وقفة مع ” منْ أنعمُ الناسِ عيشةً ؟”

0 5

د. نهلة الشّلبي/ أستاذة النّحو والصّرف في

جامعة العين- الإمارات العربيّة المتّحدة  

يذكر لنا الإمام ( أبو محمد ابن حزم )  في رائعته ( طوق الحمامة ) سرًا من أسرار الوصل، وصل حبيب قد رُضيت أخلاقه، وحُمدت غرائزه، وتقابلت في الحسن أوصافه، فتراه يغوص  في بحار هذا السّر الذي خُلِق مع الإنسان، فيُخرِج لنا أصوله، ومراتبه، ودرجاته العلى، فهو  سر ّمن أسرار الحياة المتجددة، والعيش الهني، والسرور الدائم؛ إذ يورد لنا  قصّة بين ثنايا كتابه لـــ ( زياد بن أبي سفيان )، الذي سأل جلساءه يومًا: من أنعمُ النّاس عيشهً؟ فقالوا: أمير المؤمنين. قال: لا، ولكن رجل مسلم له زوجة مسلمة لهما كفاف من العيش، قد رضيت به ورضي بها، لا يعرفنا ولا نعرفه.
من هذه المرأة التي يغبطها على عيشها أبلغ العرب وأكثرهم دهاءً؟ إنها المرأة التي ارتدت ثوب العفة، وتسربلت بسربال الفضيلة، وتلألأ  وجهها من نور الطهارة، وشعّ من قلبها بهاء الطّاعة،وأخلصت في منح قلبها ووجدانها وفكرها لزوجها ورفيق دربها، إنّها الزّوجة الصّالحة، التي اعتبرها الإسلام حضن المودّة والسكينة عندما فقد شرع الله ( عزّ وجلّ ) الزّواج، فهي بمثابة الجائزة  التي يكرم الله بها عبده المؤمن ويخصّه بها، فتكون له الرّاحة والأمان في الدّنيا والآخرة في إطار السّعادة الأسرية المبنيّة على المادة والمودة معًا، وهو ما أكّده الرسولﷺ بقوله: “من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح”، فالمرأة الصّالحة إذًا هي المكوّن الأوّل والرئيس من مكوّنات السّعادة في الحياة، والعلاقة التي ينشدها الإسلام بين الزّوجين مؤسّسة على ثلاثة أمور هي: السّكن ومأواه النفس والروح، والمودة ومأواها القلب والعاطفة، والرحمة ومأواها الممارسة والسلوك، وقد جعل الله – سبحانه وتعالى –  ذلك في آية من آياته التي تستدعي التفكير وتستلزم التدبر، فقال: ” وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”، فالسكن هو مكان سكون الروح  وهدوئها وطمأنينة النفس، والمودة هي المحبة والشوق والميل القلبي، والرحمة هي الشفقة والعطف التي تترجم سلوكيًا؛ لذلك جمع الله تعالى في الآية السّابقة بين المودة والرحمة؛ فإذا كره أحد الزوجين الآخر وجب عليه أن يرحمه بألا يظلمه ولا يقلل من شأنه وقيمته واحترامه وتقديره.

والمتأمل قول الحبيب المصطفىﷺ: “المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في ماله ونفسها ” يدرك الصفات الثلاثة التي تستحق الزّوجة أن تنعت لأجلها بــــــ( الصّالحة )، إنّها صفات متعلّقة  بالقلب، والسلوك، والمظهر.

والطاعة هي المتعلّقة بالقلب؛ لأن المحبة أمر مخفي مستور ، لا يعرف إلا بالدليل والبرهان، ولا أدل على محبة الزوجة لزوجها من طاعتها له بالمعروف، طاعة مودة ورحمة من أجل تسيير نظام الأسرة؛ إذ لا يمكن أن تنتظم الحياة ويسعد المجتمع دون وجودها، وهذه الطاعة التي تبديها الزوجة لزوجها يقابلها النفقة المفروضة عليه شرعًا والتي تتضح في قوله تعالى: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ”،أمّا ما يتعلّق منها بالسلوك، فيتمثّل في تعظم شعائر الله وتقواه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” فاظفر بذات الدين تربت يداك”، ذاك هو الفوز الحقيقي للرّجل، فذات الدين تكون عونًا على الدين والدنيا؛ لأن المرأة ذات الدين تكون تتمتع بخصال حميدة، فهي الزوجة التي تعينه وتكون بجانبه في فرحه وترحه، وهي التي تدعوه إلى التمسك بالفضائل والتحلي بالسنن الشرعية، و هي التي تحترمه وتقدّره، وتقدم  له الرأي الصائب والمشورة، فهذه سفانة بنت حاتم الطائي تقدم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أخيها، مُرغبّة، رحمة بأخيها، فيسألها : ما ترين في هذا الرجل؟ قأجابت قائلة: ” أرى أن نلحق “، وهي التي  تكون سباقة إلى صنع المعروف كما فعلت الصحابية التي ضربت لنا أروع الأمثلة، وذلك عندما ضاف الرسول -صلى الله عليه وسلم- رجلاً فقال لنسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله – صلى ا لله عليه وسلم- ” من يضم أو يضيف هذا؟! فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصلحي سراجك، ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاءً، ففعلت ما أمرها به زوجها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يُريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، وهي التي تتحرى الحلال و تجتنب الحرام، وتصبر عند المصائب، فهذا صلة بن أشيم كان في الغزو ومعه ابنه فقال لابنه: أي بني تقدم فقاتل حتى احتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل, ثم تقدم صلة فقتل فاجتمع النساء عند امرأته، فقالت : مرحبا، إن كنتن جئتن لتهنئني، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن، وهي التي تحرص على أبنائها؛ إذ يعتبر اختيار ( المرأة الصالحة ) أول خطوة في مشروع صلاح الأبناء؛ لأهمية دورها في تربيتهم على الطريقة الإسلامية الصحيحة، فهي التي ينهلون من روحها ويتطبعون بطبعها، وهي التي ترضعهم من خلقها قبل ثديها؛ إذ ينعكس خلقها على أبنائها، وهي التي تربيهم على المحافظة على الصّلاة وتربط قلوبهم بالله تعالى وبالقرآن الكريم قراءة وحفظًا وتدبرًا، وهي التي تحثهم على التحلي بالأخلاق الفاضلة كالكرم والشجاعة وتغرس في قلوبهم وأخلاقهم آثار الأنبياء الصالحين وتعلمهم أحكام دينهم منذ نعومة أظفارهم حتى يتحلون بها في الكبر وتكون أساسًا في معاملتهم مع الناس، فصلاحها رابطة خير بينها وبين زوجها؛ لأنها الجندي المجهول والفعال في بناء الأسرة أولاً وبناء المجتمع ثانيًا، أما ما يتعلق منها بالمظهر فهو التزين له، والاعتناء بمواقع أنفه وسمعه وبصره، فلا يشم منها إلا رائحة طيبة، ولا يسمع منها إلا قولًا حسنًا، ولا يرى منها إلا  منظرًا جميلًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.