نظرية بناء الدولة السعودية من مراحل التأسيس إلى مقومات الدور الحضاري

0 6

نظرية بناء الدولة السعودية من مراحل التأسيس إلى مقومات الدور الحضاري

الحلقة (1)

د. جمال الهاشمي

يمكننا تقسيم مراحل تطور أي حضارة  إلى خمسة مراحل أساسية منها ثلاثة مراحلة تبدأ بمفهوم بناء الدولة، ومرحلتنا تندرجان ضمن إطار القدرة الحضارية..

  • مرحلة التكوين.
  • مرحلة التأسيس.
  • مرحلة التجديد.
  • مرحلة التطور.
  • مرحلة الدور.

إن الفترة الزمنية بين مراحل استعادة الحضارية والغاية تتسارع في ثلاثين عام  ما لم تجد لها ارهاصات وتحديات تغير مسيرتها  عن الحضارة إلى الإكتفاء بتكوين الدولة.

مرحلة التكوين.

تتفق العقول أن مرحلة التأسيس من أهم مقومات بناء الدولة وأصعبها، ذلك أن القدرة الفكرية إذا لم تجد البيئة الواعية تتحول إلى قيمة تاريخية مجردة عن الواقع، كما أن القوة المجردة عن القدرة تبقى في إطار الواقع، فإذا تزاوجت القدرتين: قدرة الفكر، وقدرة القوة حددتا طبيعة الإراداة وشكل النظام وشخصية الدولة.

وفي هذه المرحلة بدأت نواة الدولة السعودية الأولى، في أكثر مناطق الجغرافيا تهديدا لنواة الدولة الإسلامية، وفي العصر الحديث تحولت إلى أول دولة تجددت فيها قيم الدولة الإسلامية الأولى، وأكثرها تأثيرا ثقافيا في العالم؛ إذ جمعت بين الآثار والأثر والتأثير.

ويمكننا تحليل مكونات هذه الدولة من منظور الحداثة الغربية، وهنا نقتفي أول معالمها التي كانت أول معايير النهضة الغربية وهو ما نشير إليها بنظرية الدولة.

في هذه المنطقة الصغيرة الواقعة شمال الجزيرة العربية، وتحديدا في 22 فبراير 1727م كانت نظرية الدولة الحضارية تتعاضد لتأسيس  السلطتين الزمنية والدينية من العدم، عكس ما كانت عليها أوروبا من صراع بين السلطتين، وبهذه الخصوصية الحضارية تأصلت نظرية الدولة السعودية المعاصرة.

أحد السلطتين أسست لفلسفة النظريات الاجتماعية والثقافة المجتمعية، والسلطة الأخرى أسست لبناء الإدارة والنظم القانونية.

وبذلك تكون هذه المرحلة قد أسست لمفهوم الخصوصية الثقافية، وجددت ملامح النظام الإسلامي القائم على البيعة والشورى، أو ما يعرف بنظرية العقد الجماعي تمييزا عن العقد الاجتماعي الغربي، وبذلك تكون أول من أعاد العمل بنظرية الفصل بين السلطات قبل أن يعلن عنها “شارل دي سيكوندا” المعروف بمونتسكيو بـ (21) عام، وقد ساه المستشرقون في نقل معالم هذه الدولة إلى الغرب، مما لا يشك في إنها ساهمت أفكار هذه الدولة الوليدة في تشيكل الدول الغربية المعاصرة كأنموذج تحقق وجوده في الواقع.

ارهاصات مرحلة التكوين:

بدأ  الاستشراق الغربي- السياسي  يزور تلك الجغرافيا وينقل ملامحها توسعها وقوتها الثقافية إلى العالم الغربي، وبلغت شهرتها مسامع الغرب ومخاوفهم، نظرا لقوتها الثقافية وقدرتها على دمج القبائل العربية في منظومتها الثقافية والسياسية، وهو ما أثار اهتمام وقلق المملكة المتحدة.

بلغ مخاوف بريطانيا من الدولة السعودية بما لم يبلغ فيها من دولة محمد علي باشا الأقوى بتحديثاتها العسكرية، أو السلطنة العثمانية، ذلك أن معاييرها في تحديد قوة وصلابة الدولة لا يقوم على مفهوم القدرة المادية أو العسكرية، وهو ما تميزت بها مملكة مصر واستانبول، وإنما يقوم على قدرتها الفكرية وعمقها الثقافي وإرادتها السياسية وهذا ما تميزت بها  السعودية وافتقرت اليها القوى الإسلامية العسكرية الأخرى في مصر وتركيا.

قد يتسائل البعض لماذا تملكت الهواجس الأمنية بريطانيا من (الدرعية) في بداية تكوينها وهي الأضعف بين دول منطقة الجزيرة العربية؟

وهنا مكمن الخوف ليس من القدرات العسكرية، وإنما من الولادة السياسية على مقومات الخصوصية الحضارية وهنا يوضح  “توماس كارليل” العلاقة بين جغرافية  الجزيرة العربية ووعورة جبالها وجفاء منظرها من جهة، وكرم أهلها وصفاء أخلاقهم من جهة ثانية، وبين طبائعهم القاسية التي تتلطف بالفضائل والدماثة واللين والحزم والإرادة والكرم والشرف،  وبين الحياد وثقابة النظر والنبالة، ثم يصف جزء من تلك الثقافة المتجسدة في ممارساتهم الحضارية فيقول:لا يتدخلون فيما لا يعنيهم، بل ويحمون أعدائهم في بلادهم،  ويشيعونهم،  ثم يعاودهم للقتال متى شاءوا لا يغدرون، وأشبه ما يكون بطبائع الإيطاليين في الغيرة والأنفة والشدة.

ومما يميز قدرتهم الفكرية صرامة الاعتقاد كالإسرائيلين، ولهم ذوق رفيع  ورقة في الطباع، لا سيما وقد كان أفضل ما كتب في بلاد العرب،  سفر أيوب، وقد ضم من القيم الجامعة ما جعله مرتبطا بهذه البيئة بعيدا عن مدونات العبرانيين.. ذلك أن العبرانين مصطلح لا يتوافق جينيا مع الطبيعة الإسرائيلية.

وبصفة عامة يؤكد “ديورانت” أن المسلم أرقى من المسيحي بوعده وعهده وخلقه وصدقه ونبالت، وحدد صفاتهم بالفهم والذكاء والصبر والأنفة والكبرياء، ومن فضائلهم أنهم كالغيث النافع تتسق أرواحهم و تتناسق مع الطبيعة، بينما تتعقد الطبيعة الأوربية في علاقتها مع الطبيعة، وهو ما دفعها لمعادة العرب عرقيا والإسلام كمنظومة إنسانية وثقافة عالمية.

وبما أن جزيرة العرب تمتلك مقومات الإرث التاريخي والجغرافي للدين والجنس فإن بنية القدرة كانت من أهم أهم مقومات ابتعاث الدولة، وما الإرادة السياسية إلا ترجمان للإرادة المجتمعية.

وما الدولة السعودية الأولى إلا مقدمة لتشأة الفكرة والإرادة في جغرافية لم تكتمل،  وجنس لم ينتظم، ومع هذا  شكلت النواة الأولى وتماهت فيها القبائل في الشمال بعد سلسلة من الصراعات التي أعاقت التمدد العضوي للدولة أربعين عاما، وبلغت سعة ثقافها وقوة حضورها شتى بقاع الجغرافية الإسلامية وعمق القارة الأوربية لكنها بصور تناقض بعضها بعضا، ومن ثم كانت الموجة الثقافية المضادة للدولة الفتية، إضافة إلى الحملات العسكرية من داخل الجغرافيا الإسلامية وخارجها.

تعد نظرية الدولة من أهم النظريات التي تزامنت مع مراحل بناء الدولة السعودية،  والتي كان من أهم أسباب نشأتها تغييب المجتمع الإسلامي عن تاريخه وثقافته الدينية

ولهذا نشأت الدولة السعودية الأولى على فكرة التوحيد وهو ما يتعارض مع القيم النصرانية وبعض المظاهر السائدة في معتقدات الدولة العثمانية.

يرى البعض أن من أهم أسباب تأسيس  الدولة السعودية الصراعات القبلية والمذهبية والعقائدية والسياسية التي كانت سائدة خلال القرن 16م وهو ما تواتر الإشارة إليه في مدونات الرحالة، وترتب عليه تهديدات جغرافية الجزيرة العربية بتدخلات خارجية برتغالية ومملوكية وعثمانية وصفوية وهولندية وانجليزية.

تمكنت الانجليز من السيطرة على الملاحة البحرية واستثمرت تلك الصراعات العقادية والتناقضات المجتمعية والقبلية لضمان استمرار وجودها بمزيد من الصراعات المتوازنة التي تمنع تغليب طرف على الأطراف الأخرى.

وتفردت بمنطقة الخليج العربي بعد معاهدة باريس ومن هنا اتخذ  الرحالة منطقة الخليج مقرا لاكتشاف الجزيرة العربية ورسم خارطها السياسية والمجتمعية والدينية والاقتصادية تحت رعاية  شركة الهند الإنجليزية .

كانت تلك التناقضات المجتمعية من جهة والتهديدات الدولية من جهة أخرى السبب الرئيس و العامل إالأول لتشكيل القمة التاريخية بين الشيخ محمد عبده  والإمام محمد بن سعود، وتوج ذلك وضع القواعد العملية لبرامج المنظومتين الدينية والسياسية ، وهنا برزت نظرية  التجديد الديني كمكون رئيس لفلسفة السلطة الدينية،  وحركة الإصلاح في نظرية التجديد السياسي للسلطة الزمنية  من خلالهما تشكلت المبادئ الأولى لقيام الدولة.

وبذلك لم تكن الدولة بهذه الثنائية قد تأسست على مبدأ العصبية، ذلك أن المكون الرئيس لوجودها قد بني على نظرية الإصلاح وفلسفة التجديد، وهو ما يجعلنا نلغي نظرية العصبي لابن خلدون في قراءتنا للدولة السعودية الأولى.

كان المستشرقون في استطلاعاتهم عن هذه الدولة مرجعا رئيسا لكثير من القوميات التي بدأت تتصير داخل الدولة العثمانية، ومرجعا للفرق العقائدية التي رأت من هذه الدعوة تهديدا لوجودها، ولهذا كان الخوف من الدعوة السلفية أكثر من تهديدات القوة العسكرية للدولة.

وكان المستشرقون أول من مارس سياسة التشويه على الدعوة الإصلاحية النجدية من أجل خلق ثقافات و أيدلوجيات ومعتقدات مقاومة  تقودها القبائل لمواجهة التمدد السلفي وطمسه معالمه قبل انتشاره.

ولهذا استمر تأسيس الدولة الأولى أربعين عاما كانت القبائل المحيطة تتلقى دعما دوليا لقاء محاربتها الدرعية.

ومن ثم انتصرت  هذه الدويلة  وتوحدت الهضبة النجدية  تحت رأية التوحيد، وعلى إثرها توالت القبائل العربية، مما يدلل على أهمية التلازم بين قدرة الفكر، وقوة الفكرة، وأهميتهما في بناء الدولة، ذلك أن انفصال أحدهما عن الآخر أو استقلاله بذاته يندرج تحت منظور العصبية.

ولو افترضنا جدلا قيام الدولة على العصبية لما شهدنا تجددها واستمرارها، لأن العصبية تؤكد على أن بقاء الدولة لا يجاوز المائة عام وفي أغلبها تتهار بعد ثلاثة عقود من نشأتها، ومما ميز نشوء الدولة اكتمال منظومة التشريعات الحياتية والأمنية للمجتمع بحسب مقولات المستشرقين.

المستشرقون والحرب على الدولة:

يعد المستشرقون أول من وضع أسسس نظريات  الصراع العقائدي والثقافي والقومي المعاصر، وأبرز من وضع الأسس العملية الإجرائية لهذه النظريات المستشرق البريطاني “برنارد لويس” الذي بدوره  أكد على أهمية توليد الإرادة القومية والوطنية في منطقة  الشرق الأوسط  خلال القرن19م وخلق هويات متناقضة  لضمان تفكيك المنظومة الأمنية العربية والإسلامية  إلا أن القومية هي الأكثر حضورا من الدين، وكان التاريخ القديم هو الأكثر حظوة وقبولا  لتوليد الهويات المتصارعة.

وبهذا كان صراع التشيع والتسنن في العصر الحديث مما أسسها المستشرقون، ومن هنا زعم المستشرق جورج فاسيليف: أن الحركة النجدية  نشأت على القهر والنهب والقتل، ثم زعم  أن الإسلام بكل مراحله و أزمنته وأمكنته يتكون من الإرهابين المارقين والحاقدين على الدولة البزينطية، وهو ما جسد دور المشتشرقين في ابتعاث الصراعات العقائدية وكل ما يرتبط بالمفهوم الحضاري الأصولي للدولة الإسلامية.

فالإرهاب وسيلة لضرب الإسلام والمعتقدات وسيلة لضربها ببعضها كأداوت لتمكين السيادة البريطانية على المنطقة.

ولم يكتف المستشرقون في ذلك بل كانوا يدفعون  العثمانين لمقاتلة الدولة الناشئة، وكانوا أول من أطلق عليها الدعوة الوهابية،

وبذلك كتب المخبر الاستشراقي تشالرز مونتجين في كتابه الصحراء العربية عن وجود قوة وهابية تسير على مقربة من القسطنطينية لضمان جاهزية الدولة العثمانية لمقاتلتها، وللفت انتباهها عن الأطماع البريطانية في المنطقة.

وقد تحقق خوف الدولة العثمانية من الحركة الإصلاحية وقد عبر هارفورد جونز  عن خشية الدولة العثمانية من هيمنة الوهابين على المنطقة.

وسعى “وليام بليغريف” لتعزيز مصطلح الزعامة العربية على الإمام محمد بن سعود لإثارة حفيظة الدولة العثمانية والممالك العربية الأخرى، وقد بالغ المستشرقون في تحديد جغرافية الدولة السعودية إلى حضرموت وسوريا والعراق،  وهو ما دفع العثمانيون للدخول في حرب  على الدولة السعودية الأولى وتجاهلت الخطر الحقيقي للأطماع الاستعمارية في المنطقة.

وبذلك تمكن المستشرقون من السيطرة على قرار الدولة العثمانية بما يقدمونه  من معلومات وتدريبات عسكرية بريطانية، وبحسب  الاستخبارات البريطانية أن  الدعوة الإصلاحية  تهدد  مصالحها، وقيمها الدينية،  بينما لم تر ذلك في الدولة العثمانية.

وهنا يأتي دور مصر بطموحاتها الامبريالية كحليف استراتيجي لفرنسا وبريطانيا لطمس معالم الدولة الفتية وهي نفسها ستكون واحدة من أهم أسباب سقوط الدولة العثمانية، وقد جاء في تقارير ديفيد سيتون التي كانت جزء من مراسلته مع  الحكومة  البريطانية يبشره بالخلاص الذي تقوده  مصر ضد الوهابية.

كما جاء في تقارير بيرسي كوكس السرية ما يؤكد فضاعة التحالف بين الدولة العثمانية ومحمد علي باشا وبريطانيا في القضاء على الدعوة الإصلاحية.

والتي توجت بارسال والي مصر محمد علي باشا  ابن أخيه طوسون باشا 1810م  للقضاء على الدعوة الإصلاحية، وتعد بحسب التوصيفات القانونية الدولية المعاصرة أول معركة حضارية تعمدت تسوية الدرعية بأرضها، وفي فلسفة حقوق الإنسان من أكثر الكوارث الإنسانية، وبحسب قوانين الحرب تعد أول معارك الإبادة ا في تاريخ الدولة العثمانية ضد رعاياها بقرارات بريطانية.

وترتب عليها مجزرة دموية ذهب ضحيتها جميع الدعاة الإصلاحيين، وأسر ملكها الإمام عبد الله بن سعود وقتل في سانت صوفيا 1818م، مخالفين بذلك جميع الشرائع القانونية والدينية التي تجرم قتل المستسلمين.

وقد ترتب على تلك الإبادة ارسال بريطانيا قوة عسكرية من الهند لاخماد القواسم وطالبت من قوات إبراهيم باشا الهجوم برا بينما تتولي الهجوم من البحر وقد صاحب ذلك  تعاون سلاطين مسقط مع هذا الثنائي المشترك، مما مكنها من ستعادة مستعمراتها على سواحل الخليج وقيدت حكامها باتفاقيات سياسية واقتصادية وعسكرية.

ومن ثم هددت بريطانيا مصر  في حال تدخلها في منطقة الخليج، بينما لم يظهر العثمانيون أية مقاومة تذكر،

وهو مكن الدبلوماسية الاستخباراتية البريطانية من ضرب القوى الإسلامية ببعضها، وغرس وجودها على أنقاض الدولة العثمانية، ومن ثم كانت لها اليد العليا التي ساهمت في تفكيك الدولة العثمانية، وإثارة المشاعر القومية والقبلية والعقائدية والقطرية، وأخمدت كل  دعاوي الوحدة  وقد مكنها من ذلك ما يلي:

1- قدرتها الاستخبارية  وتزييف الحقائق.

2- قدرتها المالية وتأثيرها على صناعة القرارات العثمانية.

3- قدرتها الدبلوماسية في التعامل مع المجتمعات.

4- قدرتها العسكرية وعسكرة القبائل في المنطقة.

 

أدرك المستشرقون أهمية صناعة الحدث العاطفي والتثوير الإعلامي للشعوب وإثارة الحمية العربية، التي تعد من أهم ملامح تشكيل الدول الغربية المعاصرة.

فهذا “لويمر” يصور الدولة السعودية بقتلة الأطفال والنساء والتمثيل بالقتلى، ومن نشأت فلسفة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والديمقراطية بنفس الأدوات التقليدية ولكن بحداثتها المؤسسية المعاصرة.

وقد زعم “لويمر”  أن الفكر الوهابي أرهق ميزانية الخزانة البريطانية وقواتها العسكرية في منطقة الخليج،  ومن هنا نشأ مصطلح الوهابية الذي أصبح من أهم موضوعات التناول لمفكري للكتاب العرب الذين أخذوا مواقع المستشرقين في الكتابة عن الدولة السعودية المعاصرة.

وفي المقابل يمكن التمييز بين الكتابات الاستشراقية الاستخباراتية، والكتابات الموضوعية لآخرين ، فهذا  جون كيلي يرى  أن من محاسن الوهابية إماتة البدع ونشر الأمن وإقامة العدل، ويزيد على ذلك أن  الراكب يسير في الصحاري آمنا على نفسه وماله دون حماية، على عكس ما كان قبل نشوء الدولة السعودية.

كما تحدث وليام فيسي عن الاعتدال الوهابي في تعاطيه مع القضايا الاجتماعية والسياسية والآخر،

ولم يتختلف عن المستشرق “سالدير”  الذي أكد على حقيقة قيام  الدولة السعودية على العدالة وتعزيز النظام العام، وتحدث عن التحول الثقافي الكبير في قيم وسلوكيات المجتمع.

ومن العدالة المنهجية أن يصف “بيلي” الحركة السلفية بالطهارة والتجديد الحديث لطهارة الإسلام القديم، واتخذ معايير احصائية مقارنة بين خبائث أعمال الدولة العثمانية وطهارة الدعوة الإصلاحية”.

ومن المفارقات التي أقلقت بريطانيا تشبيه السلفية بحركة التطهير، أو المتطهرون الذي أسسوا الدولة الأمريكية الحديثة،   ودور المتطهرين الأوائل في بناء المملكة المتحدة فرارا من الاضطهاد  الأوربي والكنائس الكاثوليكية.

ولأجل ذلك نحت كتابة المستشرقين على منوالين: أحدهما نقل الحقائق عن الدعوة الإصلاحية كبيانات ضرورية ومهمة لصناع القرار السياسي البريطاني.

والثانية محاربتها باستحداث تصورات إرهابية وفكرية تعرقل انتشارها في أوساط المجتمعات العربية.

إن المستشرقين في الأساس رجال دولة ساهموا في تقديم المعرفة عن  الجغرافيا وثرواتها والمجتمعات وطبائعها، والثقافة ومصادرها، وقد افتقرت الكتابات الاستشراقية للعدالة المنهجية، والأمانة الأخلاقية، وجعلوا قضيتهم محاربة الفكر كضمان أسس لاستمرار وجودهم في المنطقةـ

فهم لم يكتفوا بتسيس المعرفة بل وعملوا على طمسها وتحويلها إلى قوى كامنة ما تزال حتى اليوم  تمارس دورها الفكري بعقلياتها الطائفية، والقومية ولم تكن تلك التدوينات إلا مراسلات وتوجيهات بين المستشرقين ومعامل الفكر وصناع القرار  في الدول الراعية لرحلاتهم.

وقد توصل  كثيرٌ من الباحثين الغربين إلى القول أن فترة التأسيس الأول للدولة السعودية ارتبط بالمجدد الأصولي السلفي محمد بن عبد الوهاب. بينما تؤكد الوقائق وكتابات المستشرقين على أن الدولة تعرضت لتحديات محلية ودولية ومؤامرات خفية، كان بريطانيا هي القوة التي ساهمت في عرقلة مشروع الدولة السعودية وساهم في اخفاقها لكنها لم تتمكن من القضاء عليها.

ونستنتح من خلال مدونات المستشرقين ثلاث عوامل ساهمت في التدوين:

1- محاربة الدولة الناشئة.

2- نقل الأخبار عن المخالفين المعارضين لقيادم الدولة

3-   تصور الواقع بمقدمات سابقة.

وإذا تعمقنا النظر في بنية التأسيس للدولة نجد أن العصبية لم تكن عنصرا في بناء الدولة السعودية الأولى، بينما قامت دولة الشريف حسين على الايدلوجية القومية الغربية، وهي أول حالة وظفت سياسيا لأسلمة المفاهيم الغربية  عرقيا، ومن ثم تماهت المعتقدات القومية والدينية  في القداسة العرقية .

كما أن النظرية الوضعية القائمة على المفاهيم الإنسانية لتوحيد أوروبا كانت بيئية تتناسب مع البيئة الأوربية المتعددة العقائد والأعراق، ومن الصعوبة إنزال معايير هذه النظرية لتفسير أو لتأسيس مفهوم  الدولة السعودية، لاختلاف أصوليتي الفكر بين النظرية الإصلاحية السعودية، والنظرية الإنسانية الغربية،.

في الأول نشأت فكرة الأنسنة والأبوة الرحيمة داخل منظومة الفكر الديني الإصلاحي، بينما تناقضت المعتقدات الدينية الغربية مع مفاهيم الأنسنة والأبوة الرحيمة مما جعل من الصعوبة بناء الدولة الغربية بالاعتماد على التعاليم الدينية خلال عصر النهضة، ومن ثم كانت فكرة الحضارات والتاريخية من أهم مؤسسات بناء الدولة الغربية على أساس المبدأ الإنساني من منظور النظرية العرقية، أو بما يعرف بالأبوة الرحيمة التي حلت محل الأبوة الكنسية في إدارة الدولة والمجتمع.

وأخير فإن الاستشهاد بكتابة المستشرقين في كتابة تاريخ الدولة السعودية يتناقض كليا مع مفهوم العدالة المنهجية والعلمية، والأمانة والنقل الصحيح، إلا بعد التحقيق والأخذ فقط بما كانت تقدمه التقارير عن الدعوة الوهابية وتؤيدها كتابات العلامتين ابن الوزيرالصنعاني  والشوكاني وابن غنام وغير  هولاء كثير من العدول المنهجيين الذين كتبوا عن الدعوة الإصلاحية والدولة السعودية الأولى.

ومن هنا فقد توصلنا إلى أن  الدولة السعودية الأولى تشكلت على :

1- التوحيد.

2- الإصلاح.

3- التجديد.

4- العدل.

5- الوحدة السياسية.

وكان من أهم نتائج هذا التأسيس:

1- تأسيس الدولة.

2- تحقيق الأمن.

3- تطبيق القوانين الإسلامية.

4-  العدالة الاجتماعية.

5- التعليم والتنمية.

6- الأصالة والمعاصرة.

وبهذا نكون قد أشرنا إلى محددات  قيام الدولة السعودية الأولى وارهاصاتها وتحدياتها  وعالميتها وتأثيرها الثقافي، إلا أننا في الكتابات القادمة سندرس أثر هذه الدولة ودورها في إعادة تأسيس الدولة السعودية الثانية والدولة السعودية الثالثة، وأثر ذلك في بناء الدولة المعاصرة.

المراجع:

شيرين هنتر، مستقبل الإسلام والغرب: صدام حضارات أم تعايش سلمى

د.جمال الهاشمي، المحددات السياسية واستراتيجية العلاقات الدولية.

مذكرات بلغيريف

فليبي، تاريخ نجد،

المليجي ، الوهابية.

القاسمي، يوميات ديفيد في الخليج

لويمر، تاريخ الدولة السعودية في دليل الخليج

سادلير، رحلة عبر الجزيرة العربية

وليان فيسي، الدرعية والدولة السعودية الأولى.

Joarage Bragesse , Naw Arabln Stubles

Mark Heart , Wahhabismin Arabi : Past and Present , Journal of the

Royal Geogra phical Society

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.