قراءة في استراتيجية الخطاب الحضاري لفلاديمير بوتين

0 5

قراءة في استراتيجية الخطاب الجيوحضاري لفلاديمير بوتين

صدر في 21 فبراير 2022 22:35 موسكو، الكرملين

د. جمال الهاشمي

خلال عقود تاريخ العالم المعاصر برزت خطابات غيرت مركزية الجغرافيا وبرزت تحولاتها المركزية من أوروبا إلى أمريكا عبر مؤشرات الخطب السياسية لكل من ويلسون والآباء المؤسسين اللواتي عبرن عن استراتيجية التغيير الإرادي والتحولات السننية التي أفرزتها الصراعات الدولية بين القوى الأوربية العظمى، كما تغير ملامح التفكير العالمي مع خطابات ماركس ولينين اللذان أسسا لنهوض أمبراطورية السوفيت العظمى، وكان لهيجل أيضا دورا في هندسة خطابات هتلر المؤسس الرئيس لأمبراطورية النازية وحضارتها الرومانية؛ تلك الخطابات هي التي كانت من أهم مؤشرات التغيير والتي مثلت الوعي المجتمعي وكانت جزءا من استراتيجية الدول العضوية والجغرافيا السياسية التي اعتقدت بضروة التمدد الجغرافي ومركزية العقل والعرق والتقدم المعرف للحضارات العظمى، ومن هذه المنطلقات تولدت النظريات الاستعمارية وتنوعت وسائلها واساليبها بين الاحتلال المباشر أو عبر المباشر.

ومن الطبيعي أن تكبر الدولة وتكبر معها طموحتها الفكرية وأطماعها الجغرافية وعنفوانها الحضاري ومركزيتها العالمية وهذا هو آخر افرازات   القيم الحضارية للدول العظمى المتعمقة في جذورها القيمية  والأخلاقية والتاريخية.

فالماضي ليس منهجا وإنما هو مرشد لمكامن القوة والضعف في واقعنا، ومعلم من معالم التوجيه والتجديد والتطوير، وهنا يمكننا التمييز بين الرجعية التي تعني العودة إلى التخاريف البابلية والأشورية والفرعونية، وبين التاريخ المؤثر كتاريخية الأديان اليهودية والمسيحية أو تاريخية الأخلاق كالطاوية والكونفوشيوسية.

وهنا تبرز في التاريخ قيمتان قيمة القيم الدينية، وقيمة القيم الأخلاقية كبنيتن مؤسستين لبنية النظام والدولة والأمن والتطور العلمي والمادية الحضارية .

وعند المقارنة بين فلسفة الخطب السياسية الحضارية للآباء المؤسسين وسفسطائية الإرث الخطابي للرؤساء الجدد وذلك باعتمادنا على فرضية التغيير والفصل باعتماد بول كيندي الرئيس الخامس والثلاثين برزخا فاصلا بين تاريخيين لأمريكا  من خلال الفصل بين قيم التاسيس وهي التي تميزت بالصعود الحضاري على قيم البروتستانتية، وقيم الانحطاط بسبب التحولات السياسية وانفصال الدولة عن قيمها التأسيسية  كالتالي:

  • تاريخ التأسيس واعتمد في بناء الدولة  على فلسفة القيم الدينية والحضارية والتاريخية.
  • تاريخ الانفصال وهي مرحلة  فصل الدولة ونظمها عن قيم وأخلاق  التأسيس ال.

من الطبيعي وفقا لمنهجية التداول أن تتحول القيم الحضارية وفق ما تشير إليها حتمية التدافع، والتي ليس من الضروري  أن تتمثل قيم التدافع في الأصولية الإسلامية وقيمها الحضارية باعتبارها إرادة عقلانية تاريخية لمختلف المجتمعات البشرية، إلا إنها في الإسلام وقيم النبوات محددة وأكثر انضباطا عن قيم الآخر، وإلا لما سلط الله تعالى وثني بابل على موحدي بني إسرائيل، ذلك أن الإسلام ليس خطابا سفسطائيا وإنما منهجية تجديد وتغيير مستدام بما يتناسب مع مفاهيم العالمية والدعوة والأخلاق والرحمة والتجديد والحضارة كأطر مرجعية لمفاهيم العدالة والنظام و الأمن و القوة.

ولما كانت الغلبة للآخر إنما كان تمكينهم ما اقتربوا من هذه المحددات، وهزيمتنا بقدر ما ابتعدنا عنها، ولأجل ذلك يمكننا الاعتماد على تحولات النهضة ودورها في خلق المجتمعات الغربية على أسس الحرية والعدالة والمساواة.

ذلك أن فلسفة التنوير لم تنفصل عن وعي الشعوب وتاريخها وقيمها وإرادتها، بل انفصلت عن الخرافة التاريخية والدينية التي كانت جزء من أزمة الواقع وظلامية القرون الوسطى، لأجل ذلك ارتبطت بالقيم الوظيفية والمبدأية وتركت القيم التي تتناقض مع العقل والواقع ولذلك أحدثت تحولات أولها مع الفلسفة اليسوعية ثم العقلانية ثم الأصولية ثم العلمية، وفي كل تحول لم يكن هناك إيمان مطلق ولا إلحاد مطلق، وقد ساهمت جميع التحولات في تأسيس قيم النهضة الحضارية والقيم المجتمعية والسياسية في كيان الشخصية الاعتبارية المعروفة بالدولة.

ويعد خطاب بوتين أبرز خطاب حضاري هز أركان العالمية على جميع مستوياتها الأمنية والاقتصادية والمالية والجغرافية، ويحسب له التوقيت، الذي سُبق بالتخطيط.

فأما التوقيت فقد اعتمد على قياسات الرأي العالمي وكتابات النخب الفكرية  والأزمات السياسية والأمنية التي أفرزتها التدخلات أمريكية، ودراسة لانعكاسات عمليتين أساسيتين اختلقتهما الإدارة الأمريكية  أو وظفتهما؛ أحدهما للتدخل في شؤون الحكم تحت ذرائع الدول الفاشلة واستخدمت فيها عدة مؤشرات أهمها:

  • الاستبداد وفشل التحول الديمقراطي، و أزمة حقوق الإنسان، أزمة الأمن، الأزمات الاقتصادية، الإرهاب الدولي، وغيرها من الأزمات التي وظفتها لخلق الفوضوية وإفشال الدولة تحت مزاعم الدفاع عن الديمقراطية، والحرب على أنظمة الحكم المستبدة في العراق وليبيا وأفغانستان، وكان روسيا معارضة لهذه التدخلات وهذه السياسة الروسية من أهم مقومات الخطاب الثقافي.
  • الإرهاب وخلق فوضوية الأمن المجتمعي، وفيه وظفت المعتقدات ولأحزاب الدينية للصراع داخل المجتمع وتوظيف فكرة الإرهاب للتلاسن بين المعتقدات الطائفية وبعضها، أو لتبادل الاتهمات بين أنظمة الحكم وأحزاب الإسلام السياسي والمعتقدات الطائفية.

وبهذه العمليات تحولت خطط برنارد لويس الداعية لابتعاث الطائفية والقوميات الانفصالية من نظرية إلى فرضيات وسياسات واقعية ابتعث الخصوصيات العرقية والثقافية  لمواجهة الخصوصيات الإسلامية والحضارية واستهدفت من وراء ذلك كله تفكيك الدولة المركزية وتحويلها إلى جهويات طائفية ومذهبية وعرقية وثقافية ، وبذلك تمكنت من تحويل فكرة الإرهاب الذي مارسته أنظمة الحكم العسكرية كأداة سياسية لقمع المعارضين في الداخل، ومن كونه فكرة عقائدية وظفيته الطوائف الدينية لقمع المخالفين لها في نفس دائرة الإسلام الكلية إلى استراتيجية عالمية لقمع كل مظاهر التدين في دول العالم الإسلامي وكان لهذه التوظيف عدة أخطاء أهمها:

  • تدويل الفوضوية السياسية في منطقة الشرق الأوسط باسقاط أنظمة الحكم بعد ثورات الربيع أو تهديدها وأضعافها وإلغاء دور الدول وتأثيرها على محيطها بتدخلاتها السلبية في شؤون الدول التي التهبت بثورات الربيع وهذا في نظر الاستراتيجين خطأ تاريخي ساهم من دمج فوضوية الحكم في فوضوية المجتمع.
  • تدويل الفوضوية المجتمعية في منطقة العالم الإسلامي عبر أدوات الدبلوماسية الشعبية والتي ساهمت في إيجاد قوى طائفية و انفصالية وجهوية وفوضوية الأمن المحلي، وهذا يندرج تحت استراتيجية الانفجار الذاتي وتفكيك المفكك وخلق أجندة عسكرية متعددة تساهم في الدفاع عن مصالح القوى الإمبريالية بالصرعات بينها في نطاق جغرافي معين لا يؤثر على مصالح القوى، بما يمكن القوى الإمبريالية من خفض تكاليف الأمن في الدفاع عن مصالحها داخل هذه الدول والمجتمعات الفوضوية:
  • تدويم الفوضوية الأخلاقية باستحداث ثقافيات وأيدلوجيات وقيم متناقضة داخل المجتمع، وتعد هذه الاستراتيجية من أهم الاستراتيجيات التي تعدد الواحد وتمنح اتحاد المتعدد، ومن جهة أخرى تعمل على تغذية الفوضوية بعسكرة المجتمعات للجهويات ومشاريع النفوذ المتصارعة على جميع أصعدتها المحلية والدولية.

وقد أركت دول المقاومة في كل من روسيا والصين وكوبا وكوريا الشمالية وغيرها  خطورة الديمقراطية  عند تدويلها وتصديرها كقيمة عالمية على الأمن العالمي وأمن الدول والمجتمعات، وخصوصيتها الثقافية كنماذج ناجحة في الدول الرأسمالية، وكنها أحد أدوات الغرب السياسية تعمل على أضعاف الدولة المركزية وتفكيكها إلى قوميات إثنية وطائفية متعددة.

وتأثيرها الأكثر خطورة في سعي الدول الديمقراطية نحو إحداث تغيرات قسرية على قيم المجتمعات وعقائدها ومناهجها وخصوصيتها الحضارية، بهدف خلق القطيعة بينها وبين تاريخها، وتكمن خطورة القطيعة إلى أنها تدفع بالمجتمعات نحو التمسك بتراثها اللاعقلاني والأسطوري وتاريخ الخرافة الذي يمنع فهم وجودها في الحاضر، ويقطع استمرار وجودها في المستقبل، وبهذا الإحلال والقطع تتشكل نظرية الفصل بين مجتمعات السيادة والعبيد، أو بين دول الصناعة والدول المستهلكة، باعتبار تلك المجتمعات المختلفة معطى اقتصادي كالعبيد الذين كانوا ضمن فلسفة اليونان معطيات اقتصادية، أو كالهنود الذين كانوا معطيات أمنية للدفاع عن الأسياد في العالم الغربي.

ولأن  دول العالم الإسلامي تتمتع بقيم وجودية متعمقة في العمق المجتمعي فقد تعرض لسلسلة من التحديات والمعوقات أوضعته في أكبر أزمة تاريخية فوضوية أثرت على معتقداته وقيمه وأخلاقه وتقدمه وحضارته، وأدخلت المجتمعات في صراعات كامنة، وتناقضات مستعرة بين أنظمة الحكم وشعوبها، أو التكوينات الشعبية المنافسة لأنظمة الحكم، وهو ما أدى إلى فوضوية الشرعية وتدنيس مفاهيم المقدس في الثقافة الإسلامية.

وقد وظفت الدول الغربية أثر التناقضات على الطبيعة النفسية للشخصيات السياسية، وجعلت منهم رموزا مقدسة فوق النقد، وفوق الحقائق المطلقة لمواجهة إرادة التغيير والديمقراطية والنهوض والسيادة والاستقلال التي تناضل شعوبها من أجل تحقيقها للحاق بركب التقدم الغربي والنموذج الفردي في ظل انعدام الفرص المحلية لابراز النماذج المجتمعية والفردية، ولأجل استمرار وبقاء الفوضوية عملت السياسات الغربية على آليتين:

  • اتفاقيات التحالف الأمني مع أنظمة الحكم، وسعت من خلالها إلى تقوية أجهزة الأمن المحلية كأهم الأدوات لقمع الشعوب، وأضعاف قوى الدفاع لضمان بقاء قواعدها العسكرية للدفاع عن هذه الدول والمعروف باستراتيجية الاقتصاد الحربي التي استخدمته بريطانيا من قبل وبلغ ذروته مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تمتلك المئات من القواعد العسكرية في العالم على اقتصاديات الدول التي تستضيف قواعدها، ولأجل ذلك تعتبر الدولة الاقتصادية الأولى في العالم.
  • الاتفاقيات الاقتصادية مع أنظمة الحكم وتمكنت من خلالها إلى تقوية اقتصاد الشركات الاقتصادية العالمية باستغلال موارد شعوب العالم كأهم مقوم من مقومات استمرار قطبية الاقتصاد العالمي ومركزيته.
  • الاتفاقيات الاستثمارية التي بدورها تكمل الدور وتعمل على استقطاب الأموال السيادية للدولة وأنظمة الحكم وأيضا رأس المال الاجتماعي والذي أثر سلبا على قدرات الدولة التنموية عبر تدويل المال وتمركزه خارج الوطنية التي تعد من أهم شعارات الدول العربية.
  • الاتفاقيات التجارية: وهي من الاتفاقيات التي عطلت التنمويات الوطنية الأسياسية إضافة إلى دور أنظمة الحكم في تصدير الموارد الخام والطبيعية بأقل الأثمان ومن ثم عودتها في شكل منتجات حضارية بتسعيرات مضاعفة، إضافة إلى القيمة المضافة التي تدفعها للدولة المنتجة والقيمة المضافة التي يدفعها المواطن.

وقد ساهمت كل تلك التطورات على تغييب مفهوم الدولة في مقابل استمرار تصورها وتقودها مليشيات عسكرية تتعمق تحت شرعية الدولة المتخيلة،  في الوقت التي تنفصل وجوديا ونفسيا عن قيم المواطنة  والثقافة والقيم المجتمعية لا سيما وأن أغلب  المؤسسات العسكرية تتقاضى دعمها من الدول الإمبريالية التي توظفها لاستغلال شعوبها وحماية مصالحها، وهو جزء من استراتيجية الاقتصاد الحربي باعتبار المؤسسات العسكرية للدول المتخلفة معطى اقتصادي أساسي لاستمرار اقتصاديات الإمبريالية العالمية.

وفي المقابل تتبنى الدول الإمبريالية الديمقراطية كإرادة تعبر عن شعوبها الحضارية لأمور أربعة:

  • التعبير عن إرادة شعوبها ومفكريها ومؤرخيها ومثقفيها الذين يرون الديمقراطية من قيم المسيحية عند المسيحيين وقيم روما عند العسكريين وقيم اليونان عند الفلاسفة والمثقفين.
  • الحفاظ على استقرار الأمن والدولة ومؤسستها من خلال التغيير السلمي عبر أدوات الديمقراطية.
  • ابراز النموذج الغربي في هيئته المدنية والتقدمية والحضارية.
  • التدخل في شوؤن الدول التي تقع خارج منظومة الدولة الغربية وتفكيكها واستغلالها وضمان تبعيتها بخلق التناقضات بين نزعات الاستبداد السلطوي والإرادة الديمقراطية لشعوبها، وبين التمسك بالحكم وإرادة الثورة الشعبية، وبين أزمة المواطنة الممزقة بين نزعات المؤسسات العسكرية ومؤسسات الدولة المدنية المتمسكة بالحكم، والطموحات الشعبية الساعية  للمشاركة أو لتحسين أدوات الحكم.

هنا يكمن وعي الخطاب الذي خاطب فيه فلاديمير بوتين جماهيره بإشارات وخمس قيم مركزية:

  • القيم الدينية: وهنا تبرز الثقافة الأرثوذكسية وهي القيمة التي بنى عليها بطرس الأكبر استراتيجيته الجغرافية ومقوماتها الحضارية.
  • القيمة التاريخية: وهنا تتجلى قيم التعدد الثقافي في إطار واحدية التاريخ الذي ألغى الاختلاف بأدوات التعايش والتداخل والترابط العائلي، والقومية بهذا المعنى يعني التاريخ المشترك الذي يتجاوز التنوع والتعدد القومي والثقافي والعرقي بين الجرمان والقوقاز والروس والخزر والتركالتعدد الذي يتماهى في نطاق التاريخ والجغرافيا والتعايش والثقافات والحضارة المشتركة.
  • القيم الجغرافية: وتشير هذه القيمة التي توحد التعدد بمصير مشترك إلى التكامل الجيواستراتيجي بين قيم الأحزمة الدفاعية المحيطة بأوراسيا، وأوراسيا التي تشكل مركزا لاستمرار الأمن في مواجهة التحديات الغربية التي أوجدها جوزيف ستالين خلال الحرب العالمية الثانية.
  • القيم الحضارية: وترتبط بأداتين اللغة الحضانة للعلم والعلم الإنساني المشترك الذي يتجذر في بيئات قادرة على خلق ذاتية الحضارة؛ الحضارة التي تعني دور الشعوب في خلقها وتطويرها ولكنها تتمركز عبر التحولات الجغرافية وبإرادات سياسية واعية بأهمية التقدم النهضوي في شتى المجالات كالنموذج الذي أوجده بطرس الأكبر والذي استطاع نقل الحضارة الغربية وتبيئتها لغوية لتكون متلازمة مع العقل الروسي الذي تمكن من تطوير القدرات التكنولوجية والعسكرية.
  • القيم العالمية: وهي القيم الإنسانية التي تعبر عنها الثقافة والقيم الروسية الأرثوذكسية التي تربط روسيا بجغرافية بين المقدس إلى مصر وأثيوبيا، أو عبر القوميين الإشترااكيين الذين كانوا جزء من منظومة السوفيت على مستوى العالم.
  • التحدي الوجودي لإرادة القومية الروسية، وهنا يشير إلى محور الشر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والنازيين الجدد.

ونظرا لارتباط الإعلام والتصريحات الرسمية الروسية بمركزية الخطاب الحضاري فقد تعمدت دول أوروبا حظر الإعلام الروسي، ومن جهة أخرى سعت لتحليل الخطاب عبر أدواتها الإعلامية وتحريفه عن سياقاته ومفاهيمه بحيادية وموضوعية، و الهدف من هذه الآلة الإعلامية حجب شعوب أوروبا عن قيم الاسترداد لقيمها الكنسية ونزعتها القومية و التي تشهد تناميا ملحوظا لليمين المتطرف كأحد الأدوات المحتملة للتدخل الروسي في قارة أوروبا وأمريكا، أو من خلال ابتعاث قيم الكنسية في الغرب  كأحد أدوات الصراع الديني – الديني أو السياسي – الديني لا سيما إن استحداد التذكير يعيد الذاكرة، وما حركة هتلر النازية إلا من تعبيرا  عن إرادة الكنيسة الكاثوليكية التي رأت منه مخلصا لأوروبا من اليهود والأفكار العلمانية والرأسمالية والنزعات السياسية المنفصلة عن قيم الكنسية.

فالتاريخ لا يتجدد وإنما يجدد بأدوات ومقومات تجديده، ولن يكون تجديده بنفس شروط الماضي وإنما بصورة أكثر دراماتية وتطورا من الماضي لاختلاف الأدوات والظروف والمناسبات.

وإن كان المؤرخ الدكتور شون مكميكين وكبير مؤرخ المتحف روب سيتينو يريان أن الحرب العالمية الثانية لم تكن نازية ولم يكن مسببها هنلر، ولم يكن فيها إلا وسيلة من وسائل الحرب الأمريكية على أوروبا و ألمانيا  وروسيا، ويرجعان سببها إلى جوزيف ستالين بدعم أمريكي للجيش الأحمر بالسلاح والغذاء والتكنولوجيا، وهو الذي مكن ستالين  من السيطرة على أوراسيا، ومن بكين الى برلين، وتمكن بهذا الدعم من استثمارها في نشر القيم الشيوعية.

ويرى هذان المؤرخان أن الولايات المتحدة  أرادت توظيف ستالين لخدمة مصالحها في اضعاف أوروبا، وهو ما أدركه بعقليته الاستراتيجية فدخل مع الغرب في تحالف مكنه من استثمار المعرفة الغربية التكنولوجية والعسكرية بالحرب، ومن ثم تأسيس امبراطوريتة العالمية لمواجهة التحديات الغربية وفي هذه النقطة يتشابه مع بوتين وقدرته على تأسيس قوة روسية سياسية وثقافية وعسكرية قطبية أسهمت في اندماج الشيشان وبعض دول المنطقة من التحالف مع روسيا و الارتباط الوجودي بمصيرها لمواجهة الإمبريالية الأمريكية.

ويمكن تقسيم أهم محاور الخطاب إلى:

الفلسفة الحضارية .

لم يكن الفكر والتاريخ هما الرئيسان في فلسفة الخطاب الحضاري لبوتين بقدر ما كان للعقلية النقدية دورا  في عقلنة الرؤية للخارج من منظور الذات، وموضعة الذات من منظور الرؤية الخارجية.

وبهذا العمق التكاملي اختلق قيم الابتعاث، والمظلومية، الأولى سعت لاثبات الوجود التاريخي للقومية الروسية في الواقع،  والثانية عملت على ابتعاث قيم الثقافة الروسية والجغرافيا في المجتمع.

ولأن أوكرانيا هي محور القضية وقضية الأزمة، فقد تنوعت فيها أطروحات الخطاب حضاريا وعرقيا  باعتبارها بالنسبة جزءا من التاريخ والثقافة والمساحة الروحية لروسيا، وضمن روابط الدم والعائلة،.

التاريخ والعقيدة:

يحدد في هذه الفقرة مسارات تطور الأمة الروسية في المسار الذي أشار إليه بزمن التحولات والتكوين لمفهوم الأمة.

وفي هذه الفقرة أشار إلى أن سكان الأراضي الروسية القديمة التاريخية الجنوبية الغربية أطلقوا على أنفسهم مسمى الروس الأرثوذكس، حتى القرن السابع عشر، ومركزية التاريخ وعمق الدولة الروسية يرجع بالأصل إلى أوكرانيا التي كانت النواة الأولى لتكوين القومية الروسية، وهذا الفصل عن الجغرافية الأم أضعف أهم روافد قيام الدولة الروسية.

ويمكن الإشارة إلى كييف الروسية هي أول دولة دخلت في صراعات مع بيزنطة من قبل ومع الدولة العثمانية، وهي نواة تشكيل القومية الروسية، لهذا كانت فلسفة العمق والتكوين الديني مرحلة أولية من مراحل تشكيل العمق الجغرافي لمفهوم الدولة الح        ضارية.

نقدية الذات التاريخي الحديث:

تعد منهجية نقد الذات من أرقى المنهجيات العلمية التي تشير إلى مفاهيم التجديد و الابتعاث والتغيير، وتعد منهجية المقاربة من أهم المنهجيات التي تجسد الافتراضات النظرية، وتحدد ملامح الظواهر الإشكالية.

وبذلك فإن الخطاب بجعل من أوكرانيا ظاهرة إشكالية، ومعرفة الظاهر بإعادتها إلى مسبباتها وهنا تكمن فلسفة الخطاب النقدي ليوضح أن أوكرانيا الحديثة تم إنشاؤها بالكامل من قبل روسيا البلشفية الشيوعية بعد ثورة 1917 ، وقد فعلها لينين ورفاقه بطريقة خاطئة بفصل جزء من أراضيها التاريخية عن الجغرافية الأم.

ومضمون النقد يقود إلى إعادة تصحيح الخطأ بالعودة إلى الجذور المنشأة له، وهنا تكمن أهمية أوكرانيا بالنسبة لروسيا في كونها جغرافية مقدسة ترتبط بالأصل الوجودي للجغرافية الأم ولأصل الإنسان الروسي الأول الذي كان له الفضل في إيجاد الثقافة القومية الروسية المعاصرة.

وتشكيل الدولة الأوكرانية خارج منظومة الأمومة القومية، تعيد فكرة محاكمة التاريخ في قرارات ستالين الذي يرجع إليه تشكيل أوكرانيا في صورتها المعاصرة عام 1954، وذلك باجتزاء مناطق من بولندا ورومانيا والمجر وضمها إلى أوكرانيا كما فعل خروتشوف على فصل شبه جزيرة القرم عن روسيا وضمها  إلى أوكرانيا.

التحول الإداري لهيكلة الدولة:

بدأت بوتين في أطروحاته النقدية لمفهوم الدولة بتقديم الأصل ومقارنة وجوده بالتفرعات التي تطورت منه، وساهمت في إيجاد الأزمات المعاصرة لمفهوم الدولة.

ويرى أن الدولة كانت في الأصل مركزية، وهي نتيجة التكوين البدائي لأسطورة الدولة المركزية ونقلها من مرحلة البداوة إلى التحضر، ولذلك يعتمد المركزية كآخر مراحل تطور الدولة مقياسا ومعيارا  لمحاكمة التحولات الناشئة، ويعزو أولى هذه التحولات التي انحرفت عن سياق الفهم الإداري للدولة إلى ستالين 1922، وتقوم فكرة بناء الدولة على مبادئ الحكم الذاتي، وهذا التحول الأول لميلاد الفرع المنحرف عن المركزية، ثم قدم لينين تنازلات كبيرة للقوميين مشكلا هيكلة الدولة الكونفدرالية وهذا الانحراف الثاني الذي تسبب في انهيار مركزية الإدارة وتفكك الاتحاد السوفيتي، والذي بموجبه  منح الولايات الاتحادية الحق في تقرير مصير بين استمرار الوحدة أو إقرار الانفصال، وعلى هذا الأساس تشكلت اتحادات الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية.

وفي الوعي المركزي البوتيني لمفهوم الدولة أن  الكونفدرالية القائمة على المبادئ اللينينية و حق القوميات بالانفصال -التي لم يكن يحلم بها أكثر القوميين حماسة- من الأخطاء الجيوسياسية وأسوأ قرار في تاريخ الأمة الروسية، ويعد  انهيار الاتحاد السوفياتي 1991 من نتائج تلك السياسات التي تدفع الأمة الروسية المعاصرة ثمن تلك الأخطاء التاريخية.

النقدية التاريخية:

إن النقدية التاريخية تعد من أهم مقومات الوعي الوطني والقومي والقيمي لمفهوم الدول، ومن أهم مقومات اتخاذ القرارات السياسية للقوى الحضارية الفاعلة، وإن كانت روسيا تتميز بخلق المعرفة فإن الغرب يتميز بتوظيف المعرفة وتطويرها، كما أن خلق المعرفة وتوظيفها بدت تتشكل مع بوتين واستراتيجيته لمواجهة العالم الغربي من جهة، وصناعة الوعي القومي الأمني و الجغرافي والاقتصادي لمفهوم الحضارة أو الأمبراطورية الروسية من جهة أخرى، وتوصيف طبائع المجتمعات والشخصيات السياسية للدول الأخرى،  فالتاريخ يصنعه الأقوياء فكرا وثقافة وحضارة وعلما بمدركات النفسية المجتمعية والسياسية.

ويرجع بوتين في فلسفته النقدية سبب نشوء الكونفدرالية إلى أزمة التمسك البلشفي بالسلطة مهما كان الثمن بعد الثورة والحرب الأهلية ، وفي هذه الجزئية يميز بين المركزية كوعي إداري وبين الاستبداد كأزمة إدارية.

وهذا التبرير غير مقبول في استراتيجية الدولة المركزية التي تدرك سياقات تشكيل الأمة الحضارية، وليس هناك مبررا حربيا أو تحديا دوليا أجبر روسيا على تبني الكونفدرالية، لا سيما وأن  نتائج الحرب العالمية كانت تجري لصالح روسيا، وهذه من أخطاء القيادة الروسية، وقد ساهمت هذه الرؤية في تشكيل الإرادة الحضارية لبوتين لعوامل ساهمت في ذلك، أولها في كونه رجل أمن قبل أن يكون رجل سياسة، ثانيا أنه من الجيل القديم الذي أدرك قوة الفكر في تشكيل العقول، ولهذا تمكن بخبرته أن يعيد صلابة العمق الأمني بإعادة هيكلة روسيا عسكريا ومدنيا، ودمج بين الأمن الجماعي والأمن السياسي، وهي من فرضيات المرحلة التي تسبق دولة الرفاه، وبطبيعة الحال فإن الديمقراطية من الأفكار التي لا تتناسب مع البيئة الروسية لأسباب منها أن المجتمع بني على فكرة المساواة الإنسانية وهي من الأفكار العميقة في المجتمع، وأن مرحلة ما بعد الديمقرطية وسعت الفجوة بين الأقلية الأولغارشية الغنية وعامة المجتمع، وإن كانت الشيوعية فكرة مثالية متجردة عن الواقع وتتناقض مع العقلانية الفاعلة وإن كانت جزء من العقلانية المثالية، ولهذا يعزو أسباب فشلها، وقد سعى الكثير من المفكرين لإعادة موضعتها ومقاربتها مع الواقع عبر النظم الاشتراكية الحداثية في فرنسا وبريطانيا.

الواقعية ونقد الطوباوية:

يميز فلايمير بوتين بين الواقع والمتخيل أو المثالية التي أوجدت أوهام الوعي أو التضليل الذي مورس على الشعب، فمن مثالية لينين ومبادئه الشيوعية في تأسيس دول متعاونة وفصل روسيا عن عمقها التاريخي إلى الطوباوية التي خلقت مجتمعا مثليا بعد الشعور ببناء وتأسيس دولة قوية.

إن تزييف الوعي الأكثر تهديدا لقيام الدولة أحدثته القيادة البلشفية وأثر على الوعي الجماهيري بينما لم تركز على الحقائق التي كانت تهدد الدولة مستقبلا أو خلال فترات حكمهم.

وهنا يؤكد على أن الخطب والأفكار والمفاهيم لتلك الفترة ارتبطت بالطوباوية التي لم تتصالح مع الواقع، لأن التأثير في المنطق الواقعي يعني صناعة التحولات من منطلق الدولة القوية الواعية التي تتميز بأساس قانوني منسجم مع قدراتها وإمكانياتها ومصالحها القومية، ويؤكد على أن الطموحات القومية أفسد مقومات القوة والقدرة للدولة وساهمت في ابتعاث النزعات القومية التي حولت القوة إلى ضعف والوحدة الكلية للقومية الروسية إلى قوميات إثنية ونزعات انفصالية، وبدلا من حل أزمة الاقتصاد وإعادة تشكيل هيكلة الدولة، استمرت المبادئ اللينينية كأزمة أفكار منفصلة عن الواقع الباحث عن حلول جذرية لأزمة الهيكلة.

الأزمة الاقتصادية:

يشير الخطاب الى التضخم الفكري الذي فصل  القيادة البلشفية عن الإدارة ، والقدرة  عن الواقع، فالاقتصاد الماساوي الذي مرت به روسيا اضعفت إرهاب الدولة وديكتاتورية الحزب وبدلا من تحمل المسؤولية التاريخية أقرت سياسة الحزب استقلال الدول مقابل البقاء على  قيم الاشترااكية.

يعلن بوتين نظام الفصل بين الدولة الحديثة التي شكلت روسيا الاتحادية وبين الاتحاد السوفيتي وهنا يفصل الذاكرة التاريخية السلبية التي تسببت في انهيار السوفيت عن بناء الدولة الحديثة لروسيا الاتحادية.

أزمة الهوية القومية:

الهوية في الوعي القومي تعني الجغرافيا والتاريخ  والثقافة المشتركة، وتداخلات القيم التي جسدت هوية الدولة الواحدة رغم مظاهر التعدد.

وهنا يعتقد أن سلطات الجمهورية الاتحادية أضافت إلى الأخطاء الهيكلية في منح الدول استقلالها أخطاء أخرى منها:

  • منح الدول المستقلة حق الاحتجاج على سلطة الاتحاد الكونفيدالي. وهذا أضعف قدرة القيادة المركزية.
  • تطبيق مفهوم الجنسية للمواطنين لكل دولة مستقلة من دول الاتحاد، وهذا الذي خلق مفهوم قوس الأزمات الشمالي لجغرافية القوس.

كل هذه الأزمات أثرت بالسلب على القومية الموحدة  و بناء الدولة المركزية  وتشكيل الدستور، ويرى أن طبيعة المرحلة الصعبة تفترض تماسك الدولة، وعلى العكس من ذلك عملت قيادة البلاشفة على تفكيكها فأدت إلى انهيار السوفيت نتيجة الأخطاء التاريخية والاستراتيجية التي ساهمت في ابتعاث النزعات القومية وخصوصا في أوكرانيا.

البعث الروحي للأمة الروسية في خطاب التجديد البوتيني:

يرى بوتين أن خارطة الوعي التاريخي حركتها المظلومية التي تتسق اتساقا كليا مع مفهوم البراءة الروسية بمدركات الحقائق الجيوسياسية الجديدة لانهيار السوفيت،

خارطة الأزمة  الأوكرانية:

بعد سرد القيم الكلية لمفهوم الدولة تعمق الخطاب في تحليل ظاهرة الأزمة الأوكرانية بأرقام ودلائل وتحركات خفية للقوى الغربية في أهم الأحزمة الدفاعية والعمق لروسيا، ومن خلال المحددات السابقة التي جعلها مدخلا للأزمة ويستهدف من خلالها ابتعاث الوعي القومي الروسي،  وابراز دور النازيين والقوميات المتطرفة في تزييف الوعي التاريخي والحضاري للقومية الروسية والسعي نحو قطع روابط التاريخ والعرق واللغة بين روسيا وأوكرانيا، وتهديد الأمن الروسي، وتقسيم مؤسسات الدولة الأوكرانية بين عشائر ومجموعات أقلية ترفض حقوق الأكثرية الروسية من جهة، و أضرت بمصالح الشعب الأوكراني من خلال فسادها وتحدير الدولة نحو الفشل، وطمس معالم الهوية الروسية في أوكرانيا وهدم تمثال الأسكندر سوفوروف الذي يشكل التاريخ الوجودي لروسيا وأوكرانيا بالإضافة إلى هدم تمثال لينين الذي منحهم حرية استقلال الدولة.

كل هذه الأسباب التي تسعى لفصل العمق التاريخي للهوية الروسية، وتحطيم الحزام الدفاعي للأمن الروسي، وتحويل الدولة إلى دولة فاشلة تهدد الأمن المجتمعي الروسي، بالإضافة إلى  أزمة هيكلة الدولة وأزمة الديمقراطية التي تعمل على إعادة تبادل النفوذ والمصالح والممتلكات بين تلك القوى الأولغاركية، وتواجد القواعد الغربية وسعي أوكرانيا لامتلاك القوة النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفيتي وتحالفها الأمني وسعيها للدخول في الناتو العدو التقليدي لروسيا، لكل ذلك تداعيات على روسيا على جميع المستويات والأصعدة، وأن قرار الحرب هو الخيار الأقل تكلفة لمواجهة تلك التحديات.

ويرى بوتين أن من دلائل فساد هذه المجموعات الرديكالية الأوليغارشية الأوكرانية ارتباطها بالغرب مقابل استمرار نهب ثروات الشعب الأوكراني وإيداعها في البنوك الغربية، وهو ما يعني فصل دور القيادة عن المواطنة وارتباطها بالمصالح الأنانية.

وفي هذا التوصيف يوجه ضربات ابتعاثية للوعي الأوكراني بخطورة هذه النخبة على مستقبل أوكرانيا، وخطورة تمييع الهوية التي تميز بها الروس عبر التاريخ وتقاليدهم الكنسية التي ظلت من أهم الأدوات لحماية العائلة والمجتمع من تهديدات الليبرالية.

كما يشير إلى خطورة الفساد الذي اسقط سيادة الدولة بتدخلات الولايات المتحدة الأمريكية واستغلالها للمتطرفين الذين ركبوا موجة  السخط الشعبي لاحداث انقلاب 2014، حيث كانت السفارة الأمريكية تقدم يوميا مليون دولار، هذا المال الذي شكل نخبا أولغارشية مستبدة ولا إنسانية في كونها لم تراعي ضحايا القتلى الذين قتلوا خلال تلك الاشتباكات لم يحصلوا من هذه الأعطيات على شيء.

وفي المقابل ومع وصول المتطرفين إلى السلطة قمعوا المعارضين  ومارسوا شتى أساليب العنف ومنعوا الحريات الصحفية وأحدثوا انقسامات مجتمعية وقسموا البلاد إلى قسمين  مما اضطر 15% من السكان إلى الهجرة في 2019، ومغادرة أبرز الأطباء والكفاءات إلى دول أوروبا.

ثم سرد مجمل الأزمات الاقتصادية وكثير من المؤشرات التي تشير إلى الفساد الإداري والفساد السياسي وما ترتب عليه من آثار أضرت بالمجتمعات منها، قطع خط إمداد الغاز الذي كان من منجزات السوفيت في هذه الدولة، وتهميش الصناعات الهندسية والالكترونية وصناعة السفن والطائرات التي كان يفاخر بها الاتحاد السوفيتي، ووقطع العلاقة بين روسيا وأوكرانيا التي ساهمت في خلق عشرات الوظائف بدخول ثابتة للشعب الأوكراني، والدعم الروسي المتواصل رغم استغلال الحكومة الأوكرانية لموقعها الجيوأمني للضغط على روسيا والغرب من أجل جلب المزيد من الدعم لصالح الأقلية على مصالح الأمن المشترك لروسيا وأوكرانيا والغرب.

و مما يميز الخطاب أنه يتحدث نيابة عن مواطني الدولة الأوكرانية ويقدم أراقاما بيانية عن حجم الفساد الذي ترتب عليه فساد إدارة الدولة واستغلال مواردها بسبب سيطرة الدول الأجنبية، ودور المستشارين والمنظمات غير الحكومية الدولية، واخضاع السيادة الوطنية للسفارة الأمريكية بدورها التي تسيطر على هيئات مكافحة الفساد بحجة تعزيزها، وكثير من المنظمات والمؤسسات الاقتصادية والعسكرية، وكل هذه الأدوات الأجنبية تستخدم شرعية الدولة والأقليات الحاكمة لتمرير مشاريعهم الخاصة، و قمع المعارضين وفرض العقوبات وتهديد اللغة الروسية والسيطرة على وسائل الإعلام واستخدامه لتغيير هوية المجتمع.

ويرى أن هذه الدولة فاشلة وبفشلها تهدد الأمن الروسي من خلال:

  • تحويلها إلى دولة فوضوية تقود عمليات ارهابية تهدد الأمن القومي الروسي بتحويل أوكرانيا عن كونها أحزمة دفاع إلى أحزمة أمنية ملتهبة.
  • تهديد المصالح الاقتصادية والثقافية الروسية وتهديد ملايين الروس بتصفيات عرقية.

كما أشار إلى خطورة تقسيم الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية وتوظيفها كأداة سياسية كما تسعى السلطات إلى امتهان الحقوق الدينية واعداد تشريعات دستورية ضد رجال الدين التابعة لبطريكية روسيا والملايين من اتباعها.

وفي المقابل فإن هذه الإدارة تعمل على دعم الجماعات الرادكالية والإسلامية المتطرفة في جزيرة القرم التي اختارت الانضمام إلى روسيا وخطف المواطنين الروس منه بدعم اجهوة الاستخبارات الاجنبية.

هذه جملة من التحديات المحلية التي تهدد كل من الشعب الأوكراني وروسيا.

أما على مستوى التهديد الأعظم فيشير إلى التهديد الأمريكي – الأطلسي الذي يسيطر على القوة العسكرية الأوكرانية التي أصبحت تتبع لقيادة الناتو بصورة خفية غير معلنة عبر التدريبات المستمرة والبعثات العسكرية المتواصلة.

ومن جانب آخر التهديد النووي وكذلك تهديد الصواريخ التي يصل مداها إلى أكثر من مائة كيلو متر، إلا أن التهديد الأكبر هو في تهديد الصواريخ الغربية مثل صواريخ توماهوك  وفرط الصوتية التي تقدم كمساعدات غربية لأوكرانيا بالإضافة إلى تواجد طائرات النانو في أوكرانيا ونشر رادارت تهدد الفضاء الروسي ووضع منظومة صواريخ قصيرة ومتوسط المدى تهدد الجزء الأوربي من روسيا وحتى الأورال.

هذه التحركات الخفية للناتو هو موضوع الأزمة التي تحولت إلى تهديد جيواستراتيجي وأمني لروسيا مما يجعل من روسيا مكشوفة لكل العمليات والضربات الغربية والمفاجئة لا سيما في ظل اقرار الكونجرس الضربات الوقاية للدفاع عن الأمن الأمريكي.

فإذا كان الأمن القومي يتأثر بجغرافية العالم فإن أوكرانيا جزء من روسيا مما يعني أن خطورتها على الأمن الروسي أكثر من خطورتها على الأمن الأوربي، كما أنها بعيدة عن تهديد الأمن القومي الأمريكي إلا في حالة استعداء الولايات المتحدة أو كونها كذلك.

وفي المقابل وبحسب تعهدات الدول الغربية – الأمريكية بعدم  نشر قواعد عسكرية بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية مقابل سحب روسيا قواعدها من أوروبا الوسطى والغربية والشرقية وقوبل وفاء روسيا بتعهداتها إخلافا من دول الناتو التي سعت منذ البداية الأولى لضم دول أوروبا الشرقية و التوغل على حدود الأحزمة الروسية وتعدد قواعدها في كل من رومانيا وألبانيا وسلوفاكيا وكرواتيا ، والجبل الأسود و وشمال مقدونيا.

وتأسيسا على ما أشار إليه من تداعيات على الأمن الروسي والأمني الاقليمي  يستشهد بنصوص الوثائق الدولية والمبادئ الأساسية اللواتي يؤكدن  على أنه لا يحق لأي دولة تعزيز أمنها على حساب أمن الدول الأخرى، لاضفاء شرعية العمل العسكري الروسي في أوكرانيا ويحمل المسؤولية نظام أوكرانيا ودول حلف الناتو وأمريكا.

ومن جهة أخرى يؤكد على الحلول الدبلوماسية والسياسية وما تقدمه روسيا من ضمانات أمنية  انطلاقا من مسؤوليتها الأخلاقية في  الحفاظ على الأمن الإقليمي والعالمي بموجب اتفاقية الأمن الدولي المبرمة عام 2008م .وبموجب الاتفافيات التي تنص على:

  • عودة الحدود إلى ما كان عليه عام 1997.
  • منع وضع القواعد العسكرية قرب الحدود الروسية.
  • منع توسع الناتو في أوروبا الشرقية.
  • المحافظة على سلامة وحيادية أوكرانيا.
  • حل أزمة دونباس بالرجوع إلى قرار مجلس الأمن رقم 2202 عام 2015

ويشير أخيرا إلى أن الوعي الجيوسياسي والأمني لروسيا هو الذي دفع بروسيا نحو اتخاذ قرارات استراتيجية لمواجهة التحديات والعنف والفوضوية التي تقودها دول الناتو في أوروبا الشرقية، ويعزو ذلك إلى فشل الحلول الدبلوماسية بتعمد دول الناتو وأمريكا مخالفة المبادئ والمواثيق والقواعد الدولية وهو ما دفع بروسيا بالتوجه نحو قرار الحرب على دونباس، والاعتراف بسيادة جمهورية لوغانسك الشعبية وجمهورية دونيتسك الشعبية وتوقيع اتفاقيات الصداقة والتعاون معهما.

ويختم الخطاب برسالتين:

الأولى لنظام أوكرانيا وفيها يحمل النظام المسؤولية والنتائج المترتبة على قراراته.

الثانية للشعب الروسي في كل منطقة أوروبا الشرقية والغربية ليتحملوا المسؤولية الحضارية والأمنية والتاريخية ومسؤولية الدفاع عن الدولة في مواجهة التحديات الغربية.

خاتمة:

تميز الخطاب بالعمق الفلسفي والديني لنشأة الدولة المركزية خلال مراحل التكوين ودور العقيدة في تأسيس أمبراطورية السوفيت بقيادة الأباء الأباطرة وخصوصا الأسكندر الأكبر الذي بلغ الذروة في تأسيس العمق الجيوحضاري للأمبراطورية، كما استخدم المنهج النقدي لتحديد  أثر الفكر البلشفي على الدولة والذي يعزو إليها أزمات روسيا الأتحادية المعاصرة وتفكك الاتحاد السوفيتي واحتواء روسيا بالقواعد الأمريكية – الغربية.

وهذه الخطاب الذي انطلق من التاريخ يسعى لاعادة عمق الدولة الأولى بحلول تدريجية أولها حماية الأمن الروسي ومن ثم تحمل المسؤولية الإقليمية لعدة عوامل منها الاشتراك في العمق الثقافي السلافي والتداخل الجغرافي والموروث التاريخي الحضاري لدول أوروبا الشرقية.

ويقابل منهجية التفكك الذي يهدد كيان الدول في مناطق الشرق الأوسط، نموذج الوحدة الحضارية والعمق التاريخي لدول الاتحاد السوفيتي والاتحاد الأوربي ونظرية الاعتماد المتبادل الغربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.