في مفهوم الثورة وسياقاته

0 6

د. قاسم المحبشي

كلمة ثورة مشتقة من لفظة لاتينية قديمة (Revolvere) بمعنى «يدور»، إذ كانت في كل استعمالاتها المبكرة تدل على حركة دوران في مكان , فضاء أو زمان، وهي ترجمة لمصطلح وضعه يوليوس اليوناني لوصف الحركة الدائرية الاعتيادية المتكررة للنجوم، وبقي هذا المعنى الرئيسي لحركة فيزيائية متكررة وحتمية بشكل رئيسي في المعنى التقني المرتبط بالمكان (Revolutions) دورات، وعادة ما تختصر إلى (Revs) هذا المعنى هو الذي تم نقله إلى المجال السياسي على سبيل المجاز، بمعنى أن أشكال الحكومة القليلة المعروفة تدور بين البشر الفاني بتكرار أزلي، وبالقوة ذاتها التي لا تقاوم وتجعل النجوم تسير في الدروب المرسومة لها فيه السماوات. وهكذا أُنزِلت الكلمة من السماء إلى الأرض لأول مرة في القرن السابع عشر مع ثورة كرومول عام 1688.

بمعنى «تقلبات القدر» أو «دوران الحظ» ويرى وليامز أن الاستعمالات المختلفة لكلمة «ثورة» كانت تكتسب خلال القرن 17 الميلادي معنى سياسياً مشوب ومتشابك مع المعاني الطبيعية والدينية، تقلبات الحظ والعناية الإلهية، لكن المهم أنه منذاك تم التمييز بين كلمتين (Rebellion) تمرد وعصيان، وبمعنى تدمير القوانين و (Revolution) ثورة، بمعنى تدمير الطغاة ومن أواخر القرن 17 ساد معنى ثورة، وكانت الإشارة المألوفة إلى (The revolution) «الثورة» بألف ولام التعريف الكبيرين، واستعملت كلمة «ثوري» كأول أسم لمن قام بالثورة أو ناصرها.ويعود تفضيل كلمة «ثورة» على «تمرد» إلى أن المعنى الدوري في الأولى تضمن استعادة (Restoration) أو تجديداً لسلطة شرعية سابقة في تمييز لها عن تحرك ضد السلطة دونما تبرير لذلك.. فضلاً عمّا منحه إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك من زخم جديد للمعنى «ثورة» على المستويين المحلي والعام.


من هذا التاريخ المتحول للمفهوم وسياقات دلالاته استلهم توماس كون مفهوم الثورات العلمية بعد أن أعاد صياغته وتهذيبه بما مكنه من نقله من المجال السياسي إلى المجال الفلسفي واستعماله وتوظيفه في بناء نسقه الفكري, بدون إن يخفي أوجه التماثل والتلازم بين الثورات السياسية والثورات العلمية .إذ أكد “أن الثورات السياسية تبدأ عن طريق إحساس مطرد بأن المؤسسات القائمة قد أخفقت في مواجهة المشاكل التي تفرزها الحياة الاجتماعية ، وبالمثل تبدأ الثورات العلمية عن طريق إحساس مطرد النمو بأن (الباراديم) النموذج الإرشادي, قد توقف عن تأدية الدور المنوط به في الكشف عن إجابات ممكنة للمشكلات العلمية ، ((كما هو حال الثورات السياسية)) كذلك في مجال التطور العلمي يكون الإحساس بسوء الدور الذي قد يؤدي إلى أزمة شرطاً أساسياً للثورة ، هكذا تشترك الثورات سواء السياسية منها أو العلمية بمراحل تكوينية متماثلة، هي أنها مسبوقة بإدراك أن هناك خطأ في مكان ما في النظام السائد . هذا أولاً: وثانياً: هناك محاولة رصد هذا الخطأ وتشخيصه وتحديده بدقة ومن ثم تصحيحه. وأخيرا تكون نتيجة إزالة الخطأ تغيرات ثورية بصيغة ما قد تكون ضيقة النطاق, مثل تعديل بعض المفاهيم والمؤسسات,وقد تكون شاملة, مثل قلب (الباراديم) السائد أي النظام بأكمله “
فالثورات العلمية هي “تلك الأحداث التطورية غير التراكمية التي يستبدل فيها نموذج إرشادي) بارادايم) قديم بنموذج إرشادي جديد يناقضه ” ، وتعبرا لثورات الصغرى عن الاكتشافات الثورية التي لا تدخل ضمن توقعات الباراديم السائد ولكنها تحدث ضمن نطاق ضيق بتن عدد محدود من العلماء لا يتجاوز العشرين عالما بينما تصف الثورات العلمية الكبرى الابتكارات العلمية الجديدة التي تؤسس تقليداً بحثياً جديداً وتفرض رؤية كلية جديدة وتهدم النظام السابق ويتجاوز تأثيرها المجال الذي حدثت فيه إلى مجالات أخرى من النشاط الإنساني ، وربما تطبع العصر كله بطابعها الخاص, وهذه الثورات نادرة الحدوث في تاريخ العلم، وابرز مثال لها الثورة الكوبرنيكية نسبة ثورة العالم الفلكي كوبرنيكوس 1473-1543 التي غيرت النظرة الكلية للإنسان إلى الكون و إلى الحياة والمجتمع والتاريخ وإلى ذاته وإلى المعرفة وأدواتها وطرائق استعمالها, ومثلها ثورة النظرية النسبية والكوانتم في الفيزياء المعاصرة التي شهدها القرن العشرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.