الدين الإسلامي بين سفسطة التدين و صناعة الإعلام

0 7

الدين الإسلامي بين سفسطة التدين و صناعة الإعلام

د. جمال الهاشمي

كانت الخطابة أحد الفلسفات اليونانية المسماة قديما بالسفسطائية وأحد وسائل التأثير الاجتماعي والتعبئة الاجتماعية وهي بنفس الوقت  أحد سمات الطبقة الأرستقراطية وأحد ميادين السجالات بين موظفي السلطات التشريعية ووسيلة من وسائل الثروة لفلاسفتها المعلمين شبيهة إلى حد ما بالمؤسسات التعليمية العربية المعاصرة و من سلبياتها تنظيم الجهل بفلسفة الكلمات والتلاعب بها دون سياقات بنوية تجريبية أو استدلالات  نقلية أو عقلانية ومن سلبيتها الوهم العلمي و مناقضتها للتنمية الاقتصادية وانفصالها عن الواقع الاجتماعي ومتطلباته واحتياجاته الحضارية والنفسية والعلمية. عطلت هذه المدرسة السفسطائية الجدلية الأعمال وأهدرت الثروات وأفسدت المجتمعات بالجدالات الفلسفية العقيمة التي تجعل من الباطل حقا ومن الحق باطلا وتجعل من حكم الشيء الواحد والمسألة الواحدة حقا وباطلا في فلسفة الكلمات (اللوغوس المجرد عن المنطقية الذهنية)، وتعد أول فلسفة طبقية واحتيالية شرعنت الفوضى الإدارية والاضطرابات الاجتماعية والفجوات الفكرية والثورات الجاهلة والثورات الطبقية وثورة المنبوذين بقيادات أنصاف المعرفة، وقد تسببت بانقراض النخب الارستقراطية العالمة واستبدلتها بالطبقة الأوليجاركية الثرية الجاهلة (نخبة الترف) التي احتكرت الوظائف الإدارية والسياسية بقوة الجهل والثروة والدهيماء. أسست هذه الفلسفة لجدلية الخطاب والتناقض الاجتماعي والتنافس الفردي وجعلت من الجدل السفسطائي معيارا للقوة ومنطق التعبير المعرفي للحقيقة وفتحت الباب على مصراعيه لطلب العلم الجدلي العقيم على المجتمعات ومنحتهم الاجازات مقابل ما يدفعونه من أموال حتى صارات من أهم مطالب العامة وطموحات الخاصة، وتعتبر من أهم مكونات الثقافة اليونانية القديمة لا سيما الثقافة التي دخلت في صراع مع اليهود صراع الاقليات داخل إطار الدولة الرومانية، وأحد السمات الاجتماعية وتعد من أكثر المدارس انبعاثا في التاريخ المؤثرة على الديانات المسيحية واليهودية جدلية الطبيعة والجد الميتافيزيقي وبعد استقراء وتتبع سيرورة هذا المنطق الوهمي فإن آخر محطاتها التاريخية في قياس المشابهة العالم العربي المعاصر الموبوء بثقافة التدين المجردة عن الضوابط المنهجية والمبادئ الثابتة. كما يندرج أغلب التدين السياسي العربي تحت هذا النوع من المدارس في صياغاته الجدلية الولادة للتناقضات والفوضى الاجتماعية كما ينقاد الإعلام السياسي للإعلام المعاصر باعتباره النص الثاني أو فقه الواقع، فقه الواقع في سياقات سفسطائية وفي قوالب أصولية يجبر النص الديني وفقا لفلاسفة الواقعية الأصولية الإسلامية الدينية على الخروج من التفسير الظاهر إلى فلسفة التبرير والتغرير والتمرير والتأويل بسياقات الواقع المغاير. ويقدم النص كمبر شرعي لإثارة الفوضى الاجتماعية وتوجيه الرأي العام من خلال إدارة أزمات الحوار والإدارة بالأزمات العاطفية والحاجات الفيسولوجية بين متقمصي السفسطائية حيث يسعى المناظر لتغييب الحق وإثبات أحادية الرأي المطلق المواجه لرأي وقناعات الآخر، بينما يخرج مدير الحوار بخلاصة ما يريد توجييه من رسالة اجتماعية وشعبية لا يكون فيه المحارون سوى أحجار الشطرنج المتساقطة تحت سياسات التعبئة والتوجيه والمؤامرة. ونتيجة لغياب المبادئ المنهجية للمجتمعات تحولت المجتمعات من ثقافة عامة إلى ثقافة جدلية جاهلة تطغى عليها الميول الثقافية وفلسفة التدين الفرعي؛ الطائفي والحزبي والليبرالية الإسلامية الجديدة خصوصا في ثقافة الدعاء بالشرور والتخويف بنقمة الإله الرحيم لإثارة العواطف الشعبية وإثارة كوامنها السلبية وتهيئتها للعنف كما تستغل معاناة الناس ليس لرفع الدين وتحكيم شرائعه وقيمه وأخلاقه وإنما لتوسيع الفجوة بين ممارسة التدين السلبي وثوابت الدين الصحيحة. يمكن إبراز الإشكاليات التي تسعى لإثارة الدين كوسيلة غائية وإلى حد ما الثقافة المنبرية المتحدث عن الله في أحكامه المرشد الولي العالم بأسرار النصوص ومقاصدها لا سيما تلك التي تتناول قصة السياسة والسياسات العامة وتحول المجتمعات عن فطرتها أو قيمها الإيمانية أو العقلانية إلى مجتمعات عاطفية تغيب الوعي وتتغيب عنه وتجند في خندق المواجهة بإسم ولي الإله لتدمير ذاتها في مواجهة بعض مكوناتها المفارقة أو لإعاقة وتدمير أمنها وتنميتها واستقرارها في فلسفات اقتصادية معارضة، وتستخدم لإفساد مقومات الدولة وضرورتها كإدارة وقيادة. فالدين عند هذه التيارات يقدم كأحد مصادر الثورات الاجتماعية والشعبية بطريقة فلسفية ادعائية وجدلية عبر مصفوفة الكلمات الرمزية أو التحليلية التي تدور حول الجنة كحقيقة وغاية ولكنها في الوقت ذاته تغلق كل منافذ الوصول إليه وتحرف المسارات والطرق المؤدية إليها. مثل هذه الفلسفات الغنوصية الفسفسطائية وسفسطائية التدين المعاصر تبرز التناقضات التالية: يتحدثون عن مفاهيم إنسانية كالمساواة والعدالة الاجتماعية ويمارسون سياسة الاقصاء وفرض النفوذ والتبعية. يتحدثون عن العقود والعهود وطاعة الإمام والبيعة الأولى ويقوفون في الجانب الثاني من المعارضة والبيعة السرية الثانية. يتحدثون عن اختيار القوي الأمين ومعيار الكفاءة والخبرة والمعايير الصارمة وتنتهي تلك المعايير والشروط بمجرد الوصول إليها. يتحالفون مع السلطة القائمة بنظام المحاصصة وتقاسم وظائف الدولة، ويتحولون عند الاقصاء إلى الثورة والمعارضة. يتحدثون عن خططهم الاستراتيجية ومشاريعهم الأمنية والاجتماعية والتنموية ثم يقيدون أعمالهم ووعودهم بظروف المرحلة ونظريات المؤامرة. يتحالفون في سياسة التبرير والغاية تبرر الوسيلة مع النظام لمواجهة خصومهم من الطائفيين والحزبيين المارقين ثم يتحالفون مع هؤلاء لمواجهة نظام الدولة. بهذه الطريقة يقدم الإسلام بأطروحات صياغات جدلية سقيمة أو خطابات عاطفية عقيمة، ويستخدم الإسلام كوسيلة من وسائل الارتزاق السفسطائي للباحث عن التخمة والثروة أو مظاهر النفوذ الاجتماعي المعاصر، أو الكارزيمية أو الرمزية وثقافة القدوة تحت شعار الإسلام والمؤامرة، الصراع بين الثقافة الإسلامية وثقافة السلطة والثقافة الوافدة. فالديمقراطية والخروج على الإمام والانتخابات والثورة السلمية فكرة غربية وافدة ويمكن تشريعها كضرورة اجتماعية وفريضة شرعية عبر مصانع وتبريرات الأسلمة. ومن ثقافة التسول بالله في أعمال الخير وبناء المساجد والجمعيات الخيرية إلى توظيفها في الممارسات الانتخابية والمقاصد الحزبية، ومن دين ماركات الحلال المستوردة إلى أسلمة المفاهيم الوافدة. أما التحالف مع النظام السياسي العلماني وفقا لفلسفة الأسلمة تعني سياسة الإصلاح الناعمة وهذه سياسة المعتزلة، أما الخروج على النظام في الثورة وفقا لفلسفة الخوارج فهي شرعية وتعني الثورة السلمية، كما يرى التيار الإسلامي أن علاقة أنظمة الحكم مع إسرائيل عماله وخيانة للقضايا الإسلامية والعروبة والوطنية بينما علاقاتهم وحلفاءهم مع إسرائيل استضعاف وسياسة واستراتيجية. أن اندماج القومي مع الآخر في اتفاقات ومشاريع خيانة للإسلام أما سياسة الحوار الحضاري والثقافي عبر الإسلامي مع الآخر كياسة وإذا دخلنا في مقارنة بين النظم القومية ومواقفها والنظم المؤيدة للإسلام أو التيارات الإسلامية ومواقفها سنجد أخطاءها حبلى بالتناقضات، وحقائق حبلى بالمفاجئات. هذه بعض التناقضات المنهجية للتيارات الإسلامية والتي كانت من أهم أسباب تعطيل التنمية وتوسيع الفجوة بين الحاكم والمحكوم ومن أهم أسباب تعطيل قدرات النظام وإمكانيات لتحقيق الأمن وحماية الدولة من التدخلات الداخلية والحروب الطائفية  كما هو الواقع الموبوء في اليمن وسوريا والعراق. ونهاية المقال ليس الحديث عن هذه التيارات يعني التحامل عليها وإنما هي كتابات هي خلاصة قراءات ومشاركات وخبرات بنيت على أدلة علمية وقراءة منهجية حسب اجتهاداتنا وسنوالي الحديث عن مثل هذا التناقضات في كتابات قادمة، نأمل من خلالها أن نؤدي رسالة إلى مثل هذه التيارات لتصحيح  مساراتها واستدلالاتها الخاطئة بالتوبة  والرجوع إلى الفهم الصحيح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.