أي مكان للإسلام في الجمهورية؟: قراءة  من  كتاب

0 45

أي مكان للإسلام في الجمهورية؟: قراءة  من  كتاب

Quelle pace pour l’islam en République ?

د. جمال الهاشمي 

تحت العنوان أعلاه صدر كتابا باللغة الفرنسية للباحث الشيخ طارق أبروا   إمام الجامع الكبير في مدينة بوردو الفرنسية عن دار النشر “First” وهو كتاب من المتوسط بـ 157 صفحة .. وقد بدأ الفصل الأول بالحديث عن الإسلام؛ الإسلام بكلياته العامة التي تستوعب الإنسانية بأفهامها المختلفة، وهو المدخل الذي بنى عليه قاعدته في خطابه الموجه للعالم الغربي بلغته الأكاديمية وبعقليته الفلسفية، وخطاب موجه للمعتقدات اليهودية والمسيحية، موضحا  في فلسفته السلسلة الوظيفية الرابط بين كونية الإسلام كامتداد وظيفي ومجددا للتوحيد الذي جاء  به موسى (ع)  في التوراة  وعيسى (ع) في الإنجيل.

فالله الذي كان في الكتب السابقة هو الله الذي ساد في الإسلام على الطريقة نفسها إله موجود ومتواصل، غير أن التفاوت والاختلاف بين الإسلام والمسيحية  متعلق بأفهام النصوص ، والفهم ليس مقدسا لأنه بشري يقارب النص الديني أو يفارقه، وبذلك جاءت المسيحية مجسدة للمقدس، بينما  الله تعالى متعاليا بذاته عن الموجود  ولا يسكنه  في القرآن ومن باب أولى لا يتجسد في صور البشر، وأن محمدا (ع) كعيسى في القران منفصلان عن الذات الإلهية.

فالمسيح متميز عن البشر بالأمر “كن” كآدم في المشابهة ، ولم يأتي بالتوالد كسائر الإنسان، فهو من جهة الخلق كالبشر، ومن جهة الروح بالفعل الإلهي، وأن وجود أدم من لا شيء، كوجود عيسى في شيء، وقد وصف القرآن عيسى بروح الله مميزا عن بقي بني آدام ، وهو وصف إلهي بلسان عيسى (ع).

بينما ترى المسيحية أن الله جزء من التاريخ وفقا  لفلسفة الكلمة اليونانية القديمة “اللوغوس” وأن تجلياته التاريخية ارتبط بحدث الميلاد،  والكلمة  قد تكون خفية تسكن النية أو جلية تسكن اللسان، وجاءت كلمة الله بالعبرية أو الآرامية والعربية لا تعبر عن تجسيد الله في التوراة والإنجيل والقرآن لأنها تعبر عنه وتصفه، ولو حضر بذاته لما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، لأن الرسالة تفسر الصلة عبر الرسول بين واجب الوجود والموجود، وهي العلاقة المنطقية بين الخالق والمخلوق.

ثم ميز بين القرآن كنص إلهي وبين التفاسير، وكل تفسير له منهجية ترتبط بالفهم حصرا لا لتختزل المعاني القرآني في  فهم واحد، والقرآن لا يحتاج وسيط بينه،  سوى اللغة العربية التي بها أنزل، فمن فهمها كان جديرا بفهم مراد الله منه، وعلى أساس ذلك منح الله حرية الوصول الفردي إلى القرآن، وبحسب مستويات اللغة تتفاوت المعاني المستخلصة، ومن فسر القران عن لغته إلى غيره من اللغات  ارتبط المترجم بفهم الناقل، ومن باب أولى فإن ترجمة تفسيرات القرآن لا ينقل فهم المفسر، وإنما فهم الناقل، وتعدد سلسلة النقل ومهما تعددت فإن المصدر يبقى  موضوعا من موضوعات الناقل(ترجمته)، والقرآن متاح للجميع وبموجه تتعدد مساحات الاختلاف بين الأفهام وهي المساحات التي تعبر عن الحريات المقيدة بأدلتها في الفهم، فهي مطلقة من حيث الوصول إليه ومقيدة من جهة الفهم، ولم يجعل الله الإسلام في طائفة أو جماعة تعبر عن إرادة الله، ولم يصغها صياغة قانونية فضلا عن أن يجعلها سياسية، وهنا استنبط الكاتب مفهوم اللامركزية في الإسلام، وأن المجامع الفقهية لا تقرر عن الله، وإنما تقرر فهمها النسبي عن مراد الله بأدلتها التفصيلية، وللفرد أن يقرر عن ذاته بأدلته، وبذلك برز في القرآن إجماعا ومخالفة للأجماع في نفس الزمان أو بعده بزمان ، وهو ما يخالف توجهات السياسيين الفرنسيين الذين يتشاورون مع الأزهر كما لو كان فاتيكان السنة، ومصطلح فاتكان السنة يفسر العقلية الفرنسية التي لم تميز بين خصوصية الإسلام، وخصوصية الكاثوليكية التي شكلت مركزيتها التاريخية بالفاتكيان الوسيط الشرعي ووسيط الأفهام بين الأرض والسماء، وهذه أطروحة منهجية قدمها الباحث ليؤكد أن لكل دين معالمه وخصائص الذي تميزه عن الآخر لتعدد مصادر الدين أو لاختلافها.

وهو يحمل المسؤولية علماء ومثقفي أوروبا الذين لم يدركوا واقعهم انطلاقا من بيئاتهم الثقافية، لأن الغربة المقلقة لفهم الدين وإشكالياته إنما تأتي من خلال انزال خصائص واقع على واقع مختلف، ينفي وجود المجتهد أو صفته التي تتعلق بكيفية الربط والإنزال بحسب السياقات.

فإذا كان للمكان اعتبار في تفسير النصوص فإن للزمان اعتباراته، وفي الظرفية مدارات الحكم على أساس اعتبار  المصالح الشرعية والمصالح المعتبرة.

وهنا تأتي فلسفة الثقافة اللامركزية للإسلام، وهي ثقافة تتعايش مع خصاص الزمان والمكان، والتي استنبطها علماء الإسلام عبر قواعد العادة والعرف في الفقه الإسلامي، ومن ثم فإن نقل الاستنباطات في واقع أو زمان إلى غيره يصوغ لأفكار متطرفة لا ترتبط بالظرفية، أو حادثتها، وهو ما يؤدي إلى اختزال الإسلام في سلسلة أفكار منفصلة عن واقعها مما أدى إلى وجود نزعات أضرت بحقيقة الإسلام وإنسانيته وعالميته.

ثم يشير إلى أن تحويل الإسلام من عقيدة ودين إلى ايدلوجية وثقافة إحلال حضاري بديلا عن حضارة قائمة  أضر بالمجتمعات الغربية وأضر بالمسلمين كمكون في مجتمعاتها، وخالف معايير الزمان والمكان وجوهر الإسلام، وصنف الإسلام كعدو للديمقراطية والعلمانية من منظور منظومة قيمه العالمية التي تسعى لإلغاء الأخر واستلابه، وبهذه الرؤية التي تبناها مثقفو المسلمين في الغرب انفصلت الإنسانية  عن عالمية القيم الإسلامية، واستبعد  الاختلاف والتعدد والتنوع عن المفاهيم الإسلامية مما أفرغ الإسلام بهذه الرؤية عن إنسانيته، وأضر بأمن الاختلاف الذي يقبل المخالف ويتعايش معه، لا سيما إذا كانت المجتمعات المخالفة للإسلام قد استوعبت المسلمين بإنسانيتها العلمانية.

ثم تحدث الباحث عن جوهر الخلاف بين الأصوليين والقانونين والفقهاء الذي تمحور حول طبيعة الدولة المدنية ونظام الحكم ومكانة الخليفة من بعده، لا سيما وأن الوظائف الدينية والمدنية تركزت بإدارة النبي (ع)، وقد كان موته صدمة لأصحابه لا سيما وأنه لم يضع تعليمات إدارية أو سياسية  لإدارة الدولة، إذ لو كان إدارة الحكم دينيا لنص عليه القرآن الكريم، ولتواتر ذلك بالسنة، مما دل على أن إدارة الدولة من الضرورات العقلية التي تقام عليها مصالح الناس، وقد تطور الخلاف بين السنة والشيعة ، فالبعض جعلها من أصول الدين بينما البعض ألحقها بالفقه، وتطور الفكر السياسي وأنظمة الحكم  التي قامت عليه الحضارة الإسلامية، وقد أدى انهيارها إلى بروز أفكار لاهوتية  تأثرت بهذه المتغيرات وتعالجت فيها الدواعي النفسية والعقلية والنصية، وأخرجت الفكر السياسي عن سياقاته، وكانت الأفكار السلبية نتائج حتمية لهذا الانهيار الحضاري، وهنا تكمن إشكالية الأفكار المعاصرة التي أفرزتها سياق التحولات الحضارية للدولة الإسلامية.

وبعد أن سرد اثنى عشر فصلا بدأ فيه من الكليات الجامعة للأديان السماوية  واختلافاتها الجوهرية ،  ثم الحديث عن الإسلام كمدخل منهجي جمع بين الواقعية والعقلانية والنصية، ثم الاختلافات التي نشأت داخله حول مفاهيم الدولة المدنية والحكم ، واختزل التاريخ في سلسلة من التحولات الفكرية ، والممارسات الوظيفية للدولة، توصل إلى أن الدولة من المصالح الدنيوية التي يقام بها أمر الناس، وبهذا يكون قد قارب من ثلثي الكتاب.

ومن ثم انتقل إلى الفصل الثالث عشر الذي يناقش فيه إشكالية الكتاب وتساءله، محددا مكانة المساواة والحرة حيث يمكن الإشكال والرؤية العامة بشكل عام، وتحت هذه المفاهيم تساؤلات عن حقوق المسلمين والفرنسيين وحقوق غيره، وهل من وظيفة الجمهورية  الاطلاع على حرية الضمير ما دام أنها لا تسعى إلى فرض قوانينها عليه، لأن حرية الضمير من مبادئ  العلمانية وهي المبادئ التي أقرها الإسلام “لا إكراه في الدين” “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” وهذا الاختيار الذي لا أكراه فيك، لم يمنع أصحاب المصالح من النفاق والتستر بوجهين ، وهو ما برفضه الإسلام أن يكون المسلم بهذا التكيف، فإذ كان من وظيفة الدولة الإكراه أو الاطلاع على حرية الضمير  فإن ذلك سيؤدي إلى  تكمين الإرهاب والعنف تحت مظلة  النفاق  وخطورته، وعلى الرغم من قوة الدولة الإسلامية وعلم النبي بالمنافقين إلا أنه احترم حرية الضمير ما لم يكن يؤدي بفعله إلى تهديد المصلحة العامة.

ومن ثم قارب الباحث بين تصرفات بين قوانين الدولة النبوية والقوانين الدولية المعاصرة عبر سلسلة من المواقف الصراعية والتي بدأت مع مسيلمة رأس قبائل بني حنيفة، ولم يعمد النبي (ع) على قتل رسول مسيلمة الذي ارتد عن الإسلام، وبذلك أصل لمفهوم الدولة المدنية التي أصبحت من معالم الدولة المدنية الحديثة، كما أشار على قيمة الحقوق والمساواة بين المرأة والرجل التي طبقت بالإسلام وكانت من معالم الدولة المدنية بما لم يكن متعارف عليه من قبل، ليكون قد أصل لهذا المفهوم قد يتشكل في العالم الغربي برؤيته المعاصرة ، واستدل برأي لابن تيمية أحد علماء السنة الذي أكد على أن شهادة المرأة كشاهدة  الرجل في حفظ الحقوق وأن الأمر في القرآن جاء استحبابا وليس وجوبا، لأن مدار القوانين الإسلامية تتطور باتجاه المساواة، وأن المبالغة  في المستحبات لا تكون إلا على أساس تحقيق الحقوق وهو غاية الشارع، و من مقاصده الشرعية

ثم يدلل على أن الحقائق التاريخية أثبت تكيف الإسلام عبر الزمن  مع متغيراته، مما يؤكد على أن الإسلام ليس جامدا، ويمكنه أن يتكيف مع مبادئ الجمهورية ، فالإسلام يجمع بين  اللوح المحفوظ، ودين القرآن، والكونية والعقلانية، وهذا ما يميزه ويجعله مرنا ومتناسبا ومناسبا لواقعه وزمانه، وقد قسم الغزالي الوحي إلى وحي خارجي وهو الوحي الإلهي وداخلي – باطني وهو الوعي البشري، حيث يكون التناغم متكاملا بين الوحيين، ولم يكن المذهب الحنبلي بمنأى عن هذه الرؤية الذي مثله ابن تيمية، وكذلك المالكية ممثلة بابن رشد الفيلسوف الذي قارب بين حب الحكمة في الفلسفة والحكمة في القرآن، مشيرا إلى أن الفلسفة لا تمارس خارج الدين والإيمان، كما أشار إلى لاهوتي القرن السابع من المعتزلة هم الذين حددوا طبيعة اللاهوت على أسس قانونية وعقلية وما يزال تراثهم قائما وممارسا إلى الآن.

ثم يرى أن الفلسفة الإسلامية ساهمت في تحرير العقل الغربي وتطوير الحضارة الغربية وهي الحلقة المفقودة الذي أشار إليها المستشرق سالمون مونك، مبينا أن الفلسفة الأرسطية اليونانية وفلسفة المشائين ما كانت لتنير أوروبا لولا فلاسفة المسلمين.

وقد بدأ التنوير الأوربي دينيا من خلال البروتستانتية التي كانت جعلت من الفلسفة مدخلا لتفسيرات النصوص الدينية وقد ساهمت المفاهيم الإسلامية من إلغاء النخبوية الدينية ممثلة بالكاثوليك، وحررت العقل الغربي من هيمنة رجال الدين ومخضت لإخراج فلسفة التنوير الأوربي من أنفاق ظلام  العصور الوسطى. ومن مرحلة تعطيل العقل الغربي إلى إنارته الكونية التي أوجدت الدولة المدنية والمفاهيم الإنسانية والتقدمية والثقافة الغربية العالمية.

وبعد أن تحدث عن الوسائل والتحولات التي أدت إلى خروج أوروبا من الظلام إلى التنوير ومن تعطيل العقل إلى تفعيله، بدأ في وصف اللائكية وأشكالها وتطورها بإبراز الأعمال  ومنها المتعلقة بمتخصصي القانون الفرنسي كـ إميل بولات الذي استفاد بدوره من أعمال جورج دي لاجارد، وقد حدد تحولاتها الذاتية  عبر عدة مراحل:

المرحلة الأولى: التحول من داخل الكاثوليكية  حيث أصر بعض ملوك فرنسا على الاستقلال المطلق للدولة وذلك بإخضاع الكنيسة لها، وتأسيسها من قبل الدولة لا سيما مع فليب،  ووصف بولات العلمانية بالمقدسة. المرحلة الثانية  مع التنوير وفلسفة المعتقدات،  وفي الثالثة العلمانية الراديكالية التي بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين والتي استغنت فيها العلمانية عن الله ولم تعد بحاجة إلى الكنيسة، ولم يتم الوصول إلى المرحلة الرابعة إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، وهي العلمانية الحالية التي تم إدخالها في الدستور عام 1945 بعد صدور قانون 1905 م حيث تم تعزيز هذا التحول من قبل مجمع الفاتيكان الثاني كفارقة لاهوتية محورية قامت على التسامح الديني  مع اليهود والمسلمين وفقا لإعلان الفاتيكان نوسترايت ، وعلى أساس ذلك تشكل النموذج الفرنسي.

وتظل العلمانية الفرنسية في رؤيتها مزدوجة فمن الناحية النظرية تؤيد حرية الضمير في الفضاء العام، ومن حيث العقلانية والتفسيرات والممارسات تبدي عدم الثقة فيما يتعلق بالدين، بالأمس كانت مع الكاثوليكية واليوم مع الإسلام، وخصوصا فيما يتعلق بالمظاهر الثقافية بالحجاب مثلا، وينقل الباحث عن بولات الذي وصف العلمانية بالمقدسة قوله أنه لم يكن من المقبول خروج النساء دون تغطية الرأس وكذلك للرجال ولم يمكن له أية علاقة بالقيم والمبادئ العلمانية ولم تكن الجمهورية تتدخل في خصوصية الأشخاص فيما يتعلق بالمعاني التي يضفونها على مظهرهم وسلوكهم  أو التمييز الثقافي والديني والسياسي، ما دام ذلك لا يهدد النظام العام.

وأخير يتحدث عن الأفكار المفهوم عن الإسلام من قبل أولئك الذين يفصلون بين حقيقته الإلهية ووظيفته الأرضية ، وهذا الفصل أدى إلى مفاهيم مغلوطة لدى مسلمي الغرب، الذين لم يستفيدوا من وجودهم، وجعلوا من الإسلام جامدا وساكنا، أخرجه عن وظيفته الإنسانية والأخلاقية والرسالية.

وهنا تكمن الإشكالية الكبرى داخل المسلمين وليس في الإسلام، مما جعل واقع المسلمين في المغرب مليئا بالتناقضات والأزدواجيات والمظاهر التعبدية البعيدة عن دورهم الحقيقي داخل الجمهورية .

وما أشرت إليه ليس إلا نزرا قليلا من الإشكاليات والتساؤلات المنهجية التي تتوالد عن بعضها، وتحليلات عرضية وتفسيرية تقوم على فلسفة الربط بين الأسباب والنتائج، حيث يشير إلى المستقبل من خلال الماضي بتحولاته وتطوراته وسياقاته المتراكبة.

ويعد الكتاب أضافة معرفية للفلسفة الواقعية، وإضافة نوعية للفكر الإسلامي بخصائصه الفرنسية.

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.