الحقوق الطبيعية والعلمانية في الثقافة الاشتراكية

0 7

الحقوق الطبيعية والعلمانية في الثقافة الاشتراكية

د. كتيفان اساكيا

باحثة متخصصة بالفكر الشيوعي وحقوق الإنسان

ترى العلمانية الاشتراكية أن الدولة معطى طبيعي من خلاله تنظم العلاقة بين الفرد والطبيعة على أساس مبدأ المساواة، فالمساواة في النظرية الاشتراكية مبدأ مطلق فوق اعتبار القيم الدينية والقيم الليبيرالية والاشتراكية.

إن الطبيعة عادلة بالدولة وليست عادلة بفرد أو كنيسة، لأن الكنيسة الأرثوذكسية كانت تعتبر نفسها طبقة حاكمة للدنيا وبالتالي قلصت الدولة وصغرت حجمها ووظيفتها وجعلتها ليست أكثر من أداة عسكرية تخضع لقرارتها في الحرب والسلم وقتل المعارضين حتى عهد الإمبراطور بطرس الأكبر والذي استطاع أن يفصلها عن الدور السياسي والتنمية وانفتح بعقليته الذكية على الغرب واستفاد من تقدمهم الحضاري والثقافي بل وهضم اللغة الفرنسية كلغة مختصة بطبقة حاكمة متفوقة على عامة الشعب.

وقابل تحرره من الكنيسة خضوعه للثقافة الغربية واستبداديته المطلقة بالملكية، واستغلاله للكنيسة وتحويل الوظائف داخلها إلى وظائف سياسية بعد أن كانت مستقلة وتدخل بشؤونها وهو ما أثار حفيظة المفكرين واللاهوتيين والأقليات الدينية واللادينين والملحدين، ووحدتهم جميعا لمواجهة السياسة الكهنوتية لبطرس الأكبر.

عندما تحرر المجتمع من هذه السلبية السياسية الملكية الثيوقراطية واندمجت الكنيسة مع حركة الفكر الطبيعي واللادنيين كوسيلة وحيدة للتخلص من بطرس الأكبر وزجت باتباعها المؤمنين للتخلص من الإمبراطور وأعطتهم مفاتيح الجنة وصكوك الغفران، وكانت تسعى في الوقت ذاته لإعادة سلطانها وما استلب منها انتقاما من الإمبراطور بطرس الأكبر.

وقد أدرك الطبيعيون مدى استغلال الكنيسة للدين، وسيطرتها على أدوات الإنتاج والثروة وتشريعها لنظام القنانة، فأدركوا حينها أن إله الكنيسة ليس سوى رسمالي غربي يستغل العمال لإشباع نزوات القائمين عنه، وأن التعاليم الدينية ليست إلا أفيون للشعوب به تستلب حقوقهم وكراماتهم وحرياتهم.

واستطاعت الشيوعية أن تؤسس الدولة على مبدأ المساواة وألا يأخذ أحد فوق حاجته من الطبيعة وأنه من حق الجميع أن يأخذ حقه دون تفاضل بينهما، وعلى الجميع أن يعمل من أجل بقاء قيمة الدولة كمعطى طبيعي وجودي لا وجود لعالم خارج هذا العالم.

ولا فرق بين الدولة والطبيعة كآلهة بالنسب للثقافة الشيوعية، فالدولة أداة لاستغلال الطبيعة، ووسيلة لحمايتها، والشعب كلهم من معطيات الطبيعة.

تعود هذه الرؤية إلى فلسفة أفلاطون، ولكن الدكتور جمال أعاد خصخصتها وزعم أنها ثقافة أسيوية تاريخية وأن أفلاطون كان قد تأثر بها وأنا في الحقيقة وبعد أن أعدت قراءتي أوافقه فيما ذهب إليه.

واعتقد أن الدولة والمساواة عنصران مهمان لنزع الصراعات الطائفية والدينية والصراع على الثروة بشرط أن تطبق تعاليمها القديمة وحتى نتجاوز مرحلة الإمبريالية التي هي الآن في مرحلة النهاية ومن ثم لا بد من الفوضى للعبور إلى الشيوعية في نهاية التاريخ.

وأنا أرى أن ما تنبأ به ماركس وأرباب الفكر الشيوعي قد بدأ واضحا وما الفوضى العالمية الحالية وخصوصا في منطقة الشرق الأسيوي والشرق الأوسط إلا إرهاصات حتمية طبيعية لظهور الشيوعية العالمية والمعتقدات الطبيعية العادلة، وتحريرا لعمال العالم من سيطرة الرأسمالية الثيوقراطية والرأسماليات الطبقية.

وما حضور روسيا بثقلها التاريخي في منطقة الشرق الأوسط وخصوصا في سوريا إلا لتجفيف منابع الإرهاب والتطرف الثيوقراطي في إيران والسعودية العربية كونهما امتدادا جغرافيا وحيويا لروسيا لا سيما وأن الفكر الشيوعي أدرك مؤخرا أن الخطر الثيوقراطي السعودي والإيراني لا يقل خطرا من الرأسمالية الغربية بل وعند الغالبية من مفكري الطبيعة العادلة أن الثيوقراطية الإسلامية أكثر تهديدا للعالم والمعتقدات الشيوعية الاشتراكية.

ولعل المراقب عن كثب يدرك أهمية حضور المرأة السعودية والإيرانية خصوصا وتحررها من الحجاب والقيود المنزلية ودخولها معترك الوظيفة العامة في الدولة ومناهضتها للاستبداد السياسي إلا حالة من حالات تطور الفكري الشيوعي التحرري من المعتقدات الدينية والخرافة ومن الأفيون الديني الذي حرم المرأة السعودية والإيرانية من أبسط حقوقها الطبيعية.

وستكون المرأة العقل الأول الذي سيلهم العمال وخصوصا الجاليات الأسيوية في الخليج من التحرر من الرأسمالية الثيوقراطية والمطالبة بحقوقهم الطبيعية وحق المساواة التي تتأسس عليها الدول الشيوعية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.