صراع القيم بين غوغائية الأحزاب المدنية وأزمة السلطة

0 9

د. جمال الهاشمي

ما الفرق بين المدينة والمدنية في ظل إشكاليات القيم العربية و العالمية وما هي المناطات والفروق الجوهرية  وأين موقع حزب التجمع الوطني السعودي المعارض منهما وبقية الأحزاب العربية في الداخل والخارج؟.

تعاني أكثر الأحزاب  العربية من إشكالية التأسيس؛ فالبعض منها تتسخدم القيم الإسلامية قاعدة وظيفية وإعلامية لارتباطه بقيم التدين المجتمعي مما يمنحها القدرة تشكيل الرابطة الإيمانية، ويتوقف نجاحها أو اخفاقها قياسا على مستوى نسبة الوعي المجتمعي وترتبط بالمذهبية لقدرتها لى معايشة جوانب الحياة السياسية والمجتمعية انطلاقا من المقولة القائلة بأن الدين هو الحل.

ولأنها وظيفية فإنها تسعى لتوسيع دائرة الحلال لتوسيع قاعدتها الشعبية انطلاقا من أهوية الناس واهتماماتهم، ويقابل توسع دائرة الحلال تضييق دائرة الحرام انطلاقا من النظر المقاصيدي أو من خلال القواعد الكلية العامة، أو المبادئ العامة مثل مبدأ المصلحة فتتسع هذه الأصول تتقارب مع العقل المجرد، وهو ما يمنحها القدرة على المناورة وتبقى الصبغة القيمية الأساس التعبوي بينما العقلانية الوظيفية هي التي تحدد مسارات العمليات المؤسسية والأخلاقية انطلاقا من مدخلي الإصلاح والتغيير وهي من مميزات التغيير الناعم أو المعارضة السلمية من داخل الدولة.

لكنها إذا أخفقت مع السلطة ولم تحقق مصالحها الحزبية وهو الأساس المعتمل منذ بداية النشأة تصعد من من وجودها من خلال تضييق دائرة الحلال وتوسيع دائرة الحرام وفي هذه المرحلة تحاول أن تؤسس لفلسفة أخرى يعيدها إلى النكوص الأول للتخلي عن الإفراط في مسارها الأول الذي اعتمدت قاعدة توسيع دائرة الحلال ومن ثم تمر بمراحل أخرى من مراحل تصعيد المعارضة من التغيير الناعم إلى التغيير الصلب ومن ثم تنتقل من فلسفة الطاعة المطلقة للحاكم إلى فلسفة الخروج عليه.

ولكن هذه الفلسفة الثورية تتخذ مسارات مختلفة إما الانحياز لقوة قائمة تضمن السيطرة عليها أو مناصفتها أو التأثير في قراراتها أو تلجأ إلى التغيير المسلح.

وبين دائرة التضيق والاتساع والانفتاح والنكوص تستمر حلقة هذه الحزبيات المتدينة المعاصرة.

وتختلف صيغ التعليم لهذه الحزبيات إذ أنها تعتمد على ثلاثة مستويات  مستويات تغذية العاطفة الإيمانية وترتبط بالقاعدة العامة، ومستويات تغذية العقلانية التنظيمية، ومستويات تغذية العقلانية التنظيرية.

وتتعمد القاعدة التنظيرية فلسفة التغيير فعندما تتوسع في دائرة الحلال تقترب من الفلسفة المدنية المتأسلمة، كالمعتزلة والفرق الكلامية، وعندما تضيق دائرته في مقابل توسيع دائرة الحرام تتعمق في الفلسفات الطائفية كالخوارج في حالة اعتماد مبدأ القوة، والقدرية في حالة التقوقع داخل المجتمعن وبين هذه المسافات تتولد الكثير من الحركات.

أما الأحزاب المدنية فإنها تتوزع بين نمطين أساسين:

النمط الأول وهم الأحزاب الليبرالية وتتمحور على فكرة استبدال القيم السائدة بقيم أكثر وظيفية وعقلانية،وترتبط بالقوة الدولية الإمبريالية التوسعية والثقافية وتتجرد عن القيم الدينية وتحاول خلق نموذدجا أخرى من النماذج التي ترتبط بأهوية الناس وأبلغ تعبيير عنها هو ما يسمى بالمدنية، وجوهر فلسفتها المساواة، وتتأسس وظيفتها العملية على أساس الحقوق المدنية والتي تغذي حاجة المواطنين في جميع أساسيات الحياة من سكن وصحة وتعليم مجاني،  والحقوق السياسية والتي تغذي الطموحات الفردية والتنظيمية داخل المجتمع.

وهذه الأحزاب تؤمن باستبدال القيم التقليدية والرجعية والدينية بقيم وظيفية محسوسة كالحركات الشيوعية والديمقراطية والمدنية المتطرفة، وتتخذ من شعارات الديمقراطية والمدنية والشيوعية مبادئ مقدسة تستظل تحت رايتها القوة الصلبة، وهم يؤمنون بالتغيير الجذري للنظام وللمجتمع.

أما الصنف الثاني من الأحواب فهم الأحزاب الإنسانية المدنية  ويعتمدون سياسة المقاربة مع بقاء الأصل إذا ينطلقون من الأسس الرأسمالية أو الأسس الاشتراكية ولكنهم في المقابل يتقاربون مع المعتقدات المجتمعية الطرقية أو المرتبطة بالزوايا لتمرار مبادئهم، فتبدأ معهم فلسفة المقاربة لتوسيع قاعدتهم المجتمعية وتنمية نماذج النبؤات الحزبية الجديدة، وهذا هو التدرج الأول.

أما التدرج الثاني فيعمد إلى فصل السياسة عن الدين والعقلانية السياسية المدنية عن العقلانية العمالية المجتمعية، ومن هنا تتشكل أنظمة الفصل بين النظم العسكرية والنظم المدنية إذا تكون الأولى منظرا ومحددا ومؤسسا للقيم والقوانين والقواعد المدنية.

ومن ثم فإن الأحزاب العربية بشقيها الإسلامي والاشتراكي يسعون إلى الهدف نفسه مع اختلاف الأسس والقيم والوسائل بين دائرتي التبرير والتغرير.

والفرق بين المدنية والمدينة أن الأولى ذات ايدلوجيات ثقافية وقيمية فهي تنطلق من الفكر والتنظير،

 فالديمقراطية هي فكرة تنظيرية أسست لقيم الثقافة المدنية والعلاقة بين الشعب والسلطة والمؤسسات وبعضها، ثم تحولت إلى قيمة مدنية مقدسة، وتولدت من داخل الفلسفة والقيم والمعتقدات والأساطير اليونانية ثم تطورت بقيم روما العسكرية فالقيم البيزنطية والفرنجية وقيم أوروبا الوسطى وأعيد تدوير التاريخ في فلسفات متعددة عقلانية وعلمية ..الخ.

وفي إطار رؤيتنا للحزبيات العربية فإنها تتمحور على الثقافة المدنية بصيغها المختلفة متأسلمة أو ليبرالية  والقاعدة التي تنطلق منها هي التي أوجدت التناقضات النفسية والأخلاقية والسياسية.

وتبقى فلسفة القوة من الأدوات التي تتواجد بقوة في حالة الإخفاقات الحزبية، ومرحلة تالية من مراحل المعارضة السلمية. أما القيم فإنها تتشظى في الواقع وتنحرف عن الأصول كلما سنحت الفرصة لتحقيق مكاسب ومن ثم وفي حالة الإخفاق تحاول الرجوع إلى الأصل الأول.

أين تكمن الأزمة؟

تكمن الأزمة في أحادية العقول وذلك أن العقول العربية لا تستطيع العمل بصورة جماعية كما انها لا تعتمد المنهجية العلمية في صياغة القرارات الاستراتيجية وتحديد دوائرها للعمليات التكتيكية، وهذا هو الشاهد الملموس فبقدر ما ما تصل إلى القمة تعود مباشرة إلى القاعدة واخفاقاتها المتكررة يعكس حجم التناقضات النفسية والعقلية وانفصالها عن المبادئ الأصولية.

وبالمثل فإن السلطات السياسية القائمة تتعرض للانهيار بين نقيضين: قيم الأسلمة المدنية وقيم الليبرالية المتحللة.

ولأن السلطات السياسية هي جزء من هذه المنظومة، وتأسس على القوة القتالية فإنها جزء من تشكيل هذه الثقافة وجزء من تفعليها ولهذا فإن الأنظمة العربية جزء من الأزمة لتبذبها بين قيمين، ولكنها تسرع بانيهارها في حالتين:

  • التضييق على القيم المجتمعية ومن ثم فإن تفككها من الداخل بهذه المفارقة أكثر تأثيرا من الخارج، وهذا التضييق في الأصل يخدم فئة ظاهرة في المجتمع ونشطة لكنها لا تعبر عن العامة وهم الغالبية والقوة الكامنة التي تتحرك عندما تجد القيادة التي تعبر عن قيمها.
  • التضيق الاقتصادي وهو اتساع الفجوة الاقتصادية بين المجتمعات وغياب المنظومة العدلية التوفيقية والتسييرية للحياة الاقتصادية والتنموية.
  • التضييق على الحريات الدينية والفكرية والسياسية لأن هذا التضييق يجفف العقول عن المعرفة الواعية ويوسع مساحات الفراغ فمن يملأها بالمعرفة يكون له القدرة على استغلالها لا سيما مع اتساع قنوات الاعلام وانتشارها عالميا بأنواع مختلفة.

لهذا فإن الإعلام المعبر عن العاطفة والحاجة هو أكثر قدرة على التأثير من العقلانية المنطقية لعدة أسباب منها:

  • اعتماد النظم السياسية سياسة التعليم الموجه .
  • فصل التربية العقلانية عن التربية العاطفية.
  • تغييب محددات التعليم عن التعليم الأصولي.
  • اعتماد وسائل التعليم بالنقل.
  • ضعف القدرات المنهجية واعتماد النظريات المنهجية الجاهزة.
  • غياب فاعلية العقل الوطني.
  • ارتباط القيم والذواق والمنهج والتعليم والفنون والجماليات والمنطق بمنطق القوى المهمينة.
  • غياب النموذج القيادي الحضاري العربي على مستوى القيادة الشرعية والمعارضة.

لكن ما هي المآلات المتوقعة؟

ستشهد المنطقة العربية سلسلة من الصراعات والأزمات وستتوسع داخل الدول المستقرة نسبيا والتي تشهد تشظيا ناعما وهو مقدمة من مقدمات التشظي بالعنف.

وستتعرض الأنظمة الحاكمة للتغيير الممنهج من خلال موقعها من المعارضة، وقد بدأت المرحلة الأولى بثورة الربيع والتي غيرت ملامح المنطقة العربية سياسية وثقافيا وأخلاقيا واقتصاديا إلى الأسوأ، وقد هزت هذه الثورات الأنظمة العربية المستقرة التي سعت لحفظ وجودها بالحفاظ على الأنظمة القائمة. وهو ما يعني تشغيلها للإمكانيات دون ارتباطها بقالقيم العدلية المتعلقة بإرادة المجتمع، وقد وسع الفجوة عليها نظرا لتغيير منظومة القيم المجتمعية التي أصبح حاليا أكثر انفصاما وتشظيا في دول الثورات الفاشلة، وهو ما أدى إلى توسيع دائرة التدخل الدولي والإقليمي في دول الربيع، في ليبيا واليمن وسوريا والعراق والسودان بينما تتعرض الدول المستقرة لهزات عنيفة من مداخلها وضغوط دولية من خارجها، واضطرابات في كثير من مواقفها، وهذا الاضطراب كشف مكامن ضعفها للقوى الدولية المهمينة، لا سيما وأن البعض منها كانت من الدول التي تدخلت في دول الثورات الفاشلة مع تصادم الارادات وغياب الرؤية المنهجية الموحدة.

أما مصر التي كانت الدولة الثانية بعد العراق وسوريا بعد أن كانت الدولة الأولى في عهد جمال ناصر والسادات فإنها تعاني من خناق يهدد استقرارها ويتوجب عليها أن تتحول بعد سقوط العراق إلى دولة تابعة أو تتعرض لضغوط نفسية واقتصادية بين إرادة إسرائيل وإيران وتركيا وتحركات أثيوبيا والأزمة الأمنية على الحدود الليبية والانقسامات المجتمعية في الداخل.

أما إيران فإنها تحفظ استمرار وجودها في المنطقة لعدة أسبابها منها ارتباطها بميلشيات مسلحة في أكثر من ثمان دول عربية وغير عربية إضافة إلى وجودها النشط في عشر  إلى 12 دولة أخرى، وانتشارها على الساحة أكثر من انتشار تركيا رغم وجود معارضة في كل ايران إلا أن هذه المعارضة لا تجد دعما دوليا ومجتمعيا بالصورة التي تجدها معارضة السعودية والإمارات.

ورغم أن جميع هذه الدولة مستهدفة إلا أن استهدافها يخضع لأولويات مؤسسية مصنوعة سلفا، لأن تدمير الأنظمة يبدأ من الداخل حتى إذا تعرضت الدولة للانهيار وتحولت إلى دولة فاشلة مهددة للامن الدولي تخضع وفقا لقانون الأمن الدولي للبند السادس كما كان في العراق والبند السابع كما هو حال اليمن ومن ثم يتم تحييد المناطق الحيوية الاقتصادية والنفطية والملاحية وحمايتها دوليا ورسم نطاق الصراع والحروب الأهلية في مناطق الداخل وتغذيتها بما يمنع تهديد المناطق التي ستخضع أو خضعت لقواعد الدول العظمى.

ما هو علاقة الدور بين ممارسة القوى الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط؟

تمارس الدول الإقليمية دورا سلبيا على أمن منطقة الشرق الأوسط وأمنها، نتيجة لتعارض المعتقدات والقيم والمصالح في المنطقة وجميعها تتبنى قيما لا يمكن المصالحة بينهما إلا كوسيلة من وسائل التكتيكات المصلحية التي تمكن القوة الأكثر قدرة عقائدية من التهام وتدمير الدولة المتذبذبة بقيم قيمها الوطنية والقيم الوافدة التي تفرضها على مجتمعها للتحبب واسترضاء القوى الدولية..

 وهو ما فرض على بعضها تبديل قيمها المجتمعية وهي سياسة ارضائية للقوى الدولية غير أنها تخلق الصدام الأهلي داخل الدولة بين قيم وافدة استرضائية للأخر ومقاومة وطنية لحماية القيم المحلية، وهذه الفجوة الصراعية بقدر ارتفاع وتيرها سيكون نهاية نظام الدولة ومن ثم سيكون انزالها تحت أحد البندين في مجلس الأمن.

لكن التساؤل متى سيكون السقوط ؟ يكون السقوط على أكثر تقدير بين 15 و30 عاما ويرتبط بقدرات وامكانيات الدولة وحجم المصالح واستقرار المجتمعات، فالدول التي تتعرض لهزات اجتماعية وحركات انفصالية تأخذ هذا الوقت في أقل تقدير 15 عاما وأكثر تقدير خلال 30 عاما، وبقدر ما تسارع الدول من غير وعي في اتخاذ القرارات يكون الواقع المتشكل بفرض القوة.

إن القرارات داخل منطقة الشرق الأوسط لم يعد مرتبطا بالسيادة الوطنية فذلك من الوهم المعاصر ومن ذكريات الماضي ، لأنه لا يوجد أي قرار في أي دولة من دول الشرق الأوسط إلا أقلها غير متحدد بالإرادة الدولية.

لكن وضمن فلسفة الأولويات الدولية أي النظم تكون أسبق في استراتيجيات الفعل الدولي؟ وهو ما يعني أن الفرص المتاحة هي العامل الثانوي الذي يضمن الاستراتيجية ولا يغيرها، ومن مؤشرات استهداف الدول القبول بتشكيل معارضة في الخارج برعاية دولية؟ استهدافها برعاية حقوق الإنسان، وتوريط الدولة بسلسلة من التدخلات في شؤون الدول المحيطة بها، وتوسيع تورطها في الصراع في ذلك، إضافة إلى تعبئة الرأي العام العالمي وتدمير سمعتها الأخلاقية، وهذا ما حدث بالفعل لكل من ليبيا والعراق والسودان وافغانستان، وعلى الهامش تضمنت سوريا واليمن ولبنان . وهذا المرحلة الأولى . بينما الآن تتعرض كل من السعودية وتركيا وإيران بالصورة الاستراتيجية وستتضمن دويلات ودلا أخرى محيطا ضمن استراتيجية الاتجاه ومقومات التضمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.