قراءة في احتمالات الحرب الروسية – الأوكرانية وانعكاساتها على  أوروبا والشرق الأوسط

0 8

 

قراءة في احتمالات الحرب الروسية – الأوكرانية وانعكاساتها على  أوروبا والشرق الأوسط

 

 

د. جمال الهاشمي

عندما نتحدث عن أطراف الصراع فإن هناك أطراف رئيسيين وثانويين ومحركات خفية ومؤسسات ظاهرة وأخرى عميقة، وهذه من أهم ملامح الحروب المعاصرة والاستراتيجيات الدولية، ويعد أهم اللاعبين في الصراع الأوكراني كل من  دول الناتو بقيادة الولايات المتحدة وروسيا، وجميعها تتماهي يدا وامدادا في أوكرانيا  لكنها في إطار المصالح لا التضحيات، وفقا للنزعة الدنيوية القائمة على الوطنية القومية والأصول التاريخية والثقافية والبيولوجية المشتركة، ونظرا لتعقيدات الصراعات المعاصرة وتداخلها في الزمن كذاكرة وواقع ومستقبل يمكننا تقسيم نزعة الحروب إلى :

  • حروب عقائدية دينية وتمثلها كل من أوكرانيا وروسيا، وأمريكا وهو ما قد يودي إلى تصاعد معتقدات أكثر تطرفا ودموية، وستكون في حال استمرار الحرب بداية جديدة لمزيد من صعود التطرف الديني على مستوى الجغرافية الأوربية كردود فعل يعمل الواقع على تغذيتها.
  • حروب علمانية براجماتية: ووفقا لهذها لمنظومة فإن الخلود الحقيقي يرتبط بالدنيوية وأن معايير الدفاع عنها يقتضي التضحية الجزئية من أجل بقاء الحياة واستمرارها ومن أجل تحقيق التوازن بين أطراف الصراع والخروج بنتائج متكافئة بين كل من أوكرانيا وروسيا ويمثل هذا النهج النظام الفرنسي.

  • حروب اقتصادية: ويرى ممثلوا هذه المنظومة أن الكرامة والاستقلال والسيادة من أهم مقومات استمرار العمليات الاقتصادية وتنمية الدولة وتحقيق السيطرة الناعمة على العالم واستعادة التاريخية والقيم الوطنية ويمثل هذا النهج دولة الصين الشعبية.
  • حروب عسكرية: وهي أيدلوجية تجمع بين الاقتصاد والعقيدة والنزعة الأحادية والهيمنة والتسلط، وتبنى على الاقتصاد الحربي ونشر النزاعات والصراعات العالمية، فهي تقف على جانب طرف، يدافع عن مصالحها أو تستخدمه كأداة من أدواتها وآلة من آلياتها لمواجهة طرف آخر يهدد مصالحها أواستمرار وجودها في العالم ويمثل هذا النهج الولايات المتحدة الأمريكية .
  • حروب تبعية: وهي حالة شائعة في الدول التي تفتقر لرؤية أو استراتيجيات تنظر من خلالها للإمكانية الواقع ويأتي ذلك نتيجة لخلل  في التقدير والقدرة، وتعتمد في صناعة توجهاتها على التحيز والاستقواء بالآخر، ويمثل هذا بريطانيا وبقية دول الاتحاد الأوربي.
  • حروب وقائية أو انتقامية أو تحيزية وهي منظومة تتعايش مع الفرص المتاحة ولكنها في الغالب قد لا تكون مدروسة أو واعية بمخاطر التحولات وقد تتحيز ليس من أجل استحضار تاريخها ووجودها الحضاري، وإنما من أجل الدفاع عن الكرامة والمعاملة بالمثل أو الانتقام، وقد تلتزم الحياد وتصفر العلاقة بين أطراف النزاع باستثناء الحضور الإنساني.

بعد هذا التصنيف يمكننا عرض المتغيرات بوصف الأطراف والواقع في إطار  دوائر  صناع القرار، ويظهر في خطابات بوتين الكثير من القيم التاريخية والدينية ليس على مستوى دفاعه عن قيم الكنيسة الأرثوذكسية وسعيه  لتفعيل دور العقيدة، وليس على مستوى قيم السيادة والاستقلالية  لمواجهة النزعات النازية،  وإنما أيضا سعيه نحو تفعيل القيم التاريخية – الحضارية لدولة السوفيت، وهذا أقرب النماذج المعاصرة لوجودة والتي شكلت شخصيته الصارمة. أما تكوينه التاريخي فيرتبط بروسيا القيصرية البطرسية.

في أما ربطه بالعقيدة فذلك لأهميتها في جمع ذاكرة الفرسان الروس وتحفيزها نحو العمق الروحي لأصل الجنس والمعتقد في أوكرانيا  وحديثه عن الآخر محددا بالذاكرة التي عاصرها وشهد فيها دور الولايات المتحدة والغرب والعالم الإسلامي في سقوط الاتحاد السوفيت، ودور الغرب والإسلام في سقوط روسيا القيصرية.

كل هذه التكوينات وضعت لها رؤى استرايجية عقلانية وعسكرية ونفسية،  وحددت مخاطر التهديد بدور الغرب في تفكيك السوفيت على المستوى الجغرافي والسياسي والاقتصادي، وتفكيك المجتمعات السلافية على المستوى الثقافي والعرقي والقيم الدينية.

وهذا يندرج ضمنا تحت مفهوم القومية الدينية التاريخية للروس، وتحت هذه المنظومة  تتأسس أيدلوجية القيادة العالمية على المستوى الخطاب الإنساني،  وهذا نتيجة من نتائج الوعي التاريخي بدور القيم الدينية في البناء والأمن أو الهدم والتدمير والتفكيك، لا سيما وأن الذاكرة الروسية  التي عاصرت سقوط السوفيت ترى خطورة المعتقدات الدينية  وخطورة  التصلب الأيدلوجي الشيوعي وأحادية الفكر ورفض الآخر، الذي أدى إلى صراعات عقائدية وتوظيفات سياسية.

وللتاريخ الروسي مساراته التوسعية فهو في نشأته  فكر عضوي  كالثقافة الألمانية والحضارة الفرنسية والإمبريالية البريطانية والعسكرية الأمريكية، قائم على نظرية القوة البرية بقيمها الجيوستراتيجية وتعد واحدة من اهم عناصر الثقافة العسكرية،  والقوة البحرية بقيمها الأمنية والاقتصادية وهي المشروع الذي كان السبب الرئيس في كثير من الصراعات التوسعية، والقوة الجوية بقيمها الرادعة التي  تؤسس لمفهوم الردع وحفظ الأمن  وآخر الحصون الدفاعية.

وقد تطورت روسيا خلال فترات الانطواء والعزلة الخارجية على جميع أصعدتها الجوية والبرية والبحرية، إلا أنها أهملت المواطن والبنية المجتمعية كقوة عميقة رافدة للقوة العسكرية والإعلامية، وهو ما  أثر سلبا على أداء القوات البرية في أوكرانيا.

ذلك أن الإمداد لا يقل أهمية عن خطوط الدفاع الأمامية، إذ أن المرونة في ذلك واحد من أهم أسباب النصر، كما أن القدرة على خوض حروب طويلة الأمد يعتمد على القدرة الاقتصادية، فإن أثرت الحروب على التنمية الاقتصادية سلبة كان ذلك من أهم أسباب تأخر النصر.

ويتحدد الفكر العسكري بالقوة الاقتصادية إذ أنه يجب أن تكون التنمية الاقتصادية ذات منحى تصاعدي خلال الحرب وليس ساكنا أو ذو اتجاهات سلبية، كما يجب أن تكون القدرة الاقتصادية مهيأة بنسب احتياطية وقدرات صناعية وانتاجية  مجتمعية بمعنى أن تكون التنمية الاقتصادية المجتمعية، في مسارها الطبيعي بعيدا عن مسارات الإنتاج والتنمويات العسكرية خلال فترات الحرب. وهذا يعتمد على المؤسسية والقدرة الإدارية.

كما يجب على صانع القرار العسكري وصانع احروب من  تثليث مخاطر النفقات الحربية إلى 300%  ويندرجها ضمن مخاطر الحرب، شريطة أن يحدد يضاعف التكلفة بمضاعفة المدى الزمني للحرب، فإن كان تقدير فترة الحرب وفقا لدراسة الإمكانية والقدرات بين طرفين متصارعين مقدرة بعام واحد، حينها ترفع مخاطر الحرب إلى 10 سنوات.

وهي الآلية التي تعمل دول الناتو من خلال أدواتها الاقتصادية من جهة والدعم اللوجستي والاستخباراتي والعسكري لأوكرانيا من جهة أخرى، والقتال بالآخر واحدة من أهم الاستراتيجيات الوقائية للأمن القومي، وهي نفس الآلية التي اتبعت في في أفغانستان لمواجهة السوفيت.

إلا أن قوة الأفغان ارتبط بقوة الإمداد والدعم العسكري واللوجستي، إذ  بلغت مساحات الإمداد عشرة أضعاف مساحة القتال، عبر مراكز متعددة  امتدت من باكستان إلى السعودية، ومن أوروبا إلى الولايات المتحدة، وهذه القوة  مضاعفة بلغت أضعاف الاقتصاد السوفيتي، وأيضا أضعاف اعداد الجيش السوفيتي أشبه بتحالف عالمي على السوفيت فسر حينها بمعركة هيرمجدون، وعند المسلمين وصفوه بالتحالف مع الروم، وكان العامل الديني هو العامل الرئيس لدخول العالم الإسلامي في الحرب الأفغانية – السوفيتية. ولذلك كان توريط السوفيت في أفغانستان مخطط له أمريكيا، وهو من أعظم الأخطاء الاستراتيجية في تاريخ الدولة السوفيتية.

وإذا نظرنا إلى دور الدين في هذه الحرب نجده قد انطلق من موسكو بمذهب عسكري أرثوذكسي، وهو ما يعني استعادة نظرية بطرس الدينية بديلا عن الفكر الاشتراكي  السوفيتي،  لكنه مع بوتين أكثر تنوعا وتعقيدا إذ تتعدد دوافع الصراع على أسس سلافية القومي وقومية  التي كانت من أهم المحددات السياسية للقيصر نيقولا الثاني في الحرب العالمية الأولى ضد دول المحور.

إلا أن البعد العالمي في فلسفة بوتين ارتبط بإرادة إقليمية أخرى  تبحث عن السيادة، وفرض النظام العالمي المتعدد القطبية وفتح باب السباق والتنافس في بناء التحالفات مع الدول المتوسطة والصغرى.

وجغرافيا تتمتع روسيا بعمق جغرافي وقوى دفاعية طبيعية يستحال السيطرة عليها، لأن القومية تتمازج مع الجغرافيا، ومهما تغير النظام فلن تتغير الاستراتيجيات، وهناك طريقة واحدة تقوم على تغيير النظام أو الثورة أو الاندماج في قيم الغرب، وهذا الأخير مستبعد لأنه يتناقض مع قيم الخطاب لروسيا المعاصرة.

وبالنسبة للقوة الجوية فروسيا لم تدخل الحرب الأوكرانية إلا بعد أن أدخلت فلسفة جديدة على نظرية القوة الجوية ، ويأتي عامل القوة النووية في كونها تتوافق مع النفسية العسكرية القائمة على احراق الأرض، وهي نفس السياسة التي استخدمت لمواجهة الجيوش النابليونية بعد وصولها إلى موسكو، وانتهت بانحسار بردة عكسية وصلت الجيوش الروسية الى مشارف باريس.

هنا لا يمكن تفسير التقدم الأوكراني على أنه انتصار، لأن مقاييس الحرب تعتمد على المؤثرات الخارجية وشبكة التحالفات الخفية والمباشرة والمؤيدة لروسيا في مواجهة الولايات المتحدة التي رسمت في مخيلة الفرد والمجتمع والسلطة بمحور الشر، وأيضا مدى الدعم الغربي طويل المدى لأوكرانيا في مواجهة روسيا، وبين الحالتين، ستتحول أوكرانيا إلى دولة فاشلة نتيجة لهذه التجاذبات في حالة تساوت قوى الصراع ودون أن تحقق أحدهما مكاسب على الأخرى.

وهنا لن يكون أي انتصار على روسيا إلا من خلال التأثير الفكري والثورات من داخلها وهذه الروية  هو الذي  قدمه النظام الأوكراني للغرب وأمريكا ويراهن عليه ، لا سيما وقد سبق  وتأثر المثقفون العسكريون الروس بالثقافة الفرنسية ومخضت عن  قيام الثورة.

ولكن هذه التأثير فقد بريقه مع تردي الأوضاع الغربية المعاصرة وتلاشي النموذج، وهو ما يفسره خروج المظاهرات وصعود اليمين المتطرف،  والذي كان نموذجا خلال فترات الثورة الصناعية والديمقراطية لم يعد كذلك.

وإذا نظرنا إلى البنية الداخلية لروسيا سنجد القوة العسكرية الأمنية هي المهمينة على الساحة وفلسفة الأمن هو الذي يحدد توجهات المجتمع، مما يعني إمكانية تجميد أو قمع أي ثورة في بداية مرحلتها أو قبل ذلك ، وقد سبق وتم التعامل معها خلال حكم الملكة كاترين الثانية الكبيرة الألمانية الأصل،  إلا أنها قد تلعب دورا إعلاميا في حال فشلت روسيا في تحقيق أهدافها على المستوى الاقتصادي أو في  حملاتها العسكرية على أوكرانيا، ولكنه لن يغير الحقاق على الأرض في ظل امتلاك روسيا للقوة الجوية الضاربة في القارة الأفريقية والأسيوية.

إلا أن استمرار الهزائم العسكرية يفقد المجتمعات الثقة بقيادتها، ويضعف البنية العسكرية والثقة بقدراتها، كما أنه قد يؤدي إلى اختراق النظام السياسي، خصوصا عندما لا يكون لأحد الأطراف قدرة على تحديد مساحات الحرب، وقد يؤدي الى انقلابات من الداخل في حال تمكنت الأطراف من اختراق هذه البنية التي تعد شديدة التماسك وتعمل ضمن دوائر متعددة نظمت تنظيما عسكريا واستخباراتيا.

إن الاستراتجية العسكرية المدروسة هي التي تحدد نطاق جغرافية الحروب وتمنع توسعها، وتحدد فيها الاحتمالات المتوقعة، وترفع منها مع بدائل متقاربة، وفي الوقت ذاته تحدد زمن الحرب المتوقع وتعمل على اضعاف الخصم ليس بالتدخل المباشر، وإنما من خلال اضعاف شرعيته، والتي بدورها تؤثر على أداء القوة العسكرية، باعتبار الإنسان مهما كان عسكريا أو مدنيا كائن متغير ومتكيف  مع المواقف والأحداث والمتغيرات والواقع،  ويتناغم معها بأحساسيه وتفكيره ووقائعه.

وهنا يمكن تحديد ملامح الهجرة الروسية  إلى أوزبكستان وجورجيا وطاجيكستان، على الرغم من احراج النظام، إلا أن الخروج  لا يعني قدرتهم على إحداث ثورة داخل روسيا، لأن الثورة تقتضي التضحية، والحرب تضحية، والفرار من التضحيات هو خيار هذه الفئة.، ولذلك فإن التعويل على هذه الفئة في الصراع كالتعويل على حلفاء أمريكا الأفغان.

وسيبقى الواقع هو المهمين لا سيما إذا حقق الجيش الروسي بعض المكاسب العسكرية وانسجمت أدواته الإعلامية مع تلك المكاسب، ومن جهة أخرى تمكن بوتين من تجنيد  المعتقدات الأخرى وكسب ديانات أخرى في معركته ضد الولايات المتحدة وهذا من التحولات الاستراتيجية في تاريخ المنطقة والعالم.

وقد وقتت الحرب على أوكرانيا في مرحلة تصعيد الخطاب الأمريكي- الغربي العدائي على العالم الإسلامي وتسيس الإرهاب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وكذلك الفوضوية التي أوجدتها أمريكا في العراق وسوريا وسعيها نحو اضعاف مشاريع كل من تركيا والسعودية وإيران، وتسييس  ثورات الربيع وحقوق الإنسان، وتدخلها المباشر في شؤون المجتمعات والقوة العسكرية وقوى الثورة وتوظيف العقائد والأيدلوجيات أضافة إلى دبلوماسية الثقافة والإعلام والقيم المادية، وكذلك دورها في محاربة القيم الإسلامية للاقليات في أمريكا والغرب.

وهذا الخطاب هو نتيجة تذبذب السياسة الغربية وتدفق المعلومات المتناقضة وصعود الهوية الدينية، والنزعات العنصرية وهو ما أدى  مقاومة  ناعمة للوجود الأمريكي- الغربي في العالم الإسلامي وداخل الغرب وهذه من القوى الكامنة.

إلا أن القوى المتصلبة تؤدي أدوار أخرى في جغرافية  اللادولة ومناطق الثورة، وبسبب ذلك لم  تعد الدبلوماسية الأمريكية قادرة على التأثير بنفس الكيفية التي كانت عليه من قبل سقوط دول الربيع والعراق، ولأجل ذلك تباينات السياسة الأمريكية في التعاطي مع المتغيرات وخسرت السعودية ودول الخليج كأهم الحلفاء التقليديين الذين ساهموا في  استمرار نظام الأحادية القطبية الأمريكية، وهي الآن تعمل على نفس الأسس التكيتيكة لتلافي تلك الأخطاء وأعادة تموضعها برؤى استراتيجية.

وهذه الأخطاء هي تراكمات عقائدية تشكلت بصورة واضحة وصريحة خلال حكم بوش الأب ولكنها أخذت بعدا متطرفا وأكثر استفزازا للحلفاء القدامى، وتدخلا في سياستها، ولم تكتف بتسييس اقتصاديات النفط، وإنما سعت نحو ممارسة الضغوط  الثقافية وتنمية اقتصادها الحربي عبر استراتيجيات التسليح بعيد المدى بين أطراف الصراع الإقليمين. خارج إطار دولهم وفي دول الهامش المحيط بها، وهذه الاستراتيجية هي استراتيجية قرن لكن دوائرها أكثر تعقيدا، والسعودية الآن في مرحلة الدائرة الضيقة التي تتماهي وتتداخل مع الدائرة الأضيق، وهذه التجاذبات الأمنية والعسكرية كفيلة بتدمير بنية الدولة بحسب المتغيرات ما لم تتخذ سياسات دفاعية تسابق المتغيرات والتحولات العالمية، لأن العامل الزمني يعد من مقومات التمكين في إعادة تدوير مقومات الدولة نحو بناء استراتيجية وقائية ودفاعية.

وإذا عدنا الى  التاريخ الأمريكي  وفلسفة القوة العسكرية  نجدها قد أخذت بالسياسة البريطانية التي تعتمد استراتيجية التفكيك وخلق التناقضات بين الحلفاء من جهة ومع الأعداء من جهة أخرى، وهذه السياسات قد أثرت على منظمات دول الشرق مثل جامعة الدول العربية، أو مجلس التعاون الخليجي، ولكن السبب الرئيس الذي مهدد لهذا التفكك من الداخل، وقد ساهمت المعتقدات والقبليات والنزعات القبلية والجهوية والتاريخية في توطين إشكالية التناقض.

لكن هذا النهج لم يعد مناسبا الأن إلا في هذا السياق، لأن الفرق بين الوعيين يختلف عما كان عليه، لأن مساحة التأثير السياسي الأمريكي اتسم بالفوضوية والتصلب والوحشية، على عكس الأيادي الخفية التي اتبعتها السياسة البريطانية.

وتعد المبادئ العربية والعقدية والفطرة البدوية مدخل من مداخل الثقة بالآخر، وقد أدى هذا الى تنامي الوعي الأمني نتيجة لهذه التطورات والصراعات العقائدية، ولكنها أخذت جانبا أكثر تشددا لغياب القدرة الواعية على الانفتاح والتفاعل العقلاني مع الآخر، وهو ما قد يؤدي إلى دفع ثمن ذلك.

لا سيما وأن المعلومات ساهمت في رفع نسبة الوعي بالآخر، ولكن الوعي بالذات وصل إلى حد التضخم وهو ما قد يؤدي الى انعكاسات سلبية، فالمدخلات رسائل متغيرة ومعلومات كثر تأثير في صناعة القرار عما كان عليه من قبل، ولم يعد دور علماء المجتمع وعلماء النفس والدبلوماسيين له نفس التأثير الذي كان عليها قبل الثورات العربية.

وما تزال الولايات المتحدة تحاول في استغلال التناقضات وتتبع نهج السياسة الرومية التي كانت تعمل على دمج المحاربين الأجانب في منظومتها العسكرية، ولأجل ذلك سعت الولايات المتحدة لإعادة طالبان على ما كانت عليه من قبل في إطار تحالف جيوعسكري ومن ذلك تجنيد العقائد منذ ثورات الربيع مرة أخرى في سياسات تتعمد بناء العلاقات مع المعتقدات والأحزاب التي دخلت في صراع مع أنظمتها السياسية، وهذه تعد من أهم  التطورات الاستراتيجية  التي تتبعها الولايات المتحدة لمواجهة الأنظمة المتمردة عنها.

وتسعى من خلال ذلك إلى أعادة وضع استراتيجية بديلة بتموضعها في الهامش خارج النظم السياسية ، أو بأخذها موقع الإمداد والدعم باستثناء مشاركتها في حروب التعبئة والتحالفات الدولية، ويرجع ذلك إلى استفادتها من الحرب الفيتنامية، التي جعلتها أكثر حذرا من الدخول في مواجهة صلبة مع أي دولة مهما كانت صغيرة ، لأنها تدرك أن الصراع  داخل المجتمعات المتعسكرة أكثر كلفة من الصراع المباشر مع الجيوش النظامية.

ولعل من أهم أسباب انتصار الولايات المتحدة والغرب على السوفيت تبنى مفاهيم الحرية الدينية وخصوصا خطاباتها المنفتحة على الآخر، و الذي عًد حينها من أهم أدوات عسكرة الإسلام السياسي لمواجهة الإرهاب السوفيتي في أفغانستان وكوسوفا والشيشان، ومع ذلك حاولت احتواء روسيا إثر تفكيك السوفيت لمواجهة الإرهاب الإسلامي والذي صار فيه الإسلام  محل الشيوعية كعقيدة عنف تهدد العالم الإنساني، وشاركت في الحرب عليه كل من الصين في تركستان الشرقية وروسيا في سوريا وأسيا الوسطى، وأمريكا في العراق وفرنسا في مالي.

ولأجل ذلك  وظف بوتين العامل الديني في سياسته نحو العالم الإسلامي والمسيحي  لمواجهة الولايات المتحدة  بنفس السياسة الأمريكية خلال الحرب الأفغانية، وبقدر ما كانت الشيوعية في الخطاب السياسي الغربي  تشكل الوعي العالمي على أنها تهديد للأديان والقيم الإخلاقية، فإنها السياسة نفسها الذي اتبعها هتلر بعد ذلك تحت مظلة الدفاع عن التاريخ المقدس والكنيسة المسيحية لمواجهة المعتقدات.

الأتحاد الأوربي:

يعد الاتحاد الأوربي  هدفا استراتيجيا اقتصاديا للولايات المتحدة وشركاتها الاقتصادية، وهو الطرف الأكثر تضحية إذ اندلعت المواجهات مع روسيا، وخصوصا النووية، وبالنسبة للولايات المتحدة فهو أول خطوطها الدفاعية، حيث تسعى في حال توسع الحرب وخروجها عن أوكرانيا إلى أن تكون في أوروبا وبذلك تستطيع احتواء التهديد الروسي في العمق الجغرافي الأمريكي باستثناء بعض الاضرار التي قد تهدد منطقة الأسكا في حال تمكن التهديد الروسي من الوصول إليها صورايخه عابر القارات، وهو ما قد يفرض على الولايات المتحدة اعلان الأحكام العرفية لإنهاء الحرب، ومن ثم فإنها ستكون قادرة على حماية ما تبقى من جغرافية العمق.

وتعد ألمانيا أول دول أوروبا اندفاعا نحو التدخل المباشر في الحرب الأوكرانية، إذ ترى من هذه الأحداث فرصة لإعادة ترسانتها العسكرية وفاعليتها الصلبة  بدعم أمريكي، ولأول مرة وبعد ثمانين عاما يرفع عنها حظر صناعة الأسلحة العسكرية,

وتسعى الولايات المتحدة نحو توسيع دائرة الحرب لتشتيت القدرة العسكرية الروسية بإدخال  الخط الجغرافي الذي يشمل ألمانيا ودول البلطيق من جهة،  وأفغانستان من جهة أخرى لكن في إطار التنسيق مع باكستان ودولة قطر وتركيا وسيكون هناك تنازلات أمريكية ودعم يجعل من هذه الدول حليفا في ظل هذا الانقسام والتحدي بين القوى الكبرى هذا لتطويق روسيا، بينما وفي الجانب الآخر ستعمل على توسيع قواعدها البحرية والعسكرية في المحيط الهادي واليابان وكورويا الجنوبية  لاحتواء الصين.

ولعل الولايات المتحدة تلعب على عامل الوقت لأهميته في توحيد أوروبا وتشكيل بنية دفاعية موحدة، ومن جهة أخرى إعادة تنظيم علاقاتها مع الأعداء أو الحلفاء القدامي كالتنظيمات العقائدية في سوريا والعراق وأفغانستان وليبيا واليمن  ودول الربيع، وهو التحدي الجديد القائم منذ انفجار ثورات الربيع والتهاب الصراعات العقائدية في المنطقة.

تعد السياسة الفرنسية من بين دول أوروبا أكثر الدول اعتمادا على الدبلوماسية من أجل احتواء الصراع وحماية الأمن الأوربي والقومي، ولكنها تتعرض لضغوط من دول داخل الاتحاد الداعمين للولايات المتحدة، كما أن الرأي العام الغربي هو نفس الرأي العربي تجاه الولايات المتحدة إلا أن قوة الدبلوماسية والقوة الاقتصادية للولايات المتحدة تعد من أهم أسباب قوة الدبلوماسية الأمريكية.

كما عنصر المفاجئة أحدث تناقضات سياسية لأسباب منها ضعف القدرات الاستخباراية ومراكز التحليل الأوربي مقارنة بالولايات المتحد،  وضعف الإعلام الغربي مقارنة بالإعلام الأمريكي،.

وسواء تحقق النصر لروسيا أو الولايات المتحدة في الحرب الأوكرانية إلا أن أكثر المتضريين وأكثر الدول تضررا منها ستكون دول الاتحاد الأوربي في الدرجة الأولى وفي مقدمتها ألمانيا وبولندا وفنلندا ودول البلطيق. أما الدول الأخرى المتضررة فستكون البلدان العربية لوقوعها ضمن دائرة الارتطام  كأوروبا تماما كما أنها تقع في الدائرة الرابعة والخامسة من مناطق التأثر النووي إذا كانت مركزيته في أوروبا. إلا أن استخدام النووي سيتسع نطاق استخدامه إلى منطقة الشرق الأوسط بالتزامن مع استخدامه على روسيا أو على أوروبا.

الهدف الأمريكي من الحرب الأوكرانية – الروسية.

تعد أمريكا هي الدولة المركزية التي تعتمد على المضاربات المالية واقتصادية الحروب، ودعمها لأوكرانيا  يقابلها دعم ميزانيتها  من خلال استغلال الحاجة الأوربية لتصدير مواد الطاقة  لمعالجة العجز في ميزانيتها، وبذلك فإنها تدرك أن موقف أوبك بلس مرتبط بإرادة جماعية منها روسيا والسعودية، وهو اتفاق ملزم بين الأطراف بقيادة روسيا والسعودية، ومن ثم تسعى الولايات المتحدة بهذا الإجراء نحو شيطنة المملكة العربية السعودية على مستويات الرأي العام الأمريكي والأوربي والعالمي، لأن ذلك يعني تضرر الكثير من بلدان العالم بما فيها الدول العربية، والإسلامية، وهذا من أهم مداخل التعبئة التي يمكن استثمارها للضغط على السعودية ومن ثم تسليم النفط السعودي لقرارات الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي المقابل فإن إجراء أوبك  في خفض انتاج النفط يقابله تضرر أوروبا واستفادة أمريكا من السوق الأوربية بأضعاف مما كانت عليه.

إن الولايات المتحدة  لا تريد أن تخرج بمفاوضات روسية أوكرانية دون أن تتوسع دائرة الحرب مع ضمان نتائجها، كما أن رئيس أوكرانيا “زيلينيسكي ” واحد من أكثر الزعماء المرتبطين  بالمشروع الأمريكي و الذي يتحدد بعضه بما يلي:

  • اضعاف كل من روسيا وتقليص دورها أو تأثيرها على دول العالم الأسلامي وسوريا ودول أسيا الوسطى والقوفاز ودول الخليج خصوصا.
  • السيطرة على الاتحاد الأوربي كجزء من استراتيجية هنري كسينجر ومن ثم التوجه نحو الصين.
  • انقاذ الاقتصاد الحربي الأمريكي من الركود على المستوى القريب وتمكينه من السيطرة العالمية بعد الحرب من خلال إعادة الاعمار لما بعد الحرب في كل من أوكرانيا ودول الاتحاد الأوربي.
  • السيطرة على قرار الناتو خصوصا بعد إشكالية خروج بريطانيا من دول الاتحاد وتأثر الأخيرة باعلان أوكوس”
  • ضمان بقاء الولايات المتحدة وسيطرتها على دول أوروبا الشرقية والقوقاز اقتصاديا وعسكريا.

 

نشأت البراجماتية الأمريكية مع بداية تأسيس دولتها وبها تتشكل المواقف السياسية والعسكرية، حيث لم تكن المبادئ إلا وسيلة من وسائل تبرير وتمرير سياستها العالمية حيث يمكن تحديد أهم ملامح السياسة الأمريكية المحددة لعلاقاتها الدولية في أربع  دوائر رئيسية:

  • الدائرة العالمية: وفيها توظف المبادئ الإنسانية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير والحرية والديمقراطية والمساواة وغيرها للتدخل والهيمنة وفرض أجندتها الدولية المحددة بالمبادئ الانجيلية والبروتستانية، وفلسفتها المركزية تؤكد أنه لا توجد عداوة دائمة ولا صداقة دائمة وانما مصالح دائمة.
  • الدائرة الغربية: وهي الدائرة الثفافية الكبرى التي تجمعها الثقافة التاريخية والثقافة المسيحية، وبذلك فإن هذه القربى ساهمت في تشكيل الناتو وعلى أساس ذلك تم التمييز بين الذات والآخر، ودول العالم المتقدم والعالم المتخلف، والغرب والشرق، وبذلك تشكلت فيها كثير من المفاهيم الجهوية والجيوسياسية والاقتصادية والمركزية والديمقراطية والإنسانية.
  • الدائرة القومية: وهي الدائرة التي تجمعها لغة وعقيدة وتاريخ وسياسة واحدة ، وقد تكون شبه قومية والتي شملت كل من بريطانيا وأمريكا وهذه هو النموذج الأبرز داخل المنظومة الغربية ويقابله عدة قوميات أبرزها الفرنسية والألمانية، لذلك فإن السياسة هنا تكون أكثر انسجاما وتوافقا وأقرب الى المبادئ منه إلى المصالح، وفي هذه الدائرة نشأت المفاهيم الدينية والعقيدة المسيحية وهرمجدون وعقيدة الألفية ونهاية التاريخ، وفي هذه الدائرة تتحدد معالم وخصائص ومميزات الدولة العميقة.
  • الدائرة الوطنية: وهي ذات محدد قانوني واقتصادي واجتماعي وسياسي تدار من خلال وكلاء من الدائرة الأولى وتعتبر الديمقراطية والإعلام والدبلوماسية الشعبية والأبوة الرحيمة والحرية والتعليم من أهم الأدوات التي تدار بها الشعوب الغربية، وبهذه الدبلوماسية يتشكل الرأي العام ليس ذاتيا وإنما من خلال المؤثرات التي تحددها القدرة الإعلامية والاقتصادية والسياسية والدينية.

وهذا التركيب الممنهج هو الذي منح المجتمعات الغربية القدرة على الاستمرار وهذه القواعد التي أوجدت النموذج المجتمعي والنموذج الفردي والسياسي المؤثر عالميا على مستوى الفكر والعلم والسياسة والاقتصاد والأمن والقوة.

وتعد الاستراتيجية العسكرية واستراتيجية الاقتصاد واستراتيجية الفكر والاستراتيجية  من أهم أدوات القدرة السياسية وقوة الدبلوماسية الأمريكية.

 

موقع أوكرانيا  من الصراع بين الكبار:

تتميز أوكرانيا في كونها دولة زراعية وعمالية ودولة ثروات طبيعية جعلها محل اهتمام دول أوروبا والولايات المتحدة، كما أنها تعد من أهم مناطق الاحتواء التي تمنع تشكيل جغرافية “أوراسيا” إذا ما سيطرت عليها روسيا، ومن أجل استرايجية الاحتواء الأمريكية تتواجد أكبر شبكة استخبارات أمريكية، مهدت أو تمهد  لانشاء  قواعد عسكرية جوية وبحرية في أوكرانيا، كما تتواجد فيها أهم الشركات الأمريكية التي كانت منافسا للشركات الروسية، ومن ثم فإن اقتصاد الحروب القائم على الديون وبيع الأسلحة لشركات التسليح الأمريكية يعد من أهم  الاقتصاديات المعاصرة والتي تتفوق من حيث الأهمية على اقتصاديات النفط .

وهي بهذا السلوك فتحت الذريعة للتدخل الروسي بقوتها العسكرية المباشرة مخالفة بذلك الاتفاقيات الدولية  التي جعلت من دول البلطيق مناطق فصل بين أوروبا وروسيا،  ومارست دورها من خلال السفارة والاستخبارات الأمريكية في كييف، حيث تمكنت من دعم حلفائها في الانتخابات واقصاء حلفاء الروسن  ولضمان ذلك أوجدت ثقافات قومية مناهضة للقومية الروسية وهو من أهم السياسات الأمريكية عندما تسعى لتغيير القواعد الدولية بما يتوافق مع مصالحها، ويمهد لوجودها عسكريا وخصوصا في أوكرانيا ذات الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية.

وقد تموضعت أوكرانيا في استراتيجية الاحتواء بديلا عن أفغانستان، كما أن خلق دول فاشلة محيطة بروسيا سيكون له كلفة اقتصادية على الأمن الروسي،

أما موقع أوكرانيا بالنسبة لروسيا فهو بداية لاستدعاء الأمبراطورية الروسية والنموذج السوفيتي، ويندرج ضمن استراتيجية الدولة العضوية  التي تبدأ من أوكرانيا  التي تسعى الولايات المتحدة السيطرة عليها تحت مظلة الحماية، ومن ثم فهي تهدد المصالح الروسية الاقتصادية وخصوصا خط إمداد أنابيب الغاز إلى أوروبا.

وقد ترتب على حظر الغاز الروسي  حضور الغاز الأمريكي، مما يعني مرحلة جديدة من مراحل التنافس الروسي الأمريكي على سوق الطاقة الأوربية، كما يسعى التواجد الأمريكي إلى احتواء روسيا عبراغلاق المنافذ البحرية على المتوسط والبحر الأسود، وهذه المنافذ تمنح روسيا قوة بحرية تتكامل مع قواتها الجوية والبرية، وقد كانت من أهم استراتيجيات بطرس الأكبر مؤسس الأمبراطورية الروسية وهو الخيار الوحيد لإعادة دور هذه الدولة، كما تعد أوكرانيا من أهم مساحات روسيا الاقتصادية.

إلا أن  نموذج الدولة الحديثة هو من أهم أسباب ضعف جاذبية روسيا الاتحادية التي تصنف على أنها دولة عسكرية ليس فيها دول مؤسسات مدنية شبيه بالنموذج الغربي، ولا يزال تهميش المجتمعات في روسيا ودول شرق أوروبا موروثا تقليديا ودينيا، وهي من أهم الخصائص الكلاسيكية التي تحدد ملامح النظام العسكري الروسي، ولذلك فإن المجتمعات الأوكرانية تميل الى النوذج الغربي لا سيما وأن روسيا تؤيد الأنظمة القمعية والاستبدادية، وقد تسببت هذه السياسة بنزعات قومية وطنية تحررية في أوكرانيا وعدائية للسياسات الروسية. وعلى أساس ما سبق يمكن توصيف روسيا بالدولة العضوية، ويقابلها التوسع العضوي الأمريكي.

وقد اتخذت روسيا ذريعة التدخل الأمريكي في أوكرانيا مما أدى إلى خرق روسيا لكل من قوانين روسيا والناتو وهلنسكي وميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية لحل النزاعات واتفاقية الصداقة وبوادبست.

وهنا فإن الاتحاد الأوربي يستند على المبادئ والقوانين المبرمة مع روسيا وكذلك المواثيق الدولية، وتحت هذه المظلات القانونية تدخلت للدفاع عن القانون الدولي مما يدفعه للتساؤل حول مدى تهديد روسيا العسكرية لدول أوروبا خصوصا بعد الحرب على جورجيا 2008 وضم شبه جزيرة القرم ومن ثم التدرج باتجاه دول البلطيق؛ فنلندا وبولندا ورومانيا والسويد، وكانت سياسة الاتحاد الأوربي قد أجلت انضمام أوكرانيا وكرواتيا ورومانيا وجوروجيا الى الناتو أو خشيت من التوسع المفرط الذي قد يؤثر على أمن هذه الدول والدول الأوربية.

 

موقع الصين من الصراع:

تميزت الصين بقدرتها الاقتصادية التي حولت الدولة الى شركة صناعية اجتماعية منظمة، تمكنت من توظيف اليد العاملة الصينية توظيفا استراتيجيا عالميا، وعن تطور هذا النموذج من داخل منظومتين الأولى الثقافة الكونفوشيوسية والثانية الفكر الشيوعي، ومن هنا بدأ ثقافة عسكرة الاقتصاد وتشكيل الأسرة والجهويات الاقتصادية.

لكن وفي المقابل فإن نمو الصين اقتصاديا ساهم في نموها عسكريا لمواجهة التحديات التاريخية مع اليابان أو قضيتها الكبرى في تايوان، ومن جهة أخرى التهديدات المحلية في تركستان الشرقية وهضبة التبت، ومن هنا فقد كانت كروسيا عرضة لنقد الدول الغربية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان.

اتبعت الصين استراتيجية تأمين اقتصادها من خلال غزوها الناعم وتمددها في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وكذلك الدول القريبة والمطلة على الخطوط الاستراتيجية البحرية، ومن ثم خلقت منظومة شنغهاي الاقتصادية كأحد أدواتها الناعمة، ودخلت في منافسة مع روسيا على دول منطقة أسيا الوسطى ودول القوقاز وكذلك على السوق الأوربية.

لكنها ترى من تايوان أكبر تهديد لأمنها في منطقة المحيط الهادي وهي محل خلاف حكومة الصين الشعبية التي دعمها الاتحاد السوفيتي  بعد هزيمة اليابان، وبين الصين الوطنية (تايوان أو حكومة كومينتانغ) التي دعمتها الولايات المتحدة وأضفت  عليها الشرعية الدولية مع حلفائها من خلال منحها المقعد الدائم للصين في الأمم المتحدة، بينما وصفت بقية الصين التي تمثل المساحة العظمى وعدد السكان الأكبر بالانفصاليين، وبما أن الاتحاد السوفيتي هو المنافس الوحيد حينها للولايات المتحدة فقد ساهم هذا التحول العالمي للنظام من التعدد إلى الثنائية إلى دخول الصين الشعبية في صراع مع الاتحاد السوفيتي أدى ذلك إلى تقاربها مع أمريكا والغرب، وترتب عليه تخلي أمريكا والغرب عن تايوان وسحبت عنها العضوية في عام 1971، ثم اعترف الغرب بالصين الشعبية كممثل وحيد للصين بما في ذلك تايوان عام 1979.

واتخذت السياسة الناعمة القائمة على المساعدة الاقتصادية لتايوان، ومن ثم عملت على دعمها عبر حلفائها وخصوصا اليابان وكوريا الجنوبية، وجعلتها نموذجا هدفت من خلاله زعزعت المجتمعات الصينة أو المناوئة لها، ومن ثم تعد تايوان ذات أهمية عسكرية بالنسبة للولايات المتحدة في المحيط الهادي وحاجز جيوسياسي بين الصين وطموحاته الإقليمية.

وإلى جانب الأهمية الجيوعسكرية تعد تايوان ذات أهمية جيواقتصادية وتقنية بالنسبة للولايات المتحدة وهو جعلها ضمن نسق المصالح القومية الأمريكية القارية، فهي النموذج الأول في صناعة الشرائح الألكتروانية وأشباه المواصلات، وتعد هذه الصناعة محتكرة حظرت تايوان احتياطا على مهندسي هذا المجال  السفر الى الصين.

وبناء على تقرير نشرته الكلية الحربية الأمريكية فإن قوة الردع العسكري الأمريكي يكون بتدمير مصانع الشرائع الألكترونية  في حال تعرضت تايوان للغزو الصيني، وهذا التفكير يترجم العقلية العسكرية والسياسية في التعاطي مع الآخر كقيمة مادية تنتهي بانتهاء المصلحة، وهذا أخطر أنواع التحالف في التاريخ الحديث والمعاصر، وتنزل تايوان بالنسبة للصين  منزلة أوكرانيا بالنسبة لروسيا على جميع أصعدتها الأمنية والاقتصادية والثقافية والقومية.

وهنا فإن مصير تايوان هو نفس مصير أوكرانيا، وعلى أساس نجاح روسيا أو الغرب في أوكرانيا ستتشكل ملامح النظام الدولي.

 

موقع العالم الإسلامي من الصراع.

شكلت الظرفية التي وقع فيها العالم الإسلامي تحت توصيفات المفاهيم السياسية والأيدلوجية والعقائدية الغربية الرأي العام في هذا العالم المتشظي قوميا ووطنيا وإثنيا، وقد بني هذا الرأي  على قاعدة الوعي الحقيقي، إلا أن الصراعات الداخلية حرفت هذا الوعي تحريفا وقائيا وتكتيكيا، وشخصنته تارة وأدلجته وقكرنته تارة أخرى، مما جعل الساحة المجتمعية العربية مسرحا للأفكار والسياسات والتحولات والمتغيرات الإقليمية والدولية هذا على مستوى الدولة الواحدة. أما على المستوى السياسي فهو أكثر تعقيدا وأبعد في سياساته عن الواقع.

لا شك أن فترات الأمن النسبي السابق الذي سيرته الحكومات المعزولة ساهمت في توسيع الفجوة بين النخبة المثقفة والحاكم من جهة والحاكم والشعوب من جهة أخرى إلا أن بعد الثورة اتسعت الفجوة بين النخب والقيم الدينية والشعوب وهذا أوجد الفوضوية المجتمعية، وتعد هذه الفجوات من أهم أسباب التدخل الخارجي في دول الربيع والدول العربية ودول العالم الثالث ومنطقة الشرق الأوسط المتسلطة، وقد تعرضت للاختراق الخارجي خلال فترات المعارضة الناعمة والديمقراطية الهامشية، التي ساهمت في اتساع الفجوة  بين الأحزاب وأنظمتها، والأحزاب المعارضة وبعضها.

وقد قدمت القوى المعارضة معلومات جيوسياسية واسترايجية وتاريخية عن دولها وأنظمتها وقيمها  المجتمعية ومراكز القوى المؤثرة وقوتها العسكرية من أجل الحصول على الدعم والتأييد الأمريكي، وفي المقابل قدمت أنظمتها معلومات عنها، وعلى وتر الوعي المفقود وغياب الوعي الوطني وقعت الدول ضحية التناقض والتصلب والتفكير الأحادي، وهو ما عرض المجتمعات للاختراق وتعدد الولاءات على المستوى الإقليمي والعقائدي والجهوي والعرقي.

وتعد أزمة التأسيس والعقلانية في العالم الإسلامي من أهم أسباب زوال الدول، لما يترتب عليه من تدمير للبنيات التعليمية والتنموية والعدلية والأخلاقية، ذلك أن الاستبداد نظام اللاوعي وداعية التدمير وواحد من أهم أدوات الانحطاط القيمي والأخلاقي والوطني.

تتعرض الشعارات كما تتعرض الأوطان للتدمير لكن التدمير في الأساس يبدأ من الشعار والفكر وينتهي بالنظام والدولة، وقد أدى استهلاك مفاهيم القيم والوطن والعدالة والتنمية إلى تحللها والتشكيك بها، ولعل التاريخ يتجدد  فالقرأن الذي كان محددا للقيم المجتمعية خلال معارك المسلمين في صفين والجمل، أصبح واخد من أبرز الشعارات التي وظفت للقتل مع حملة القرآن.

هذه الثقافة العسكرية ألغت الثقافة السياسية والمجتمعية المنسجمة مع التعاليم،وشكلت فرقا منها مختلفة، تطورت في تناولها للقرآن أو القيم والأفكار، ويمكن تصنيف خطاب التكوينات في دول العالم العربي والإسلامي إلى:

  • الخطاب العالمي: وهو الخطاب الذي أخذ البعد الديمقراطي والسلام والأمن العالمي وتضمن فيه اعتبار العالمية والمصالح الأمريكية، وقد سعت الأنظمة كما هي أحزاب المعارضة لتقديم معلومات متناقضة عن الثورة والثورة المضادة، وكل يقدم مايثبت على الطرف الأخر يهدد المصالح العالمية – الأمريكية والغربية.

فالنظام قدم المعارضة على أنها راعية الإرهاب ومصدرا من مصادر صناعة التطرف المجتمعي،  كما وجهت المعارضة نفس التهمة للنظام لكن في سياق آخر حددت فيه دون المؤسسات العسكرية  فيه صناعة الإرهاب.

ولعل من أهم أسباب اللاوعي غياب المؤسسات الوطنية وغياب القيم الوطنية، والعدل في الخصومة، نظرا لهشاشة النظام وهشاشة الأمن القومي ومؤسسات الدولة وكذلك فوضوية المجتمعات وتناقضاتها، وقد تطور الخطاب بعد الثورة و انقسمت الأحزاب المعارضة وبنفس الآليات  قدمت تلك الأحزاب ما يثبت تورط حلفائها في قضايا إرهابية، وفي ظل هذه المعتركات أصبحت الثقافة المجتمعية قائمة على معايير جهوية وحزبية ومصلحية.

  • الخطاب الإقليمي: وأخذ الخطاب بعدا قوميا وعقائديا، ويعد من أبرز الخطابات التي مزقت المجتمعات العربية في دول العربية أو دول التناقضات الكامنة، ومن ثم ظهرت مشاريع إقليمية على مستوى العسكرة والفكر والمعتقدات، بينما غابت معه مفاهيم الأمن والتنمية واستعادة الدولة ومأسستها.

وقد أدى هذا التناقض القيمي والعقائدي والأيدلوجي إلى نمو المفاهيم والثقافات والقيم الغربية وتوسعها وانتشارها كبديل للخروج من هذه القيم والتناقضات المحلية، ومن ثم بدت عملية التسيس للقيم الغربية، وبنفس آليات استهلاك القيم الديمراطية والعلمانية تتقدمها شريحة أوتمثلها أو تمارسها نسبة لا تزيد عن الواحد في المئة من جملة  الشعب المنشغل بهمومه اليومية، وتتشابه عملية التسيس للقيم المحلية والدينية أو العالمية لكن الإجراءات هي نفسها كما أن التوجهات محتلفة ، ولعل أفضل كتاب يحدد طبيعة  الواقع العربي كتاب المتلاعبون بالعقول، أو كتاب خداع الجماهير، وأبلغ منهما كتاب نظام التفاهة، ولكن شتان بين نظام ونظام ومجتمعات وأخرى.

  • الخطاب الوطني: وهو خطاب إثني لكنه أكثر استبداد في تعاطيه مع المختلف أو المخالف، وقد تماهت فيه قيما أيدلوجية وعقائدية وحزبية ووطنية تماهي الكل في الجزء، وترفض الكل مع الجزء.

ونظرا لهذه التناقضات تناقض الخطاب الغربي في تعاطيه مع قضايا وإشكاليات العالم العربي.

 

وبما أن الثقافة السياسية الأمريكية أصبحت شائعة، فإن شيوع الشيء ابتذاله وأن قيمة الشيء بقيمه، وأن انفصال السياسات عن المبادئ يجعل من العالم أكثر ابتذلات وتفاهة وصراعا.

وهذا واحد من أهم ملامح الخطاب الأمريكي في العالم، تأييد الشيء ورفضه، والاتهام والتبرئة في الأن ذاته،  وهذا الخطاب السوفسطائي أصبح واحد من أهم ملامح ومحددات السياسة الغربية بشكل خاص والعالم عموما.

إن الصراع بالقيم أخطر من الصراع على القيم، ذلك أن الأول تؤدي الى التفكيك والفوضوية واللانسانية، بينما الثانية تؤدي إلى المصالحة معها، وتتميز السياسة الأمريكية في قدرتها توظيف الصراع بنوعيه السابقين.

وقد حدد بايدن معالم الصراع مع روسيا على أساس قيمي في إشارته إلى معركة هيرمجدون، ويندرج تحت استراتيجية الدائرة القومية، ويقابله خطاب كنيسة موسكو المؤيدة لبوتين في صراعها الديني مع الغرب. أما الصراع بالقيم فهو فيظهر فيها حضور الولايات المتحدة وانفتاحها على التنظيمات العسكرية والعسكرية التي كانت في توصيف حلفائها منظمات إرهابية.

إن الدول الإسلامية  والعربية تشهد تغيرات اجتماعية وتحولات اقتصادية وسياسية ، كما أن معتقدات العالم الإسلامي تشهد تحولات مختلفة وتوجهاتها صاعدة نحو  العمل السياسي  أكثر من الاتجاه نحو تصحيح القيم المجتمعية، مما قادها  إلى استحداث خطاب يتوافق مع الرغبات العالمية والشريحة المثقفة الأكثر تأثيرا على الساحة الإعلامية والسياسية والفكرية،  وهذه الرغبات يجسدها  تيار التحليل كأحدث تطور مناهضا لتيار الأصوليات العلمية، ويرتبط هذا التيار بالسلطة ويتوافق معها، وبذلك فإن قاعدتها الجماهيرية هي نفس قاعدة السلطة، بينما يتوافق  البعض الآخر مع فئة أخرى من الجماهير وهي الأكثر حضورا على صعيدي السياسة والمجتمع والتنظيمات الحزبية ويمثلها تيار التثوير، ويرتبط بأجندة وتوجهات خارجية مناهضة للنظام السياسي.

وبين هذه التيارات تيارات أخرى كلاسيكية وأصولية، وفلسفية وكونية وأخرى روحية، ولها ساحات تأثير محدودة تشهد نموا على حساب تياري التحليل وتياري التثوير اللذان يعدان من مخرجات الحداثة والديمقراطية والسلطة،  ولا يعني ذلك حياديتها أو انعزالها عن الواقع، فلها منهجيات درئية وأخرى متناغمة مع التحولات على جميع أصعدتها الكيفية والكمية.

وهذه الظواهر العقائدية أصبحت ظاهرة عالمية متنوعة ولكنها في العالم الغربي تعمل تحت مظلة القيم  الوطنية و النظام والقانون  ومؤسسات الدولة،  بينما تتخذ في العالم العربي منحنيات مختلفة تتناغم مع شكل الدولة ونظمها؛، فالأنظمة المستقرة لها القدرة على الاستمرار والإمساك بزمام الأمور، مع شروط اعتبارية تتعلق بقدرتها على حماية المجتمعات من المؤثرات الخارجية، وهذا التأثير تلعبه تكنولوجيا التواصل، والبحوث الأكاديمية والآلة الرقمية.

بينما تتسع الظاهرة داخل الدول الفوضوية  التي لا تمتلك نظام مركزي وتخضع لمراكز نفوذ محلية،؛  لأن تعدد القوى والنفوذ سمة في هذه الدول، وهذه الظاهرة تتعمق بشكل رئيسي في بلدان العالم العربي.

بينما تتأرجح تركيا وباكستان ودول الخليج  بين أوروبا وروسيا ، وأخرى تلتزم الحياد، وفي المقابل تنحاز الجزائر سياسيا إلى جانب روسيا واقتصاديا إلى جانب أوروبا وقوميا إلى جانب القومية الفلسطينية، وأخرى تتخذ لها درجات متفاوتة، من التقارب أو التباعد بين الأطراف، ولكن الحياد في هذا الصراع ليس عملا استراتيجيا.

لأن التحيز لا بد أن يكون عميقا وخفيا أو مكشوفا، والسعودية تقع بين قوى جذب طرفي الصراع وأكثر الدول أهمية للأطراف لأهميتها في مجالات الطاقة، كما أن زيارة بايدن  للسعودية  ومن قبله فرنسا يعكس مدى أهمية هذه الدولة.

كما ومن جهة أخرى ساهمت الظروف الدولية تجنيب السعودية من تفعيل استراتيجية الدائرة الأضيق، مع بايدن، مما أدى إلى تراجع هذه الاستراتيجية إلى دائرة الضيقة، وهو ما اعطى السعودية قدرة مساحات مناورة إقليمية، وتعد هذه الدائرة ذات أهمية للأمن السعودي و أمن المنطقة ، ولكن هذه مساحات التأثير والتأثر تتقاسمه ثلاث دول إقليمية – السعودية- تركيا- ايران- بعد انحسار دور مصر كقوة إقليمية.

وتسعى أمريكا لإعادة دورها في توظيف القيم أو الصراع بالقيم  وذلك من أجل توسيع دائرة الصراع وتخفيف الضغط على أوكرانيا بفتح جبهات أخرى في سوريا والحدود الروسية واليمن وإيران، وهنا يأتي عامل الوقت وإعادة بناء الثقة مع حلفاء من التظيمات والدول أو القوى الثورية.

توجهات الصراع واحتمالاته:

أعاد بوتين مصطلح النازية الجديدة في خطاباته العسكرية وهذا من المصطلحات التي كانت من أهم محددات بناء الدولة الإسرائيلية، ومن أهم محددات تل أبيب  لمواجهة إيران في المنطقة، وقد ساهم الصراع من أعادة تفعيل دور ألمانيا العسكري و دورها التاريخي في سباقات التسلح، وعسكرة المجتمعات الصناعية خارج إطار الاتفاقيات والنظام الدولي الذي أقرته الدول الأوربية والولايات المتحدة و القوى الإقليمية الكبرى.

ولعل طلب بابا الفاتيكان من بوتين تجنيب المجتمعات العنف واعتماد الحلول السلمية واحدة من أهم مؤشرات استحضار القيم المسيحية في الصراع السياسي أو في بناء القيم المجتمعية، غير أن تجنيد المعتقدات في أوكرانيا أكثر حضورا في الصراع القائم  حيث تماهت الكنيسة مع المسجد في قيم الوطن والمواطنة والأمن القومي، وهذا كله من تداعيات تجديد الهوية القومية خصوصا مع صعود أيدلوجيات التاريخية والأيدلوجية اليمنية المتطرفة.

وفي المقابل سعت دول الناتو باتجاه أوكرانيا لكن في إطار تفعيل الحروب التقليدية أو العقوبات الاقتصادية بهدف إحداث انقلاب أو ثورة شعبية لا سيما بعد تراجع الروس عسكريا وتقدم أوكرانيا في ساحات الصراع،  ولعل استراتيجية بوتين  هدفت إلى تغير النظام في كييف وإحداث ثورة أو انقلابات عسكرية إلا أن عمق التنظيم الذي هندسته الولايات المتحدة عبر استخباراتها وسفاراتها أحدث تماسكا للنظام وهو ما أدى إفشال هذه الخطة البوتينية.

ومن جانب أخر فإن الردع النووي يحقق النصر في الحروب التقليدية، بينما استخدامه يجعل المعادلة صفرية (انتحار جماعي)، والمقاتل لا يخشى الموت بقدر ما يخشى الموت منفردا،   وقد يكون مشروعا ومسوغا في التفكير العقائدي والأيدلوجي والعسكري والنفسي وفي العقيدة النووية الروسية والأمريكية، وإن لم تتوافق مع القيم الإنسانية، على عكس أوروبا التي تراعي الجانب الإنساني لشعوبها، وتسعى للحفاظ على نموذجها الاجتماعي الثقافي الأكثر تأثيرا ناعما على مجتمعات وشعوب العالم، ومع هذا فإن هذه العقيدة مرتبطة بحالتين: الحالة الأولى: تعرض روسيا لأي ضربة نووية، والثانية: التهديد القومي للدولة الروسية بالأسلحة التقليدية.

ولعل الدور القومي الأوربي كان من أهم استراتيجيات فرنسا منذ عهد ديجول، وقد بدأ  واضحا مع ماكرون من خلال مساعيه المستمرة لإعادة تشكيل النسق الأوربي الموحد في قرارته الاقتصادية والعسكرية والصناعية بعيدا عن الولايات المتحدة ، وقد ساهمت التداعيات التي أدت إلى خروج بريطانيا، وإعلان أوكوس من بناء هذا النموذج الأوربي الذي حذر منه كسينجر، ولكن والصراع الروسي – الأوكراني قارب دول الناتو أو أعاد أوروبا الى دائرة التأثير السياسي  الأمريكي- البريطاني .

من جهة أخرى فإن خشية الولايات المتحدة من انتصار روسيا، له دواعي اقتصادية لأن ذلك يعني خروجها من دائرة التأثير في الشرق خصوصا في اليمن والعراق وسوريا، وأيضا ارتباطها بمنظومة القوى النفطية الخليجية (العراق، ايران ودول الخليج)، وأيضا سيطرتها على الملاحة الدولية. والذي سيقابله تراجع القدرة الدبلوماسية الأمريكية لا سيما بعد انسحابها من الخليج وأفغانستان والعراق، وتسييس الإرهاب ، ومحاولتها احداث تغيرات ثقافية وديمغرافية  وجهوية.

إن الأزمة الحالية تكمن في التصلب العقائدي بين كييف ولندن وواشنطن من جهة وموسكو من جهة أخرى والتصلب الأيدلوجي التاريخي لألمانيا من جهة ثالثة، وسعي الولايات المتحدة لإحداث ثورة روسية أو انقلاب أو اغتيالات داخل النظام وهو ما كانت تراهن عليه وتسعى لتحقيقه.

إلا أن ردة الفعل ترتبط بالطبيعة الأيدلوجية لصناع القرار السياسي، فعلى سبيل المثال التصلب الأمريكي يقابله الدبلوماسية الفرنسية التي تدرك مخاطر استبعاد روسيا، وخطر استخدام الأسلحة النووية. بينما تحاول الولايات المتحدة معرفة القوة العسكرية لروسيا من خلال دعم غير مباشر لكييف، وحصر المعارك في نطاق أوروبا الشرقية، وفي حال توسع الصراع فسيكون  المتأثر به كل من دول أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط ضمن دوائرها الخمس لا سيما وأن الولايات المتحدة تتجه حاليا نحو تجنيد جماعات غير نظامية في منطقة الشرق الأوسط لتشتيت القدرة الروسية بين حربها في كييف أو مصالحها في منطقة الشرق الأوسط.

وتعمل حاليا على دعم خطوطها الدفاعية الطبيعية في بناء ترسانة دفاعية قوية تحيط بمنطقة الأسكا الأكثر تضرر في حالة توسعت الحرب النووية، وهذه الأحزمة الدفاعية الطبيعية والعسكرية هو ما تفتقر إليه دول الاتحاد الأوربي. وهنا نشير إلى حيادية إسرائيل التي أخذت بدلوماسية المتغيرات والدبلوماسية الوقائية ، وقدمت نفسها كوسيط لحل الصراع بين الدولتين لادراكها باحتمالية التحول الدولي  إلى نظام متعدد القطبية.

فإذا كانت القدرة العسكرية الروسية ارتبطت بثلاث محددات ملموسة تمثلت بالجغرافيا المترامية، والطاقة، والقوة العسكرية، فقد استطاع الغرب تحييد الطاقة كقوة اقتصادية إلا أن حضور الصين ومنظمة أوبك في قراراتها سيساهم في تخفيف هذا الأثر السلبي من العقوبات الغربية وعلى أساس هذه الفرضية  نبرز أهم الاحتمالات المتوقعة في الصراع الروسي- الأوكراني بما يلي:

  • أن تستخدم روسيا القوة الجوية لضرب أهداف حيوية، ومن ثم توجيه ضربات مفاجئة للجيش الأوكراني والذي سيترتب عليها انهيار أوكرانيا، وهذا الاحتمال يتناسب مع طبيعة الإرادة والقوة العسكرية الروسية..

فإذا تم تفعيل دور القوة الجوية مع القوة البرية  في هذا الصراع فإن ضرب مقدمة الجيش الأوكراني سيؤدي الى توغل الجيش الروسي في الشرق وهو المجال الحيوي للقوات البرية الروسية، وهنا تتشكل ثنائية التكامل بين القوة البرية والقوة الجوية، وبذلك تكون القوة الجوية داعمة لنظرية البر أو أنها تضيق  فارق التسليح بين الجانبين.

  • أن تدخل دول الناتو في صراع مباشر مع روسيا إلى جانب أوكرانيا وسيكون مبررا لروسيا في استخدام السلاح النووي الوقائي وهذا الاحتمال مرتبط بالتدخل الأوربي المباشر، وله تداعيات إنسانية واقتصادية على أوروبا والعالم الإنساني.
  • أن يستمر الصراع إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية، ومن ثم تتخذ الإدارة الأمريكية الجديدة الدبلوماسية في حل الصراع، وسيكون حل الصراع قائم على تفعيل مبدأ حق تقرير المصير باجراء استفتاء للمناطق الأربع التي سيطر عليها الروس.
  • أن ترضخ أوكرانيا للتفاوض أو اللجوء إلى المؤسسات الدولية من أجل تفعيل الاتفاقيات الدولية السابقة وهذا سيترتب عليه تجميد الصراع مع بقاء المناطق المحتلة تحت السيطرة الروسية.
  • أن يؤدي طول أمد الصراع إلى إحداث انقلاب في أوكرانيا أو روسيا، فإذا افترضنا حدوث ذلك في روسيا فسيكون سببه إخفاقات الجيش الروسي. أما إذا كان في أوكرانيا فسيكون بفعل استخدام الضربات الجوية على أهداف حيوية تقطع أوكرانيا عن حلفائها في أوروبا وأمريكا على جميع صعدها اللوجستية والدعم المباشر.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.