السياسة بين مصطلح الخروج والخلافة د. جمال الهاشمي

0 11

د. جمال الهاشمي

ظهر مصطلح السياسة قديما كأهم العلوم على الإطلاق وبه تميزت النبوات الرسالية، فإذا كان قد ارتبط بالنبوة فهذا يعني أن من العلوم المقدسة كونه يتكون من المبادئ التي تتحدد به الإجراءات اللازمة، أي أنه مصدر المعرفة لارتباطه بالوحي ومن علوم النبوة وأهم وظائفها الرئيسية وعلى أساسه أقيمت الدعوة والنظام والإدارة الدولة والمدنية والحضارة.

وفي القرآن “وأذكروا نعمة الله عليكم إذا جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا” وفعل الصيروة المشترك يربط بين ذاتية القدوس والفعل المقدس أي الجمع بين المبدأ الذي يحدد تصور الإنسان والفعل الذي يحركه وعليها تقوم إدارة المعرفة، وينشأ التخلف السياسي بسبب التناقض بين قيم المعرفة وإدارة المعرفة.

وفي الحديث “إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء” فإذا كانت السياسة تعني المبادئ المقدسة في العلم الأول منها فإن السياسة تعني علم التسيير والتدبير وإدارة المعرفة في الجزء الآخر. ولا تكتمل عقلية السائس ما لم يكن ضليعا متمكنا بثنائيتها العلمية العملية. وقد وضح القرآن السائس المتأهل لإدارة السلطة بقوله تعالى “إن الله قد جعل عليكم طالوت ملكا” يتكرر فعل الصيرورة لتحديد أهلية الحاكم ومشروعيته بالصفات السياسة المقترنة بعلم المقدس فقال: “إن الله زاده بسطة في العلم والجسم” فالعلم مصدرا والجسم متحددا، وبسطة الزيادة في العلم يعني علم الحكمة السياسية، وبسطة الزيادة في الجسم يعني علم القدرة.

وليس بسطة الجسم ضخامته وقوته البدنية وإنما دلالته السياقية تعني الصحة من العلل النفسية والأمراض والطيش والنسيان، وصحة العقل والإرادة والإدارة والتسيير والفعل.

ولو كان الجسم غاية لذاته لما انصرف فقهاء الآداب السلطانية في شروط الإمامة ولما قال الله لنبيه “وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم” حيث جمعت هذه الآية بين الدلالة النفسية ودلالة اللفظ واقترنها بالجسم” وقد كان عمرو بن معد الزبيدي فارس العرب وصمصامها جنديا ولم تكن له قيادة.

والسياسة علم الوسيلة والدبلوماسية لكونها تقوم على الفكر الحوار وليس المواجهة والقتال، ولهذا أوكل أبو بكر الصديق السياسة لأبي عبيدة والقيادة لخالد، ولما رأى ابن الخطاب فضيلة السياسة على القوة عزل خالدا وعين أبو عبيدة قائدا وجعل عمرو بن العاص أميرا.

وقد تعين أبو بكر بنص النبوة وعمر بالتعيين بين تعين عثمان وعلي بالاجتهاد وهي درجة ثانية من درجات التعيين لتقام به إدارة الدولة والأمة، وصارا الاجتهاد مبدأ سياسي تتشكل به السلطة حتى تتجدد بمبدأ التعين في نهاية الزمان التي تعني نهاية الآلفية، وهنا يمكننا التفريق بين الخلافة بالتعيين وهو مصدر إلهي لن يقام إلا بنبوة، والخلافة بالاختيار ولن تقوم إلا برجل من أهل الجنة إن قلنا بالإشارة كالخليفة عمر رضي الله عنه.  والقيادة بالملك أو الإمارة بالاختيار وأصولية الاجتهاد. وهذا كان سائدا قبل الإسلام بين القبائل في الجزيرة العربية وقبائل اليونان البربر.

 وفي هذه الآليات تتجلى مفاهيم الشرعية السياسية أو شرعية الحكم، وهو محور الصراع الغائر، وموضوع التطرف الكائن في بلدان العالم الإسلامي، كما أنه من المفاهيم التي احتدمت قديما بين فقهاء العلم الإسلام ومنظري الطرق الحكمية والآداب السلطانية والسياسة الشرعية.  

وفي المقابل فإن هناك حكم بالعادة والعبادة، بمعني نظام خديج غير مكتمل قياس ما سباقيه تتجلى وظيفته بحكم العادة أي القيم السائدة، والعبادة أي حفظ الدين على أصوله القائمة. وتكون الإمارة فيها متعينة بولاية المتغلب إذا حققت مقاصدها في حماية الدين والدنيا، والأمن والتنمية، والقيم والمساواة والأخلاق والإدارة، والعدل والرحمة، تكتسب مشروعية اجتماعية وشرعية فقه الواقع بمقاييس الحاجة القائمة على حفظ الإنسان ودينه ودنياه، وهي في الحكم ناقصة الأهلية حيث المقاييس الشرعية، أما إذا انتفت الشروط المعيارية انتفت مشروعية الحكم والعبادة، وشرعية الواقع والعادة، ويدخل تحت هذا الحكم الأنظمة الملكية والسلطانية والرئاسية.

ونضع فارقة زمنية من جهة التأريخ وفارقة سياسية لجهة التاريخ من أجل الفصل بين تجديد الماضي وقطيعة الحاضر، أو تكادم الحمير وقطعان العالم المعاصر.

وذلك أن هذه القطيعة فصلت مفاهيم الشرعية السياسية، عن المفاهيم الرجعية أو المفاهيم السياسية الحديثة، ففي الماضي قبل الإسلام وبعد نهاية دولة اليونان كان الحكم يمر عبر عدة آليات: آلية الحكم بالانتخاب، اللاهوتي، أو الحكم بالطبيعة، وتعني القوة العسكرية، أو الحكم بالوراثة، وكلها تندرج في إطار ما يسمى بحياة الأدغال، وتفسر نظريا بالفلسفة المالتوسية والدروينية، أما عمليا فقد ترجمتها الأيدلوجيات الماركسية والرأسمالية و الفاشستية وأنظمة الحكم العسكرية العربية.

وهنا تبرز لنا مفاهيم المشروعية متجردة أو مجردة عن المفاهيم الشرعية، أو ناقصة الشرعية غير مكتملة الأهلية، وقياسا عليه تبقى معايير وضوابط ولاية المتغلب هي الحاكمة.

وانطلاقا من هذه المسائل المختلف فيها نؤكد بأن الحكم في العالم العربي المعاصر لم يعد وفقا لأصوله الأولى أصولية الاجتهاد وأصولية التعيين، والدعوة إليه يعني الزندقة السياسية بمعنى توظيف الدين لمصالح حزبية وجهوية وسلطوية،  وطموحات شخصية. كما أن أنظمة الحكم العربي المعاصر لم تعد قائمة على أساس الاختيار بأصولية الاجتهاد بعد نهاية الدولة العباسية.

ومنها فلا يمكن أن نتحدث عن مفهوم الخروج عن السلطة لانتفاء شرعية التعيين وشرعية الاختيار المقدسين أو شرعية الاختيار البديل بأصولية الاجتهاد. إذا تحدثنا عن المفهوم الديني من حيث أصوله العلمية والمنهجية.

ومن ثم فإن انتفاء حضور الشرعية وغياب المشروعية يعرض النظم العربية وخلال عشر سنوات قادمة محتملة لتغيرات جذرية ما لم تتدارك ذلك ليس بالقوة الغاشمة، وإنما بالحوار والقضاء والقوة العادلة.

أما من تحدث عن فقه الخروج قياسا على ما سبق من أزمنة تاريخية من فقهاء ودعاة ومتأسلمين فهذا لعمري يناقض العدالة المنهجية ويبني حكمه على قياسات خاطئة لا سيما وقد تعرض منهج القياس الذي وضعه الإمام الشافعي للنقد ووضع له ضوابط علمية تقاربه إلى الواقع والعدالة المنهجية والنصوص الشرعية.

ومن ثم فإن الظلم ظلمان، ومن الكبائر المحاقة لبقاء المجتمع والسلطة والدولة: فإن كان الظلم يقوم على محاربة القيم والدين بصورة مباشرة  أو غير مباشرة فإن الخروج على الدولة ونظمها واجبا ولو في ذلك هلاك النفس والمال والتنمية، وإن كان فعله أول الكبائر وأعظمها فإن ترك التغيير وإنكاره مثله في الحكم. أما إن كان الظلم أدنى من التضييق في أمور الدنيا وتمكين المخالفين فإن الخروج من أجل حماية المجتمعات وأمنها وتنميتها في مواجهة النظام بعد العذر لا يعد خروجا، بل يعد أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. أما صفة الخوارج فهم الذين يهددون أمن المجتمعات وتنميتها واستقرارها ويستبيحون الدماء ويكفرون المسلمين لمعصية أو خطيئة.

وبعد استقراء عميق في الفقه الإسلامية وبأفهام السلف الأول بعيدا عن سلفية اليوم المتعددة الوجهات والمتناقضة  أو دعاوي الحزبيات الإسلامية المتصارعة ، أو الليبراليات الحداثية الفاسدة ، توصلنا بأن الحكم وفقا لشروطه ومراتبه عند أولئك القدامى لم يعد موجودا، وإن قلنا بوجود يسير للرتبة الرابعة  اقصد “ولاية المتغلب” التي سادت خلال حكم السلاطين المدافعين عن ديار الإسلام من الأيوبيين والمماليك والعثمانيين والمرابطين والأدارسة وآخرها في شمال جزيرة العرب خلال القرن الثامن عشر بعد أن تراجعت الصفات المعيارية السياسية  لولاية المتغلب في الدولة العثمانية.

ونؤكد أزمة الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر في تبنيه مفهوم الخلافة لإعادة التجديد، أو مفاهيم الفكر القومي والثيوقراطي والعسكري في تبنيهما لمفاهيم ولاية المتغلب وإنقاذ الواقع، لم تعد كائنا وجميعها غير قادرة بالطريقة القائمة، وهو ما يجعلنا وجها لوجه مع هذه الأفكار والنظريات المتطرفة من خلال المحاججة والاستدلالات النصية والعقلية والواقعية ومستعدون للحوار البناء وفتح آفاق التعاون لبناء المفاهيم الحقيقية لإدارة الدولة بعيدا عن السجالات التجريدية والمثاليات الحالمة. لإنقاذ ما تبقى من استقرار المجتمعات وإعادة تجديدها وتنميتها.

رئيس مركز الإصباح للتعليم والدراسات الحضارية والاستراتيجية

g.alhashimi@yahoo.fr

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.