مفهوم التغيير والتدخلات الأمريكية

0 8

د. جمال الهاشمي

يعتبر صك المفاهيم من الشروط المنهجية العلمية للعقلانية التنظيمية والواقعية، ومن ثم لا بد من ربط المفاهيم المحددة بما يتوافق مع معايير الوعي السياسي.

يعد التغيير مصطلح تنموي يدخل ضمن المفاهيم الإصلاحية والتنويرية والتجديدية لما لهذه المفاهيم من شعبية عالمية ومحلية بكل تصوراتها وتنظيراتها أو صورها الفلسفية والدينية والسياسية.

فالتغيير مفهوم ذاتي لا يتأتى من الخارج أو تفرضه القوى الدولية كالولايات المتحدة ودول العالم المتقدم التي تحتكر القوة العسكرية، وتستغل القوى المعارضة لدولها لتهديد النظم السياسة التي تدرجها ضمن محور الشر وفقا لمقاييسها الاقتصادية والاستراتيجية.

فالتغيير هو بداية الإصلاح ولكنها من الذات أولا وبقيمه المحلية والحضارية الخاصة، وليست بالقيم الوافدة والثقافات العالمية، فإذا نظرنا إلى منطقة الجزيرة العربية سنجدها تحتضن العروبة كقيمة خيرية وليست كقيمة بيولوجية؛ لأن هذه العضوية تكتسب منزلتها بالقيم التي تتداولها أو تتناولها وتتأسس بها.

فالتغيير ليس بالثورة وإنما بالذاتية الذي تتواكب مع متطلبات الوعي الحضاري والإنساني على الخصوص من منطلق أن الإسلام الحضاري يحتضن الإنسانية بالمفهوم القيمي وليس بالمفاهيم الغربية.

فهو قيمة نفسية، وإيمانية، وأخلاقية تترجمها الإرادة المنضبطة في سلوكيات وتصرفات منهجية، عدلية وقانونية، وتجديدية، تأخذ صيغا ذاتية فردية، وأخرى جماعية، وقد تأخذ صيغا إدارية وسياسية، وأعظمها ما ارتبط بالتطورات التعليمية والتنموية والأخلاقية المحلية العميقة منهجا وتاريخا ووجدانا وانتماء.

فإذا وقفنا إلى الجزيرة العربية (القلب) وجدنها تحتضن المقدس العالمي التي تجتمع عليه الإنسانية السوية بشكل عام والإسلام بشكل خاص، وأن حركات الإقليم التي تنازع هذه الجغرافية قيمها التاريخية إنما تساهم في زعزعة المقدس ومنظومته الاجتماعية التي يمارسها الناس بالطرقة النقلية التي كانت سائدة في العمق الأول.

إن حركات التجديد والإصلاح ترتبطان بالإرادة التنظيمية أو السياسية بعكس الحركات الشعبية والجماهيرية المضطربة الثورية والمتشظية عقائديا وأيدلوجيا وفلسفيا وماديا.

 فالحركات الإصلاحية هي من علامات الذاتية العالمة والعقلانية الواعية، وهي من الموضوعيات المدركة والفاهمة، الحكيمة والحاكمة.

إذا اتفقنا أن التغيير هو أحد مناهج الخصوصية الحضارية وأحد القيم الإنسانية التصحيحية، فإن الحركات الشعبية أو التنظيمات المفارقة للخصوصيات المجتمعية أو المرتبطة بالقيم العالمية تعد جميعها تنظيمات فاسدة، تفارق الذاتية كخصوصية حضارية إلى الغيرية كصفة تبعية.

عندما نجد الشعوب العربية تتصارع بالمعتقدات أو بالنفعية السياسية والأيدلوجية والثقافية فإنها تعاني من اضطراب القيم السلوكية وهذه الاضطرابات تنتجها الحزبيات والمعتقدات والمؤسسات التعليمية الهجينة، والإعلاميات التبعية.

 عندما يتحول النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى رمزية سلالية،

 و يتماهى عمر الراشد -رضي الله عنه- في حركة حزبية، وعلي الراشد – رضي الله عنه- في صور طرقية، ندرك حينها أن الخصوصية الحضارية العامة والإنسانية قد اختزلتها الرمزية السياسية والشعارات التعبوية وليست ولم تكن على حقيقتها الحيوية.

فالوطنية التي استلهمتها القومية جعلتها فوق القيم المقدسة، وشعارات ديماغوجية، يتحول المؤسس الحزبي الى منهج سلوكي وإيمان وقيم ونظام، ثم الى حركة ثورية، وميلشيات سياسية، وفي حالة الانهيار يتقوقع في زاوية طريقة.

وفي كثير من الجماعات التنظيمية يتحول الوطن الإيمان إلى حالة وجدانية، والطقوس إلى احتفالات موسمية وتقاليد، والعبادات إلى عادة سلوكية.

هذه الانفصال بين النفس والفكر والواقع، وبين الرمزية والشعار والفهم ولد لنا مجتمعات هشة ضعيفة متقلبة، وشخصيات حزبية وثورية مضطربة لا تمتلك الإرادة، ونخبا سطحية معارضة تتعامل مع الظواهر بدراسات وصفية غير متعمقة بما وراء العمق.

لكل مفهوم قيمه النظرية والإجرائية، والخلط بين القيمتين مفسدة، وفي التغيير خصوصا مفسدة مطلقة.

والعلاقة بين القيم والوسائل علاقة تكاملية، وعند التعارض تتحول المعرفة العملية إلى فلسفة ثورية، فوضوية، عشوائية، انحطاطية يحتاج ترميمها إلى مسارات وتنمويات متعددة واستراتيجيات بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى.

وهنا نؤكد على أن التغييريين يتصارعون مع فصيلتين شاذتين في المجتمعات الحضارية، وما دون هذه المجتمعات، فصيلة المعارضة المستوطنة في الخارج، وفصيلة المعارضة المحلية في الداخل، ولا يمكن أن يتحقق شروط التغيير فيهما نظرا لغياب التاريخ المعمق في خصوصية البيئة والتكوين، أو المتجذر في تاريخية القيم والمجتمعات.

لأن التغيير حركة تصحيحية دون تدخلات خارجية، إذ اكتملت شروط التغيير الذاتية والنفسية والسلوكية والفكرية تشكلت القدوة الحضارية القائدة وانتظم السلوك الجماهيري وفق رؤية حضارية واضحة.

أما إذا خرج التغيير عن ضوابطه تحول إلى الصراع والثورة والفوضوية.

وكل شخصيات تأتي للمشاركة في الانتخابات المحلية وتجد لها دعما وقبولا دوليا فهي ليست حضارية مهما جعلت من الإسلام شعارا لها، لأن التدين والإسلام في عالمنا المعاصر يتعرض لأكبر مؤامرة دولية بعد أن علموا مكانته لدى العامة وتمكينه.

فإذا ظهر متفقه أو مثقف مستعرب أو عربي في دول العالم الغربي يعادي النظم العربية لا سيما الدول التي كانت وما تزال من انجح الدول العربية خدمة لشعوبها؛ فهو إما جاهل طامح وإما متجاهل طامع.

أما الدول الفوضوية والفاشلة مثل دول الربيع فللمعارض تبريراته وإن كانت غير منطقية، وتفسيراته وإن كانت غير واقعية، وغوغائيته وإن كانت غير عملية.

دعونا نحدد أهم الأزمات التي تعاني منها البلدان العربية، والتي تتحدد بأزمة الانبهار بالآخر المتقدم، مع أنه إذا نظرنا إلى تاريخه لأدركنا بالدلائل التاريخية أن الحضارة الأوربية المادية الحديثة والمعاصرة هي نتاج للصراعات المحلية.

إنها حضارات تقدمية تحولت من ثقافة الصراع مع الذات؛ صراع المعتقدات والسياسات والأديان، الى استراتيجية السيطرة والتمدد والحرب مع الآخر، وما على الباحث إلا تناول الأدبيات الغربية التي تحدد مسارات وتوجهات العمليات السياسية والعسكرية.

ولعلنا ندرك أن الصراعات المحلية في منطقة الشرق الأوسط من المعوقات التي تمنع المجتمعات من التماثل، والجهل من التداوي، كما أن غياب الوعي العقلاني والديني والسياسي من الأزمات التي تهدد النظم وبها تزول الدول.

لو قيل أن معارضة أمريكية تستوطن روسيا والسعودية ومصر والعراق اليمن، لصنفت هذه الدول بمحاور الشر لأنها تهدد الأمن القومي والسلم الإنساني، ولصنفت كدول راعية للإرهاب.

بهذه المقاييس فإن الأمن الإنساني والسلام العالمي يختزل في البيت الأمريكي ومصالحها العالمية، والحرية تختزل في المواطن الأمريكي الأبيض، كما أن القيم والأديان تختزل في الثقافة الأمريكية.

بهذه الطريقة تدافع الدولة الأمريكية عن جماعات المنبوذين وفقا لفلسفة نيتشه بكل مشاعرهم النرجسية وطموحاتهم الأنانية للإطاحة بالمخالفين لقيمها وأهدافها من أنظمة الدول الحليفة أو الدول التي تتمرد عن بيت الطاعة.

وتتخذ من هؤلاء المنبوذين وسيلة من وسائل إثارة الشعوب بالإضافة إلى دورها في ضرب وتدمير الحيويات الاقتصادية للدول المخالفة ثم فرض الحصار كما حدث بالعراق لتفكيك المنظمات العسكرية أو لتشجيع الميلشيات المتمردة عن النظم الشرعية تحت شعارات مفهوم السلام وشرعية الأمر الواقع.

ماذا لو قيل أن جماعة من معارضي النظم الأوربية يستوطنون دولا إسلامية لكانت الطائرات الأمريكية تخترق بقرارتها الأحادية خارج نطاق منظومة الأمن الدولي والأمم المتحدة وتخترق أجواء العديد من الدول ذات السيادة للدفاع عن أمنها المزعوم بالتدخل في شؤون دول تبعد عن حدودها وأمنها وجغرافيتها بل وقارتها بآلاف الكيلومترات، حيث يتركز الأمن الافتراضي خارج أينما وجدت مصالحها، بينما لا يمكنها أن تنظر بعين العدالة المزعومة في دول التصفيات العرقية والدينية.

إن سياسة الدولة الأمريكية في التدخل في شؤون الدول الأخرى لم يكن بمقدورها لولا القوى المعارضة في الخارج، والقوى التابعة لها في الداخل، والجهل الجماهيري الذي يظن أنه إذا تحرر من نظمه القائمة سيجد الخلود المحجوب.

ولو التفت الجماهير العربية إلى دول الصراعات الحزبية والطائفية في اليمن وسوريا وليبيا لأدركت علتين: علة العي المحلي، وعلة الغي الخارجي.

وما من معارضة عربية في كندا وأمريكا والغرب، أو طوائف وحزبيات ومليشيات مسلحة إلا وهي جزء من هذه الأزمة والجهل والمؤامرات الدولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.