها الإنسانية، مركبة بطريقة يواجه بها متساكني الفضاء الداخلي العالم الخارجي الذي يحيط بعالم الدار الضيق[3]، وفضلا عن هذا فإن “الدار” تحتضن تراثا ماديا ومخزونا “لا ماديا” حسب ليفي ستروس[4] وتؤسّس للهويّة الفرديّة والجماعيّة. فالمسكن مسكون “بمخزون روحي ومعنوي وأحاسيس ومشاعر فردية وجماعية لا يمكن تجاهلها في مسار إدراكنا للفضاء المادي للدار”[5] .

Abstract:

Working on the basis of traditional architecture puts us in a direct relationship with it and with its various elements, so we deal with details more accurately and perhaps more sensitively. By studying our traditional buildings in depth, we will have gone beyond the materiality of materials and the extent of the impact of the natural site and climate on the general structure of the building, to the morale of this formation of how to deal with its parts and the living and circulating stock of my memories.

Perhaps in order to activate the role of the moral presence of the maker of the architectural field (the resident as a social presence), our interest in traditional residential architecture will be directed mainly from a sociological anthropological angle, which considers space as a maker of relationships and interactions and a bond of bonds between the memory of the individual and the memory of the village / city. A living space around which perceptions and representations are centered between the materiality and morality of the residential space.

 

The traditional housing is formed without prior association with predetermined formative or architectural considerations. The process of “formation” depends above all on the site – the place of residence – so that the bearer “site” is the first theorist of the construction process. The traditional folk architecture discovers the place and its possibilities to reconstruct it, and fills the void to embody it, containing time and space to remain peaceful for the residents.

The morphological components of our traditional buildings and their human relations are compounded in such a way that the inhabitants of the inner space face the external world that surrounds the narrow world of the house. Moreover, the “house” embraces a material heritage and a “not material” store according to Levi Strauss, and establishes the individual and collective identity. The dwelling is inhabited by a “spiritual and moral store, as well as individual and collective feelings and emotions that cannot be ignored in the course of our awareness of the physical space of the house.”

 

[1]  غاستون  باشلار، جماليّات المكان، ترجمة غالب هلسا، وزارة الثّقافة والإعلام، بغداد، الصفحة 75.

[2] إنّ لفظة أنثروبولوجيا Anthropology، هي كلمة إنكليزية مشتقّة من الأصل اليوناني المكوّن من مقطعين: أنثروبوسAnthropos، ومعناه ” الإنسان ” ولوجوس Locos، ومعناه ” علم “. وبذلك يصبح معنى الأنثروبولوجيا من حيث اللفظ ” علم الإنسان ” أي العلم الذي يدرس الإنسان. (Nicholson، Anthropology and Education، London.1968، P.1). ولذلك، تعرّف الأنثروبولوجيا، بأنّها العلم الذي يدرس الإنسان من حيث هو كائن عضوي حي، يعيش في مجتمع تسوده نظم وأنساق اجتماعية في ظلّ ثقافة معيّنة، ويقوم بأعمال متعدّدة، ويسلك سلوكاً محدّداً؛ وهو أيضاً العلم الذي يدرس الحياة البدائية، والحياة الحديثة المعاصرة، ويحاول التنبّؤ بمستقبل الإنسان معتمداً على تطوّره عبر التاريخ الإنساني الطويل.

كما تعرّف الأنثروبولوجيا بصورة مختصرة وشاملة بأنّها “علم دراسة الإنسان طبيعياً واجتماعياً وحضارياً ” (سليم، شاكر، قاموس الأنثروبولوجيا، جامعة الكويت،1981). أي أنّ الأنثروبولوجيا لا تدرس الإنسان ككائن وحيد بذاته، أو منعزل عن أبناء جنسه، إنّما تدرسه بوصفه كائناً اجتماعياً بطبعه، يحيا في مجتمع معيّن لـه ميزاته الخاصة في مكان وزمان معينين.

فالأنثروبولوجيا بوصفها دراسة للإنسان في أبعاده المختلفة، البيوفيزيائية والاجتماعية والثقافية، فهي علم شامل يجمع بين ميادين ومجالات متباينة ومختلفة بعضها عن بعض، اختلاف علم التشريح عن تاريخ تطوّر الجنس البشري والجماعات العرقية، وعن دراسة النظم الاجتماعية من سياسيّة واقتصادية وقرابية ودينية وقانونية، وما إليها. وكذلك عن الإبداع الإنساني في مجالات الثقافة المتنّوعة التي تشمل: التراث الفكري وأنماط القيم وأنساق الفكر والإبداع الأدبي والفني، بل والعادات والتقاليد ومظاهر السلوك في المجتمعات الإنسانية المختلفة، وإن كانت لا تزال تعطي عناية خاصة للمجتمعات التقليدية.

وهذا يتوافق مع تعريف / تايلور/ الذي يرى أنّ الأنثروبولوجيا: “هي الدراسة البيوثقافية المقارنة للإنسان ” إذ تحاول الكشف عن العلاقة بين المظاهر البيولوجية الموروثة للإنسان، وما يتلقاه من تعليم وتنشئة اجتماعية. وبهذا المعنى، تتناول الأنثروبولوجيا موضوعات مختلفة من العلوم والتخصّصات التي تتعلّق بالإنسان.

[3] Bourdieu, P., La maison Kabyle ou le monde renversé, dans, Le sens pratique, Paris, Minuit, 1980.

[4] Levi-Strauss, C., La notion de maison, dans, Terrain, pp 34-39.

[5] Simmel, G., La tragédie de la culture, Paris, Petite Bibliothèque Rivages, 1988. Cf aussi, Milliti, I., Seuils, passages et transition la liminarite dans la culture maghrébine, dans, Public et privé en Islam, Paris, Maisonneuve et Larose, IRMC, 2002, pp 177-196.

للتحميل المكان-الحاوي-عندما-يُكسب-قيمة-مضافة-للتّشكيل-المعماري-قراءة-سميولوجية-للعمارة-التقليدية-نموذجا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.