لغة الحوار في العالم الرقمي

0 8

أ. سعاد بن طير – الجزائر

باحثة متخصصة بالتاريخ الجزائري

أوجد الإنسان منذ أن خلق طرق مختلفة للتواصل مع بني جنسه و إن تعدد اللسان فإنه يجد طريقة لنقل أفكاره من عالم العقل المشفر إلى العالم الخارجي بعد تفكيك الشفرات، و مع تعاقب الحضارات نجد عبقرية كل واحدة تبرز من خلال مورثها العلمي و الثقافي أي نوعية الكتابات التي تضمنت في الحقيقة حوارات مست جميع المجالات، و نرصد قاسما مشتركا فيما بينها أنها تبنت الساحات العمومية كمكان انطلاق تلك الحوارات، فالشاعر و الخطيب و المنادي في حوار مباشر مع الجماهير، حتى السلطة تتقصى انشغالات شعوبها بما يصلها من أخبار الساحات أو” أماكن التعبير” و لنا في ذلك أمثلة عدة تفانت في تطوير الإنسان كفرد فعال في المجتمع؛ فالحضارة الإغريقية تفطنت لإعادة بناء و تنمية العنصر البشري؛ فاعتنى الفرد في أثينا بسلامة جسمه و تنوير عقله فغير تفكير المجتمع و أسس دولة المدينة، و لم ترض أثينا بانضمام مقدونيا لأن أهلها شداد متعصبين أهل الجبل،حسبهم طبعا، حتى صنع ألكسندر الأكبر إمبراطورية مقدونيا وصلت إلى مشارق آسيا وأخذ مسارا لمشارف المغرب الكبير و تعاقبت الحضارات و كان من خصائصها تطوير لغة الفكر،و آليات التواصل ، و هذا ما أخذته عنها الحضارة الرومانية غير أن العصور الوسطى في أوروبا شهدت ركوضا بفعل الحروب و مألاتها، في حين كانت الجهة الشرقية تنعم في ظل الحضارة الإسلامية في انتشار العلوم والتشييد المعماري المفعم بالألوان التي تحيي الروح و تدب فيها طاقة ديناميكية تنعكس على الإنتاج الفكري المتنوع، إلى أن تواصل الحوار بين حضارة الأندلس و الغرب في قالب التثاقف كما ذكر فيكتور هيغو Victor Hugo(1802م-1885م) الروائي السياسي الفرنسي في إحدى مقولاته يقول:” الأحلام و الأفكار…هذا الشرق العبري،أو التركي،أو الإغريقي،أو العربي،أو الفارسي،أو حتى الإسباني…”

        و تواصلت أنماط التواصل في القرنين التاسع عشر، والعشرين مع التطور السريع للثورة الصناعية، وصعود فكر تفرع إلى تيارات متشعبة بين الليبرالي ، والراديكالي، والجمهوري و الملكي، والشيوعي…. عندما تفطن هتلر لمصيبة الشعب الألماني في تفشي الرذائل، و انحطاط الفكر الفردي بفعل المخططات لمن كان يتربص بتحطيم الكيان الألماني، هب لنصرة وطنه ، وأبناء وطنه بإعادة بناء سيكولوجية المواطن الألماني الذي يشعر إلى يومنا بثقة في قدراته التي أثبتها على مر الزمن ، وفي أصعب الظروف فقط لأنه وجد قدوته .

         كما استطاعت الشعوب العربية الإسلامية و إن كانت تحت وطأة الاستعمار للقوى العظمى آنذاك؛ فقد اكتسبت انفتاحا على ثقافة الغير في تشكيل بما سمي في مصر خاصة “الصالونات الأدبية” المماثلة لنظيرتها في باريس الفرنسية، حيث تجتمع النخبة المثقفة للتحاور في انشغالات مجتمعاتهم و تقديم إنتاجهم الإبداعي، نفس التجربة وجدناها كطريقة للتعبير عن مناهضة الاحتلال المدمر لعوامل رقي الفكر الإنساني ، والبحث عن سبل تحقيق الحرية الفردية ، واستقلال الوطن في الجزائر بصفة خاصة ، التي شهدت أشد احتلال استطاني من قبل فرنسا أدى إلى بقائها قرنا، واثنان وثلاثين عاما، و قد ظهرت المقاومة الثقافية في شخصية العلامة عبد الحميد بن باديس (1889م-1940م) ، وكذا الحركات السياسية الجزائرية  بمختلف مناهلها، و، إيديولوجياتها سعت أيضا لتهذيب لغة الحوار، وتمرس طرق التفكير لتطوير ذلك العنصر البشري ، والارتقاء إلى درجات العلم تحت لواء أسمى مبادئ الأخلاق، وسمو لغة التواصل، ولكل مقام مقال، حتى التراث الثقافي يترجم مختلف لغة الحوار؛ فالحوار في المقاهي لا يتطابق مع حوار الشارع ، ولغة حوار الأصدقاء تختلف من مجلس لأخر، تلك الأزمنة شهدت تشييد النوادي الفكرية ، وفضاءات علمية ، وشعرية ، ومسرحية ، وغيرها، كلها تصب في وعاء الانفتاح على الأخر، وتوفير الكم ألمعلوماتي الضروري؛ فكان الرجل إذا هذب أبناءه يتباهى بذكر من هم على خلق،لأننا نحتاج إلى قدوة نقتدي بها حتى لا ننصهر فيما يحط من قيمة الفرد ، وما يخزي بالنفس.

          وتمر الأيام ، وتدور عجلة التطور، وتعصف علينا رياحا حاملة معها رحيقا عصريا من التكنولوجيات أو بالمصطلح الرقمي “العالم الذكي” ، لنجد أنفسنا أمام فضاء مغاير لتلك الفضاءات، إنه فضاء افتراضي، لا نحتاج لحلقات نلتقي فيها مع النخبة ، و الرفقة في مثل تلك النوادي السابقة ، طبعا مواكبة الآليات الدخيلة  جميل، لكن لم نعد نضبط في هذا الفضاء الذي هو فعلا بمثابة نادي فكري _ فقط لا يجبرنا على الخروج أو التقيد بالوقت وإنما إمكانية تنظيم مواعيد اللقاء بأريحية لتشمل الجميع _ طرق التعامل، والحوار بين الأستاذ ، والصديق أو منخرط يتأمل للإطلاع ؛ فذهب تهذيب النفس ، و اللسان والأنامل، وأصبحت لغة الحوار هجينة تتخللها ألفاظا سوقية تشعر بالتقزز، و الغثيان.

1)- القابلية للجرأة أم التخلي عن الحياء: تناسى العديد من المنخرطين الافتراضيين أسس الحوار المتبادل، لا سيما في المجموعات المنتمية لاختصاص معين أو موضوع معين كاختصاص العلوم الاجتماعية، والإنسانية ، ومجموعات تمثيلا لمنظومة صحية أو إنسانية و ما إلى ذلك، ولعل هنا يتدخل اللآ شعور، وسيكولوجية كل فرد في التأثير على لغة الحوار الجماعي، إذ بمجرد التواجد في البيت أو غرفة بين أربعة جدران يشعر المرء بالحرية الكاملة و كأنه يتبادل أطراف الحديث مع صديق مقرب، ويطلق العنان لانفعالاته ، وما يخلج من أمور في وجدانه، ضانا أنه في قمة الانفتاح ، والشجاعة ، وحتى المصابين بالرهاب الاجتماعي قد يتحرر من ذلك لأنه خلف شاشة لا يرى؛ فيمكنه بالفعل سرد أفكاره بطلاقة، و لربما في الأمر نسبة التماثل للشفاء، لكن ما يلاحظ في غالبية الأوقات هو تلاشي وقار، وهبة الأستاذ واحترام الكاتب ، والمفكر، وأصبحت الفتاة ، والشابة تتبنى ألفاظا نفرت منها أنوثتها، وأصبح الشاب لا يفرق بين الزميلة ، والصديقة ، وانصهرت القيم التربوية ، و الاحترام الحواري في ما يدعى بالانفتاح بمفهومه المغلوط ، بمعنى الجرأة المفرطة ، و استبعاد الحياء الذي يشكل المانع التهذيبي للمتلقي ليضبط جماحه ، مراعاة في ذلك خدش مشاعر غيره أو التدخل السريع في الخصوصيات التي لا تخدم المواضيع الجامعة لهذه الفرق المثقفة بالخصوص.

2)- الحوار عامل للعلة والموت : كيف يصبح الحوار في العالم الرقمي مرض يصعب استئصاله ، ويؤدي أحيانا إلى الموت، أجل إنها مفردات مرعبة عند سماعها، لكننا يجب مواجهة الحقائق وجها لوجه حتى نتمكن من إيجاد الحلول، طبعا الكل سمع عن لعبة الحوت الأزرق، ومجموعة من الأطفال الذين راحوا ضحية لها، وكانت عرضية يعني ظهرت في فترة معينة واختفت، لأن مبتكروها أرادوا تجربة قدراتهم في تسيير العقول عن بعد، وبمأن الطفل البالغ من العمر ما بين 6 و 13سنة لا يزال في قترة النمو، ومفعم بالخيال الواسع فإنه يصدق كل شيء، ويثق بمن يعطيه إجابة أقنعت فضوله؛ فأين رقابة الأهل في ظل غياب مفهوم الخطر في عقل هؤلاء الأطفال، أين دور لغة الحوار العائلي، أين دور الجلسات التوعية المدرسية، وحتى الجمعيات التي تنادي بحقوق الطفل، إلى جانب المشاكل النفسية ، وحالات الاكتئاب التي أدت إلى عملية الانتحار لضحايا في بيوتهم ، أي أن صيغ الشتم ، والملاحقة المستمرة في قالب التحرش الأخلاقي أثرت فعلا على الناحية البسيكلوجية للشخص ، وهنا رصدنا فئة المراهقين، والشباب في العشرينات ، ويكون لب الموضوع إجمالا قصص غرامية أو ملاحقة بفعل الغيرة ، والحقد المرضي، لكن المجتمع لم يعد يدق ناقوس الخطر، ولا لردود فعل تذكر إلا تنديدا لبعض المقربين للضحايا ، وكأن الأمر لا يعني الكل مع أن الشبكة الاجتماعية من صنع الجميع ، و في بادئ الأمر ظهرت  هذه الظواهر في المجتمعات الأجنبية ، وبالخصوص الأمريكية لكنها برزت في المجتمعات للمشرق ، و المغرب الكبير، والإسلامية حتى مع وجود الوازع الديني إلا أنه بطل مفعوله بفقدان الصبغة العقلانية للحوار؛ فهل يدرك المشرع القانوني أنه حان الأوان للنظر للعالم الرقمي كمنظومة رسمية؟ كونها آلية العولمة من خلالها تعرض كل النشاطات العلمية ،والثقافية، والاقتصادية، والطبية و المؤسسات المختلفة ، لسن قوانين لحماية الأفراد من جهة ، وفرض العقوبات عن مرتكبي هذه الجرائم عن بعد ؛ فالجريمة تبقى جريمة باختلاف وسائل، وأساليب ارتكابها.

      …إلى متى هذا التعنت إلى متى سيخيم الصمت عن ما هو أعمق في اللغة، روح اللغة المتلبسة ،والمتشبعة بأسمى عوامل التحضر، الحرية كلمة سهلة اللفظ ،عميقة المعنى ومبهمة الإستعاب، الحرية ليس أنك تفعل ما تريد، و تقول ما تريد لأنك حر،لا، الحرية سلوك،الحرية فكر، ونمط حياة، تعلمنا القليل من رسول البشرية عليه الصلاة والسلام ، و قليل من يطبقها، مناهضين دوما لبعض الشخصيات من الأنظمة العالمية لأنهم فقط اكتسبوا صفة “الصعلوك” بسلوكياتهم ، بلغة حوارهم التي ترجمت أفعالهم، من خلال خطاباتهم المستفزة ،يشتمون الشعوب، يقللون من احترام الأم ، والأخت، و الزوجة ، أي المرأة بصفة عامة، لنرى اليوم و، نحن نبحث عن التغيير الحقيقي، و الحرية، نشهد تهاطل أرذل لغات الحوار للساسة ، والنشطاء ، والكتاب، والمفكرين، و ليس كلهم طبعا؛إنما أجد نفسي أمام طاقات بشرية باختلاف أعمارها ،و لا أجد القدوة؟ من أتبع ،و بمن أشيد، و من هو الشخص الحقيقي الذي يمتلك خصائص القائد المتمرس، الخلوق، المثقف ،الواعي، و المدرك لأصول المشاكل، يخشى الله أولا و يراجع نفسه ثانيا، إلى متى سيشرع كل واحد منا في مراجعة نفسه و يتساءل من هو؟ و ما هو انتمائه؟ وما يريده؟ و ما هي مسؤولياته ؟

فلا داعي للتغيير حينما لا تستطيع التحكم في لغة الحوار و تتحلى بالشجاعة ، والاحترام و السماحة، وضبط النفس كلنا ننتمي لزمرة من العلماء، والحكماء، والنوابغ ، لنقتدي بهم و نفتخر و نصحح من أنفسنا حتى ننطلق بطريقة سليمة صحيحة و لا نشبه بالوندال أو القبائل القديمة المتوحشة ، و إنما نبحث عن بذرة الخير و الصلاح المكنونة بداخلنا، و الكلمة الطيبة النافعة لسنا بملائكة و لا شياطين بل نحن الخلق الأخير لأن الله خلق آدم و أمر الملائكة و الشياطين أن تسجد له إلا إبليس أبى وتكبر… لا ننسى هذا التشريف و التقدير الإلهي لسلالة الإنسان ، ولا ننسى رسالتنا فوق الأرض، التعمير ، والتطوير، والبناء، والتشييد في لباس الأخلاق، والتنوير، وإقامة نظم ، وأجهزة متطابقة للتكنولوجيات المتجددة لجعلها في إطار المراقبة والمتابعة للحفاظ على أمن الأفراد، وسلامتهم، وحماية المجتمع من التفكيك فالاندثار، و تبني لغة الحوار الراقية التي تعطي أسمى معاني الإنسان المتميز بعقله و تصويب الفكر كموروث إنساني يساهم لا في أفول الحضارات، وإنما في استمرارها و ضمان بقاء الإنسان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.