صورة المرأة الجزائرية في الفكر الاستشراقي الفرنسي ومعاول التشويه في سلم القيم الاجتماعي

0 8

 لحسن محمد لمين/باحث مختص في تاريخ الجزائر

طالب دكتوراه التاريخ العسكري المعاصر

لطالما مثلث المرأة بصفة عامة، والجزائرية بخاصة، الصورة النمطية المبهمة للمجتمعات الغربية على غرار المفكرين الفرنسيين منذ قدم، حيث كان من الصعب بمكان أن يتم تشريحها في مختبراتهم الأنثروبولوجية ذات التوجه الكولونيالي (الاستعماري) ، من حيث البيئة وتصوراتها ومكانتها في المجتمع الجزائري الذي وصفته كتاباتهم بالذكوري؛ فحين كانت فرصة الصدمة الحضارية واحتلال الجزائر عام 1830م، المنطلق المجيب عن تلك الحلقات المبهمة والمتنفس للإلهام والتشويه ورسم ملامح مرأة مسلمة جزائرية تتعارض كل الاعتراض مع مبادئها وقيمها الاجتماعية الموروثة عن مرجعيتها وأصولها وتربيتها الخلقية، صاحب ذلك صناعة نمطية جديدة أساسها الحقيقة المزيفة.

       أَوْلى الاستشراق الفرنسي اهتماما عميقا للمرأة الجزائرية، كونها كانت بمثابة الحلقة المفقودة في تصوراته الإثنية وعنصر الاستغراب والدهشة في مخططاته الاستعمارية؛ إذ استوجب عليه رفع ذلك اللبس عبر التأسيس لمخيال يتلاءم وفكره عبر فن الاقناع السيكولوجي، وذلك من خلال تصوير الحياة الاجتماعية والتركيز على المرأة عبر لوحات فنية لأشهر الرسامين في مقدمتهم “دولا كروا” (De la Croix)، الذي نقل صورة المرأة الجزائرية في أشكال الرومانسية بهدف الدعاية والاستقطاب والإغراء عن الجمال الذي يخفي من وراءه ترويجا للسياسة الاستيطانية بالجزائر.

     ليكون الفنان “أوغست روبير” (August Robert) قد تجاوز كل حدود القيم الأخلاقية للمجتمع الجزائري، حينما أظهر في لوحاته تصويرا للخصائص الأثنية مشوها صورة المرأة على شكل جواري شبه عارية، كاشفا حقيقة مزيفة مغرضة على هتك ستار المرأة العربية المسلمة ضاربا في عرضها، والتي في حقيقة الواقع التاريخي لم تكن كذلك، بل عُرفت بالحياء والعفة والاحتجاب عن الغرباء، وخاصة أن الهندسة المعمارية للمنزل الجزائري، القائم تثبت حياة اجتماعية عفيفة، تتلاءم للقيم الأخلاقية والدينية.

     تلك نماذج لكثير من الفنانين المستشرقين الذين حاولوا تصوير المرأة الجزائرية على غير حقيقة الواقع، بل لجعل رسالة التمدن والحضارة التي ادعتها الحملة الفرنسية تتناسب ومعاول الهدم الاستعماري في مقدمته البناء الثقافي، والذين أرادوا أن ينطلق من التفسخ الأخلاقي وضرب مقومات وعناصر الهوية الجزائرية من جذورها عبر المساس بشرف الرجل الجزائري وقوام بيته، المرأة التي تمثل اللبنة القاعدية للأسرة، وعماد التربية والتعليم وصناعة أجيال الغد.

     فنظرية الاستعلاء والتفوق للسيطرة على الحضارات، والترويج للتصنيع الغربي القائم على بناء امرأة جزائرية خادمة للفكر الاستعماري ليس بتشويه صورتها الأخلاقية، بل التجاوز في إحداث بؤرة تأزم في مخيالها بحيث تزعزع قيمها وتغير من معتقداتها، وتحدث عدم توافقية مع كيفية انماء حياتها وآثر ذلك، ويتسنى عبر نشر ترويج لبناء ثقافي هدام للعمران الجزائري واستعاضته بفكر قوامه جعل الرجل الجزائري يخجل من المصير الذي يخصصه للمرأة، وقد توصل “بيتر كانوس” (Peter Knauss)  سنة 1987م إلى أن البيئة الملاءمة للاستيعاب الثقافي وتغيير الأدوار لدى المرأة ما أسماه بالعملية الانتقالية المادية، تظهر من خلال طبقة الفلاحين الوسطى والبرجوازية الحضرية، أي تحويل دورها من بناءة للأجيال وخزان للفضائل والتربية إلى مرأة براغماتية مصلحتها قبل مبادئها.

     لكن المرأة الجزائرية أثبتت العكس طوال مسار تطور المجتمع؛ فقد قابلت تلك الصور المشوهة لها ولقيمها في المجتمع من خلال الفكر الاستشراقي، عبر نماذج حضارية تعكس حقيقة شبكة للعلاقات الاجتماعية المترابطة المتينة؛ إذ أظهرت بطولاتها في المقاومة الوطنية وفي ساحات الوغى إلى جانب الرجل؛ فكانت المجاهدة والمسبلة والفدائية والممرضة، والمربية والناشئة والمعلمة لأجيال أضحت في الغد وقود الثقافة الجزائرية وسعاة بناءها، كما فندت بأعمالها كل معاول اختراقها ثقافيا وأظهرت أنها مكرمة وحرة بإسلامها ومرجعياتها وأصولها، وتصدت لكل عمليات التحكم النابعة من الغرب الذي أولى جهود اهتماماته بتشويهها وبلوغ مقاصده بمقارنتها مع المرأة الغربية على صورة متجانسة تعكس المنطلق الفكري بالدرجة الأولى.

    اليوم تقدم المرأة الجزائرية دروسا في التضحية والبناء الأخلاقي بالدرجة الأولى، والفكري الثقافي، وتسعى لرصي شبكة العلاقات الاجتماعية وحماية وطنها من كل عمليات التسلل لضرب مقوماتها وتشويه صورتها، وتقدم تجارب حياة أنموذجية في عدة مجالات، وترسم معالم سنة الخالق في الأرض عبر تنشأة أساس متين وذرع حام لكل أشكال الاستغراب بعدما تمكنت من فضح خلفيات الاستشراق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.