استراتيجية كتابة البحوث في مركز الاصباح: مقاربة نقدية

0 9

استراتيجية كتابة البحوث

د. جمال الهاشمي 

يُنهي مركز الاصباح للدراسات إلى جميع الباحثين والأكاديميين والطلاب أنه قد أبرم عهده ووضع على عاتقه دعم الباحثين بالمعرفة والعلم والمنهج:

تلك المناهج التي تتجاوز التقليد الأعمى، على مستوى الاستهلاك المرجعي دون آليات، أو الاستهلاك الوافد دون أدوات،

وتستخدم الثقافة والمعارف كمقولات صحفية، أو فلسفات سُفسطائية يبرزها الإعلام كعلم ومنهج وغاية وحقيقة.

ويوظفها توظيفا سياسيا ويوسع من وشائجها بالتجاوز والخروج عن عدل الخصومة بالمثل إن تجرد عن الإحسان؛ إحسان المصالحة والعفو.

وهكذا لا يُرى إلا ممارسات جاهلية على منوال ثقافة الدحس والغبراء، في صراع أسوأ ما فيها التلبس بالدين والمقدسات تلبساُ طائفيا أو عرقيا أو إثنيا، وديانات قطرية وسياسية، وستكون من بعدها ديانات قبلية (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون).

;وبذلك تحولت المبادئ الإنسانية إلى نزعات عاطفية تلبست الحقائق واستخدمتها  إطارا مشرعا كما أُستخدم الدين لتدمير المجتمعات وقُراه، والدول ونظمها، وتعطيل الأمن والحياة والسكينة العامة لكل بشري أهلكه الاغتراب وركب موجات الخطر مؤثرا الموت على البقاء، أو الرحيل عن دار الإسلام إلى دار الأمن والرفاه والكرامة الإنسانية.

هذه الصورة القاتمة التي تلوث إنسانية ديننا ونقاء منابعه، وما فيه من قيم الرحمة والألفة والسلام والمحبة والتكامل، كان وما يزال متأدلجا بصناعة الجهل وتغييب العقلانية وتوظيف النقل، وتحويل المنهج إلى سجالات جدلية باتجاهات متعاكسة، أو ممارسة التلبيس الممنهج في أطر إنسانية أبوية  تارة، أو أمومية دينية أخرى، أو سوفسطائية عبثية تجعل من الباطل حقا ومن الحق باطلا.

وفي كل ظاهرة من هذه الظواهر المبرزة تجد القائد والراكب ذلك المثقف الأمي الذي يسجع الكلمات عبر قنوات الإعلام المشاهدة ومن ثم يفرض الإعلام الممنهج على  المشاهد الاختيار أقل الباطل سوءا وخطرا، فينبري عما استلقفه منه من مفاهيم مدافعا عما حفظه كحقيقة مطلقة لامست عاطفته للدفاع عن الأكثر تأثيرا على منهج الاختيار بين البدائل المتاحة دون القدرة على وضع بدائل أخرى ليس لعيب في العقل الذي كرمه الله وخاطبه وكلفه وحرره ، وإنما لكونه قد استمرأ عبودية التلقين والطاعة في الرأي، وهوية الغُزية التي أشار لها دريد بن الصمة.

أو كالعقل الذي كان يعبد آلهة التمر وألوهية الحيوان وتأليه الطبيعة فإذا جاع أكله أو أكل منه،  فالعقل الذي كان متوقد التفكير تجلبب بالعادة وتجلبب بقابلية القالب الاجتماعي والبيئ و وتغلبت عليها قاعدة العادة محكمة.

أما النماذج المؤسسية المغيبة للعقل في عصرنا كثير جدا في هيئات خيرية أو وطنية أو رسمية؛  كالمدرسة والجامعة والمعابد الحزبية اللواتي يضعن القوالب المحنطة لعقولنا والمقيدة للتفكير والضمير، بمناهج تقوم  على التلقين ، والحفظ والتكرار دون أبنية علمية أو عملية أو  دون شروح تناسب الروح والعقل والواقع ، حتى استشرى فينا ثقافة المتلقي والمقلد الحافظ حامل الأسفار، وما ذلك إلا لغياب أليات المنهج وتغييب دور العقل.

وما زالت ثقافة التلقين والتلقي حتى اليوم في الجامعات، ولقد زرنا أكثر الجامعات العربية وكأن الطالب فيها قُمع عارِ يخشى الدوائر ولا يجد نصيبا من العدل، وهذه منهجة جديدة في أطر مؤسسية تخشى التجديد والنقد والتغيير؛ هذه المؤسسات هي التي خرج منها الفقيه والداعية والصحفي والسياسي والاقتصادي، وكل مخرجاتها انتجت أزمات مركبة يشهدها العالم العربي والإسلامي برمته.

أما مراكز البحوث فهي موجة أخرى من الأزمات المتراكبة والمعقدة لتجهيل أمية المثقف، وكأنها مسرحيات فقط خالية من الرسالة والمضمون.

يبدو أن هذه المنتجعات التعليمية شرعنت للطائفية العرقية أو الثيوقراطيات الدينية أو الكايزيما السياسية أو الحزبيات الإيدلوجية أو المنظمات الإنسانية في كل مسمياتها المنحولة، ومقولاتها المنظومة وجميعها تمارس العنف والإرهاب على قاعدة الحقيقة الميكافيللية التي تتأقلم من مصالحها، والغاية تبرر الوسيلة، وتدافع ليس من أجل الحقيقة المنهجية التي تؤكد على أن السلام والأمن مقدم على العبادة وإقامة الشعائر والطقوس والمؤتمرات والندوات بنص النقل القائل “فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). كما لم تكتمل الشرائع النبوية؛ بل لم يقم أكثرها إلا في المدينة المنورة في دولة أمن واستقرار وتنمية.

وكل ذلك كان قائما على المنهج وليس التلقين والتثقيف والتعبئة والتوصيف؛ أمن التنمية والعلم لا يقام إلا بمنهج يجب أن نفهمه من فطرة العامي، واستعمالات العقل في الحياة، وارشادات النقل.

ولقد تتبعنا كيف تحققت التحولات الاجتماعية في أوروبا  واليابان والبرازيل وكيف تحقق ذلك من خلال عباقرتهم المجددون صناع الحياة والثروة والأمل والانتاج والاقتصاد والسلام ، فلم نجد من أولئك إلا أنهم استفادوا من التجارب التاريخية وأحدثوا تحولات نظرية حتى برزت لديهم مناهج عقلية علمية عملية فحققوا النهضة ليس بغزير انتاج من المؤلفات. بل بالجيد منها.

بينما نجد عباقرتنا قد أنتجوا مع موضة الانترنت وتيسير الجهالة العلمية بالقص واللصق عشرات الكتب ومئات الأبحاث ومئات المشاركات العلمية، والموسوعات والمجلدات الوفيرة التي ملئت المكتبات والأرصفة

ومومع ازديادها لم تزد العالم العربي إلا تخلفا وإرهابا وفقرا. مع أن الكثيرون منهم يبرزون أنفسهم مجددين وثوار ومصلحين، ويضعون الاستراتيجيات التي تناطح بعهضا بعضا، استراتيجيات تتلقفها المسامح وتتداولها الألسن، دون وعي أدواتها العقلية والتنظيمية والعملية. فقط موضع التلقف المفاهيمي والمصطلحات التي أدمجت ممصطلحات علمية لا يفهم الكاتب ماهيتها ولا القارئ ماهي.

كما برز القصاصون كعلماء، فانقادت الشعوب العربية ليس جميعها للالتفاف حول المنقذ الذي يتقمص الشخصية الكاريزمية أو المخلص الطائفي، ولم يزل السراب يضمأ الشعوب بالأمال المكتوبة والموعودة حتى يدركه الموت لا سيما وقد تثقفت شعوبنا على ثقافة الولي والخضر صاحب الكرامات المعطلة للأسباب المادية والعقلية، تلك الأسباب التي هي المناهج الوسيطة بين العقل والواقع، العقل والمادة، العقل والنقل.

فتراكم التخلف المعرفي وانتشرت ماركات الجهل المركب، وتحولت معه المؤسسات التعليمية العلياء والدنيا إلى أدوات تقنن الجهل الثقافي والمعرفي والاجتماعي والقيمي وحتى جهل الفرد بدوره ومكانته وقدراته في امتيازات أو شهادات أكاديمية من جهة، أو عبر معايير بحثية من جهة أخرى أفقدت الجامعة سياسة تنظيمية في لقاء ومقابلة وامتحان للأكاديمي الذي يمكن أن يضطلع بدور تربية الأجيال في الجامعة.

ودور المدرس في التربية والتعليم وفق معايير علمية أكاديمية وتجديدية، وفي إطار عام للاجتماع العلمي والتنافس من أجل انتاج المعرفة، وبهذه الإجراءات هي التي تقام في أوروبا لضمان صحة التعليم، الطب، والتعليم الجامعي. عبر مؤسسات علمية رائدة وعبر رقابة دائمة فيها أحكام صارمة، ومن نماذجها العديد في تاريخنا المغيب، ذلك التاريخ الذي كان أحد منتجي الحضارات القائمة والذي لم يتكلف الباحثون عناء القراءة في البحث عن درره وقواعده ونظمه ويبتدروا الوصل معه في بناء الحاضر بحوائجه،  وهذا الذي نفتقر إليه.

تاريخ حقيقي عملي وليس التاريخ الملوث أو الذي يوظف للصراع ويمنهج للقتل والتدمير بقوالب اسمها الحرية، التغيير، من أجل الفوضى والتدمير، وأكثر مشاركي الأمس يبكون على تاريخ قبل الأمس بمساوئه ومحاسنه.

وبما أن المستوى الأكاديمي العربي لا زال على سنة الإخباريين والاستهلاك الثقافي وثقافة التوليف ، أو ثقافة تعطيل العقل بالتقليد، وهو السائد المشهور في مراكز البحوث والجامعات العربية. وحتى مناهج الوصف التي يبرزها البحث وهي الغالب في البحوث الأكاديمية لم ترتقي الى مستوى المناهج الوصفية العلمية الصحيحة للمطالع النهم عليه الرجوع إلى أطروحات الدكتوراة وبحوث الترقيات.

ومن ثم فقد وضع المركز استراتيجيته العلمية البحثية على ثلاثة معايير في التوصيف البحثي.

المعيار الأول: قبول البحوث التي يبذل فيها الباحث جهدا وتحوز على نسبة 15-20% من المعايير البحثية للمركز وهي بحوث دنيا في اعتبارات المركز قابلة للنشر على أن يتقبل البحاث الملاحظات ويجتهد في تلافيها قدر المستطاع.

المعيار الثاني: البحوث التي تصل إلى 50% فما فوق من الشروط المطلوبة ويتم نشرها لكن بدرجة أعلى.

المعيار الثالث: اصدار مجلة سنوية للمركز تكون خاصة بالنخبة العلياء من الباحثين وتمنح لهم السلطة العلياء في المركز، وفق سياسات المركز العادلة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.