مركزية اللغة العربية في بناء الفكر اللغوي العبري: ابن جناح القرطبي مثالا

0 20

دة. مليكة ناعيم

أستاذة اللغة العربية بجامعة القاضي عياض- المغرب

تميز التراث اللغوي الأندلسي بالانفتاح على اللغات والثقافات الآخر، لاسيما السامية والشرقية بفضل انفتاح البيئة وتعايشها السلمي وتسامحها الحضري مع الأجناس والأديان. ولم يكن تقبل الأمر، لاسيما العربية بالنسبة للعبري في البداية بحكم الموقف العقدي والوضع السياسي والاجتماعي يسيرا وانما احتاج الى التدرج في البناء لإقناع الفئة المنغلقة الذين يرفضون اي نص ما عدا المقرأ. لذلك نلحظ بين كتب ابن جناح نفسه فروقا في مستوى حضور اللغة العربية وطبيعته، نظرا لما واجهه من خصومه من نقد لادع واعتراض، غير ان المميز لهذا الحضور اتخاذه اللغة العربية النموذج والمرجع ومنهج الاشتغال ولغة الكتابة، ولما يثيره الأمر بالنسبة للعبرانيين المتشددين من حساسيات ومواقف، اختار ابن جناح القرطبي اقتفاء أثر سعديا الفيومي بعده أول من فسر النص المقدس اعتمادا على اللغة العربية بجانب لغة التلمود واللغة السريانية في بلاد الرافدين، مع التمهيد لقبوله لدى المتلقي العبري الرافض للانفتاح بنصوص يبدو فيها بعض الاضطراب بين الانتصار للذات باقناع المتلقي بقوة العبرية والخنوع لواقع الحاجة الى العربية

يقول ابن جناح في مناقشته لمادة :  “قد ذكرتُ أصلحك الله…  ما لم يأبه إليه أحد من العبرانيين قبلي وأنا أرغب إلى من رأى قولي فيه من المقشفين المنخشعين وذكري لما استعملته العرب في نحوه ألا ينكر ذلك علي فإني لم استشهد بلغة العرب على سبيل التثبيت لمذهبي فيه ولا لأن اللغة العبرانية مضطرة إلى اللغة العبرية بل لما ذكرته لك من أن كثيرا من العبرانيين لم يعتادوا سماع مثل هذا فخشيت أن يسبق إلى قلوبهم إنكارُه فأريتهم أن مثل هذا (…) العرب تفعل ذلك وأستشهد ببعض كلامهم فيه”[1]. بَيِّنٌ ما في القول من المفارقة إذن لكنه كلام يوجه الى خصومه الذين واجهوا كتاباته واعتماده على العربية بنقد لادع.

    فاين تتجلى مركزية العربية في بناء فكر ابن جناح اللغوي؟

1/ اللغة العربية لغة كتابة التراث العبري:  كتب ابن جناح وكثير من اللغويين العبرانيين أعمالهم باللغة العربية بحرف عبري، لمكانة اللغة العربية في وقت ضاعت فيه العبرانية وصار لا يفهمها إلا القلة من العبرانيين وفقدت الكثير من الألفاظ والعبارات كما انقرض من يوثق بعبرانيتهم وانتم تعلمون جميعا ما تعرضوا له من السبي والاضطهاد والشتات، يقول ابن جناح ليظهر أن اعتماد العربية فرض وليس اختيارا: “وليس ما ذكرته من عدم لقائي لثقات أصحاب التلقين من تقصير وتوان يلحقني في البحث والطلب، فأنتم تعلمون بحثي وطلبي وحرصي ومثابتتي على الطلب من لدن نشأتي، لكنه نشأنا في هذه القاصية المرغوب عنها المزهود فيها، فكان ما وقع لي من عدم لقائي من هذه صفته باضطرار”[2]. وهو نص يعارض ما في النص السابق ويظهر ما فيه من ادعاء ناتج عن الحرص على إرضاء المتعصبين من العبرانيين فقط، في ذلك الوقت المعروف بالعصر الذهبي للأندلس ازدهرت العربية فصارت اللغة المشتركة والرسمية للأجناس المتعايشة بهذا البلد مما اضطر اليهود والمسيحيين للكتابة باللغة العربية:

 أولا لضمان التواصل مع المتلقين الذي صار أغلبهم لا يعرف إلا اللغة العربية.

 ثانيا لتحقيق الاندماج في البيئة في مختلف المجالات لاسيما مناصب الدولة.

ثالثا لتيسير استثمار ما تم استفادته من المصادر العربية التي مثلت الركيزة الأساس للنحو العبري، وإن لم يصرح بذلك اللغويون في كتبهم، وتلحظ مركزية العربية في المجالات اللغوية كلها من معجم كما في كتاب الأصول لا بن جناح أو في النحو كما في كتابي التنقيح والمستلحق أو البلاغة كما في المحاضرة لابن عزرا وغيرها من كتب العبرانيين.

2/اللغة العربية هي المرجع في المصطلح والمنهج والتبويب: اعتمد ابن جناح، على المصطلح اللغوي العربي بعلومه المختلفة على الرغم من بعض الاختلافات بين اللغتين الناتجة عن التطور، إذ العربية معربة والعبرية فقدت الإعراب منذ زمن سحيق. بجانب المصطلح الفلسفي المستفاد من المنطق الأرسطي فتحدث عن الجنس والشخص والمادة ولم يعتمد الجذر والمشتقات أو الأصول والفروع، وبنى خطته ما عدا مقدمات الفصول الشبيهة بالمقدمات الأرسطية على نهج النحويين الأندلسيين ولاسيما الاستدراك للزبيدي بالتقسيم نفسه والمقدمة نفسها، فمن قرأ كتاب المستلحق وقارنه يلحظ وحدة في القالب واختلاف فقط في اللغة مادة الدراسة وإن كان في مواضع عدة يعتمد في الدراسة والتوضيح الأمثلة والشواهد العربية مع التصريح بأنه لا يجد في ذلك أيَّ حرج..

3/ اللغة العربية هي الحجة في تحديد الأصل والفرع: أخذ مثال هل الأصل الاسم أم الفعل؟ اعتمد ابن جناح في بناء موقفه على اختيار مدرسة البصرة تهيئا للمتلقي العبراني للاقتناع به، مما يعكس حجاجية اللغة العربية لدى العبرانيين في ذلك البلد وكونها لغتهم الأم القريبة من أفهامهم، في حين صارت العبرية هي اللغة الدينية لكن من حيث المكنة التواصلية والتعبيرية بمثابة اللغة الأجنبية. (وهذا يشبه اعتماد الترجوم الارامي لشرح النص الديني في الخطب في عهد ازدهار الآرامية). يقول ابن جناح مثلا مقررا كون المصدر أصلا للفعل وفق تصور البصرة الذي يميل إليه في أحايين كثيرة ولا مشكلة في ذلك فمصدره الرئيس الذي لم يصرح به هو كتاب سيبويه: “وهو أقدم من الفعل قُدمة طبيعية أعني الفعل يرتفع بارتفاع المصدر وليس يرتفع المصدر بارتفاع الفعل والفعل مأخوذ منه وصادر عنه أعني المصدر اسم الفعل فإنه لا يقال ضرب فعل ماض إلا وقد كان ضرب مصدر ولا يقال قتل فعل ماض إلا وقد كان قتل مصدر وإنما عبرت لك عن هذا المعنى بلفظ عربي ليكون أسبق إلى فهمك فامتثل ذلك في اللفظ العبراني تجده كذلك[3]. فهذا المثال يدل دلالة واضحة على أن اللغة العربية أقرب إلى فهم العبرانيين من اللغة العبرانية فكأنها لغة الأم والعبرية أجنبية أولى بلغتنا اليوم.. إذ ينطلق من العربية لبيان مسائل في العبرية التي هي مادة الكتاب وموضوعه وليس العكس.

4/ العربية هي العمدة في شرح الألفاظ العبرانية المشكلة: فقد صرح بالعربية في أكثر من خمسين موضعا من كتابه الأصول وقد يسر له اعتمادها حل بعض المشكلات العالقة في اللغة العبرية من مثل معنى كلمة אנך التى أثارت مشكلة كبيرة في التراث العبري اللغوي، وقد كتب عنها احد المستشرقين كتابا تتبع مشكلاتها في المعاجم العبرية، وتمكن ابن جناح إيجاد مخرج للمشكل أو على الأقل المعنى القريب بالاعتماد على المعجم العربي، حيث وجدها مجانسة لكلمة الانك العربية التي تعني القصدير.

 5ـ العربية هي الأساس في تعليل الصيغ الصرفية المشكلة وتحديد أصول الكلمات،

تمكن ابن جناح أيضا من فك لغز كلمة غريبة في اللغة العبرية من خلال قاعدة الإبدال في اللغة العربية، ويتعلق الأمر خاصة بحروف الحلق، فمن الكلمات العبرية المشكلة האזניחו: حيث يتوالى صوت الألف وصوت الهاء الحلقيان في أول الكلمة مما أثار مشكلة، لأنه الأصل وليس للتعريف، وتمكن من المقارنة بين العربية والعبرية من إثبات أنه وقع إبدال الهاء من الألف ثم جمع الاستعمالين معا في كلمة واحدة. يقول: “وأما האזניחו  فإنهم أجمعوا فيه الاستعمالين أعني أنهم ركبوه من הזניחו ومن  אזניחו وإن كانت الألف في אזניחו  مكان هاء مبدلة منها. وقد جرى مثل هذا الاستعمال في بعض كلام العرب أعني في قوله (إذا) أراق الماء فإنهم يبدلون من هذه الهمزة هاء فيقولون هراق الماء كما أبدل العبرانيون من هاء  الكلمة الأولى همزة، ثم إن العرب أدخلت على هراق الهمزة فقالوا إهراق وإن كانت الهاء مبدلة من همزة كما أدخل العبرانيون على אזניחו الهاء فقالوا האזניחו وإن كانت الهمزة بدلا من هاء”[4].

هكذا استطاع ابن جناح من خلال الانفتاح على اللغة العربية فك لغز كلمة غريبة في اللغة العبرية.

تتضح من النماذج سالفة الذكر مركزية اللغة العربية في بناء فكر ابن جناح القرطبي وغيره من العبرانيين الذين عاشوا في البيئات العربية سواء في العراق أو الغرب الإسلامي، فهي أداة الكتابة والخلفية الفكرية للدراسة والمرجع في حل المشكلات ومصدر الشواهد على القواعد العبرانية بتصريح من اللغويين أنفسهم، ومع ذلك لم يغب عن بعض العبرانيين التعصب لقوميتهم والغيرة من ازدهار اللغة العربية لهذا يردد ابن جناح كثيرا لا جعل الله العربية حجة للعبرانية، وليس اعتمادي العربية لحاجة العبرانية إليها، أفليس ما سبق دليل على الحاجة الماسة إليها لمركزية العربية في بناء الفكر اللغوي العبري؟ لكن ذلكم كله تحسر على المآل واعتراف ضمني بالاعتماد على اللغة العربية، ومنه نفهم ما يحاك اليوم ضد العربية لكن العرب في سبات عميق.


[1] ـ ابن جناح: المستلحق، 268,

[2] ـ ابن جناح: اللمع، 307.

[3] ـ المستلحق، ص.13.

[4] ـ   ابن جناح: الأصول، ص. 200.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.