روسيا في مواجهة الغرب بين الطريق إلى الوجود أو العدم

0 2

روسيا في مواجهة الغرب بين الطريق إلى الوجود أو العدم

د. جمال الهاشمي

عندما تكون الصهيونية العالمية والولايات المتحدة عدوك فاصدقاؤك يكثرون، بهذه العبارة يمكننا معرفة المكانة الأمريكية داعية الأنسنة والسلام وصانعة الحروب والكوارث السياسية، راعية الحقوق وعدوة الحرية، دعية العدالة وعدوة الإنسانية. بهذه المقولة يمكننا  قراءة متغيرات الوعي من خلال الحرب الروسية الأوكرانية .

قد تكون أوروبا تحب السلام الأوروبي على غرار السلام الروماني في الوقت الذي لا تسمح بعولمة السلام لأن عالميته يقتضي غياب النموذج الغربي للعوالم الأخرى.

فهي مع العولمة الاقتصادية عندما يكون الاقتصاد والمال والثروة والاستثمار متمركزا فيها، وضد تهديد العالمة عندما تتعدد مراكز الاقتصاد العالمي. وقد تكون مسلوبة الإرادة بالقدر الذي يمنحها حرية الرأي ضد قيم الآخر الأضعف، وتنتهي الحرية عندما تهدد قيمها المركزية والنموذج وقطبية الثقافة والقيم والفرد والتمدن والديمقراطية.

عندما يكون الأمتحان للآخر نزاوج بين المعايير العالمية ومعايير الذاتية  لتقييم الآخر، وعندما نخصع للامتحان في إطار فلسفة المعايير العالمية والمعايير الذاتية من منظور آخر ستكون المعادلة صفرية، وهنا تأتي فلسفة القوة والجبرية لترجيح كفة الأقوى.

وعلى أساس ذلك برز دور المفكر الروسي في صناعة النموذج الإعلامي والفلسفة الثقافية التي تتناسب مع متغيرات شتى أبرزها طغيان النموذج الثقافي الغربي في اضطهاد القيم والثقافات الأخرى انطلاقا من قيمه، وتاريخه، ومقاومته للرأسمالية،  ودفاعه عن المقهورين، والعمال

ومن خلال المفكر السياسي الروسي أعيد صناعة الخطاب بما يتناسب مع المفاهيم الإنسانية والاشتراطات الواقعية، وتصدرت لغة السياسة الروسية بخطابات وجدانية حركت العمق الإسلامي الاجتماعي، وتجاوبت معها النظم الإسلامية والعربية أو التزمت الصمت لكنه صمت العذارى.

لأول مرة في تاريخ العمق الروسي يتقدم المفكر السياسي ليأخذ الصدراة في إبراز معالم الخطاب الروسي متضمنا القيم الإنسانية وقيم المسيحية والقيم الإسلامية والقيم الشرقية وفيها ثلاثة رسائل:

– جيودينية: وهنا تأتي استراتيجية الخطاب الديني من منطق التعدد والتنوع الإنساني والقبول بالآخر وحرية التعليم، وبهذه الرؤية يبدد استراتيجية الخطاب الديني القائمة على عقلنة التدين ودمجه في ديانة عالمية غنوصية عالمية تحت مظلة الإبراهيمية من منطلق التصهين العالمي الإنساني.

-جيوثقافية: وبهذه الرؤية أبرز أحادية الرأي والثقافة الغربية الآرية وخطرها على التنوع والخصوصيات الثقافية و الفكر الإنساني الجغرافي الحضاري، لا سيما وأن أبرز المتضطهدين بها في أوروبا الثقافتين الجرمانية والفرنسية، والثقافات الهندوأوربية والشرقية عموما والثقافة السلافية والإسلامية على وجه الخصوص والتي خضعت لجبرية الثقافة القطبية وتنازلت عن خصوصيتها الحضارية وقيمها الثقافية.

– جيواقتصادية: وهنا يبرز على خارطة العالم الاقتصادي منظمة شنغهاي في أكثر مناطق العالم حيوية وانتاجية وعسكرية وبشرية إضافة الى مواردها الطبيعية وأسواقها الاقتصادية.

وارتباطه بالجغرافيا والمجتمع والتاريخ والأنسنة والثقافة والواقع وقدرته على التأثير كأقوى فكر عالمي وريث للماركسية التي هددت سلطة الكنيسة وأوجدت فلاسفة التنوير، واقتصادنا الذي صحح مسارات الاقتصاديات الرأسمالية.

إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي ودخولها في تحالف أوكوس  لمواجهة الصين بحسب التصريحات الأمريكية  كان في الأساس رسالة ثقافية انجلوساكسونية للجرمانية والفرنكفورنية والقارة الأوربية الغربية.

لم تكن روسيا تشكل تحديا مفاجئا بحسب الفكر الجيوسياسي الغربي مقارنة بالخطر الأصفر وقوته الاقتصادية الناعمة، وقوته الإنتاجية الذي يهدد القدرة الإنتاجية الغربية.

وفقا لاستراتيجية الاقتصاد فإن وجود الثروات الطبيعية كالنفط لا يشكل خطرا استراتيجيا على العالم الصناعي المتقدم، وإنما الخطر الحقيقي هو الذي يسعى لامتلاك المعرفة، والذي يؤسس لدولة مجتمع المعرفة، هذه من جهة، ومن جهة أخرى القدرة العسكرية والسياسية والاقتصادية الساعية للسيطرة على مصادر الموارد الطبيعية والسوق العالمية، مما يعني إعادة نقل تدوير مراكز الرأسمالية أو تعددها.

وبحسب هندسة الصراع الأمريكي فإن روسيا لا تهدد الأمن القومي الأمريكي ولا استراليا ولا الجزيرة البريطانية بقدر ما يكون التهديد لأوروبا التي تعد واحدة من أهم جغرافية الارتطام الجيواستراتيجي، وأكثر الجغرافيات تضحية في الصراع الأمريكي الروسي غير المباشر في أوكرانيا.

وهنا نبرز أهم التحديات التي تهدد أوروبا من الحرب الروسية على أوكرانيا:

  • تهديد التنمية الأوربية، بقطع أمدادت الطاقة مما قد يرتب عليه انحسار مجتمع الرفاه، وانهيار القدرة الإنتاجية، وما قد يترتب عليه من سلبيات أهمها تجفيف منابع المعرفة وتوطينها في الولايات المتحدة وأستراليا.
  • إعادة تشكيل السوق العالمية للاقتصاد الأمريكي في أوروبا باعتبارها موقعا استراتيجيا قريبا من جغرافية الموارد البشرية.
  • إعادة إحياء استراتيجية الاقتصاد الحربي، التي أوجدتها الحرب العالمية الثانية من شراء أدوات التدمير والبناء.
  • امتصاص القدرة الاقتصادية الروسية مما قد يترتب عليها من نتائج أهمها تفكيك المجتمع وتدمير القدرة العسكرية.
  • تحويل مناطق الأحزمة إلى مناطق ملتهبة لأهمية في استمرار التبعية الأوروبية للولايات المتحدة.

 

وهنا بدأت سياسة العالم الغربي في السيطرة على الرأي العام من خلال تجفيف مصادر التلقي الخارجي والأخص الإعلام الروسي، ومعارضته لحرية التعبير الذي يهدد القيم القومية.

وهنا تأتي إزدواجية المعايير، فبينما كان الاسشراق الغربي يسعى لاحتواء الثقافة الإسلامية الأصولية، بإعادة تدوير المعرفة الإسلامية وتحويلها من قيم ناعمة إلى قيم صراعية وبذلك تطورت لتصبح مرادفا للإرهاب والذي ترتب عليها محاربة مظاهر التدين الذي أصبح من مظاهر الموضة الغربية، وهذه المظاهر الغربية في إعادة تربية اللحية التي لم تكن ثقافة للمجتمع إلا من مؤشرات اللاوعي بمعنى  مرحلة التخلي عن الوعي بالرجوع إلى أصولية الوعي (البراءة الأصلية).

 

ونعلل ذلك بأمرين: إما أن يكون الوعي الغربي قد تجرد عن مادة الوعي . وإما أن تكون الحرية قد سعت للخلاص من الحرية المقيدة أو الإعلام المضلل ودبلوماسية المجتمع الناعمة، وهذه من مؤشرات التحولات الاجتماعية، والرأي العام.

ومن أجل ذلك كان حجب الإعلام الروسي من أهم مظاهر العجز الإعلام الغربي، وبدلا من نقل الخطاب السياسي للرئيس بوتين، يعاد قراءته من خلال القراءات النفسية والاجتماعية والعسكرية، والمحلل السياسي بتحليلات تعيد اخراج مضامين الخطاب بما يتناسب مع إرادة الإعلام الرسمي للدولة.

وهنا تأتي استراتيجية صناعة الإعلام ليس في حجبه وإنما في إعادة تدويره بما يتناسب مع إرادة السلطة في صناعة الرأي العام.

ويرجع ذلك إلى أن المفكرين في هذا العالم الأوربي- الأمريكي انفصلوا عن السلطة السياسية أو أبعدوا عنها، وأحل بدلا الخبر مكان الفكر والصحفي مكان المفكر، ولذلك يظهر في الخطاب السياسي الأوربي- الأمريكي تناقضا واضطرابا لم يكن سائدا من قبل، ومن مؤشرات انفصال السلطة عن المجتمع، بروز قضايا تتناقض مع القيم العامة للمجتمع أو تهدد القيم الثقافية الأصلية كالمثلية ومحاربة التدين، ومن خلال هذه التناقضات يمكننا إعادة تفسير الثورات وصعود اليمين المتطرف.

 

وهكذا يعيد الواقع فرز الواقع من مداخل التاريخ لإعادة الجذور وإحياء الثقافية الغربية التي كان من أهم أسباب تطورها الفكري والحضاري الصراع والتنافس النهضوي بين الحضارة الفرنسية والانجلكانية الإنجليزي والثقافة الألمانية،

وفي المقابل كان المبنوذون أو المهمشون يبحثون عن تطبيق العدالة كأطهار في الأرض الموعودة نيوإنجلاند بينما لم يكونوا كذلك في أوروبا.

ولأجل ذلك دافعوا عن المستوطنات الجديدة  ليتحرروا من الاستعمار الأوربي الذي كانوا من أحد أدواته الإنتاجية، وبحركات التحرير بدأت تتنفس الحرية بأول مظاهرها الإزدواجية، لأن التحرر من القهر يستدعي ممارسة القهر، وفي المقابل استبعدوا أحرار تلك الأرض- الهنود- ورفضوا تحرير السود في الوقت الذي كانوا يبحثون فيه عن الحرية.

ومنذ النشأة والتأسيس لم تقم حركة التطهيريين على المبادئ، وإنما على ضرار المبادئ أو استغلالها، وهي في ثقافة المنبوذين أشبه بدعوة القرامطة والشيوعين للمساواة المفقودة.

عندما تتقارب فلسفة الحرية  بإرادة  الثورة لا تحقق الحرية وإنما تحل طبقة مكان أخرى وبهذه الطريقة  يعاد تدوير قيم الحرية  للوصول إلى الحكم والثروة في دوائر مغلقة، قد تتعدد الدوائر وتتصارع مع بعضها، وبهكذا يتنفس الانغلاق بانغلاق مماثل له في كثير من الأيدلوجيات التي تتجرد عن القيم الدينية أو اللاوعي.

فالتدين الإرهابي وتدين العنف والتدين العاطفي القائم على الحرب بدلا من السلام إشكالية في المتدين ومن أهم ملامحه الإشكالية الحزبية وإن كان إسلاميا، لأن الدوائر المغلقة تلغي الآخر، وترفض الرأي المخالف، وتقدس الأشخاص وتجعله مدخلا من مداخل الفهم الديني، وهنا تتجدد ثقافة الوسيلة البشرية الدنيوية الذي كان سائدا في البابوية.

فالتوظيف الديني إشكالية في فهم وظيفة الدين، وممارسة التعصب إشكالية في فهم الرسالة الدينية، كذلك الوطننة إشكالية في فهم الأمن، وكل مظاهر التعصب بصيغه الوطنية والقومية والإثنية والعقائدية والدينية هي إشكالية منحرفة عن الفطرة الآدمية وعن الإرادة الإلهية.

لهذا كان التوظيف العقائدي الأمريكي للكنائس المقدسة  أخطر من الشيوعية، بدليل بقاء التطرف الديني وعرقنته وقومنته كالتدين اليهودي القومي الذي يرفض التعايش مع الآخر ويرفض مفهوم المساواة الآدمية، وهو نفس المعتقد الكامن في التسامح الكاثوليكي والتصعب البروتستانتي، والتحزب الإسلامي.

لقد كان أهم ما بنيت عليه السياسة الأمريكية التعصب العقائدي، والتعصب القهري كانعكاس لثقافة الهجرة الباحثة عن الذات المتحررة، تلك الذات التي التجأت إلى إلى قيم التسامح للتحرر من القهر، ثم استبدلت تلك القيم بقيم العنف في حالة المكنة والقدرة.

 

لهذا عندما عجزت الكنيسة الغربية من مقاومة الفكر الشيوعي الذي استنبطت جميع مفاهيمه الاجتماعية من المسيحية احتوته بالإسلام الذي أقام دولته في أفغانستان وتجيش العالم الإسلامي لمواجهة الشيوعية بينما كانت الولايات المتحدة تتعمق في سياسة الدول الإسلامية وتوجهها، وهذه كانت أول هزيمة شمولية أوقع العالم العربي والإسلامي في الشقاق السياسي بين الدول، بينما كانت تتعمق الدبلوماسية الغربية داخل النخب والطلاب ومن خلالهما أصبحت الشعوب العربية وأحزابها في قبضة السياسة الأمريكية من خلال مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة وحوار الأديان.

أما الشيوعية التي تطورت فكريا داخل العمق الروسي فقد تصالحت مع الأرثوذكسية وأدركت أنها لا يمكن أن تتجدد خارج سياقها الحضاري، ومن ثم

استفاد الغرب من الحرب الباردة  وأعاد تبيئته في الثقافة الكنسية واتخذت السلطة السياسية الغربية سياستها التجديدة من داخل الفكر الاجتماعي الشيوعي ومن خلالها نشأ مفهوم الدبلوماسية الاجتماعية.

ولم تكن الشيوعية تشكل خطرا على القيم الإسلامية، بل لو أدرك الشيوعيون قيم الإسلام لأسلموا، فالصراع كان بين الشيوعية والمسيحية الغربية، ولم يكن الإسلام طرفا فيها إلا أنه كان يسيطر عليه ثقافة الجهاد ونزعة الخلافة دون أن يتصالح مع الواقع أو يتقارب مع منهجية الاجتهاد.

ولهذا كان توظيف النفط في محاربة الفكر الشيوعي بداية لإحلال العداوة على الإسلام ليس من خلال الشيوعية، وإنما من الكنائس والنظم الغربية نفسها التي احتمت بالمسلمين والثقافة السياسية الإسلامية؛ تلك الكنائيس والنظم الغربية التي دانت بالفضل للإسلام في مواجهة الشيوعية ولدول الإسلام في تمكين الاقتصاد الأمريكي بثرواته التي جعلت الدولار سيدا على المالية وحاكما عالميا بين الدول بعد تمكينها من استثمار قدراتها في إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وهنا تتجلى عبقرية السياسي العقائدي الأمريكي هنري كسينجر في مقولته التي حددت السياسة الخارجية لدولته “لا توجد مبادئ دائمة وإنما مصالح دائمة”.

وانطلاقا من تلك المقولة أغتيل الحليف الاستراتيجي – الملك فيصل-  بأيادي خفية طمست معالمها في إطار الهيكل الجدد الذي كان سائدا تاريخيا في بيئة تتشابه مع هذه البيئة الإسلامية بين الدول. ولذلك قيدت الجريمة بالثأر بحسب الفهم القبلي، وأشبه بثأر الجرو لأبيه من خاله، وأثبت الجريمة بالجريمة والخفية بالأداة.

 

بهذه الآلية تتخلص اليد الخفية من الحلفاء والأعداء معا، ولم يكن الملك فيصل عدوا ولا حليفا بقدر ما كان يجتهد بالمبادئ ومن وراءه بطانة  ومؤمنون فسروا الأحاديث المقدسة بالأحداث والمقدس بالمدنس وجعلوا منهجية الجبرية وسيلة لفهم النصوص التي ما زلنا نجني ثمارها بفهم غير فهم النبوة ووعي بغير وعي السابقين. وما من ظاهرة إلا وجعلوا لها من النص دليلا، أشبه بتأويلات فرسان المعبد الذي جعلوا من الظواهر مدخلا لتفسير النص وليس النص مدخلا لتفسير الظاهرة.

وهذه اللامنهجية التي قيدت النص بالعاطفة ولم يسلم من قيودها العقل، إذ ما تزال حتى الآن تفسر الظواهر باسقاط النص، ومنها اسطورة هرمجدون التي مكنت الصهيوصليبية من توظيف الدين واستغلال المتدين، وجعلت من الأخضر تهديدا، وجعلته في مناطق الأحزمة، بعد أن فصلت الجغرافية بمفاهيم وطنية وقومية ووطنية، والتي كانت مدخلا لابتعاث الأثننة (الثقافية) والطائفية ونعرات الجاهلية (العرقية).

ولهذا كان صراع العقل مع الكنسية صراعا مفاهيميا، وسجالا إنسانيا؛ فطريا.

بالطريقة التي صنعتها أسطورة هرمجدون تجددت المهدية ليس كما في النص وإنما كما تتشيئها النفس، والسياسة والثروة. وقد بدأ ذلك مع المهدي العباسي، فالفاطمي والأمازيغي في الأندلس، وما تزال المهدية من المفاهيم الأيدلوجية في النظرية السياسية الطائفية، وكما خرج أبو مسلم الخرساني وجسد النص في هيئة الرايات السود لحمل المؤمنون على اتباعه، رفعت القاعدة وداعش الراية نفسها .

وتتناسب البيئات مع الفكرة، فالاقتتال والحروب التي كانت جعلت من المختار الثقفي يخرج وصيا على بن الحنفية، هي نفس البيئة التي وجدت فيها رايات خرسان داعية ليوم لعلامة الساعة المهدية، وهي البيئة التي وجدت فيها الحالة مع تنظيم القاعدة، وغيرها .. تلك البيئة التي شكلها اللهو والغزل نهاية دولة بني أمية وتلاها العنف المقدس ضد تلك الانحرافات من بيوت بني هاشم الطالبي والعباسي،  ثم تلاه ترف الكلام والسفسطة وعلم الكلام والأساطير الذي قاد الدولة إلى النهاية.   أما ترف اليوم فهو الترف الثقافي الذي غيب قيمة الفكر وروح العلم وعبقرية الماضي  ومعنى الحاضر وقيم المستقبل.

 

لم يكن دعوة “أوكواس” للتحالف الاستراتيجي بين استراليا وأمريكا وبريطانيا إلا تجديدا لإعادة دور المستوطنين القدامى بآليات جديدة، فالاستيطان الأول الذي كان لشعوب الأنجل والساكسون أحد فصائل الشعوب الجرمانية المنبوذة الفارين من اضطهاد البيكيين والغايلين والوعل المعدني الرمز الوحش الذي يحارب التدين ويكره الضعفاء. ثم تلتهما شعوبا أخرى شكلوا أمة خارج سلطان الدولة الرومانية.

هذه الاستطيان تكرر في العصر الحديث في استراليا وأمريكا، بينما لم يكن استيطان منبوذي الجرمان للهند إلا في إطار الاندماج السلمي والاعتقاد بالفيدانتا وبراهما، معتقدات شعوب الهند، وهي نفس التجربة التي دمجت المغول المنبوذين من الصين والترك في العالم الإسلامي، والمماليك الذي أصبحوا من نسيج العراق ومصر قبل أن يتحولوا من قادة إلى سادة، وكذلك الاندماج في جنوب افريقيا الحديثة الذي لم يتمكن بعد نيسلون مانديلا من الحفاظ الحفاظ على السلطة .

والفرق بين الاستيطان بالقوة والاستيطان الناعم في أن الأول يقوم على دماء السكان الأصليين بينما يندرج الثاني بالاندماج والسلطة الناعمة.

وبالعودة إلى التاريخ فإن المنبوذين البيوريتان – السكان البيض- كانوا مبنوذين ثقافيا وأخلاقيا ودينيا- وكما أعاد الانجليون في بريطانيا تضمين العرق في القبيلة المفقودة، أعاد الأمريكيون والاستراليون نفس النسق الوظيفي لمفهوم العرق المقدس.

وانطلاقا من هذا التكوين الديني لهذه الدولة من جهة والأعراق القبلية من جهة أخرى تشكل المكون الثقافي والقانوني والمدني والحضاري للدولة كرمز من رموز الآرية المقدسة.

وكان هتلر الجرماني أول من أعاد اعتبار العرق المقدس للجرمان لمواجهة الساكسون، وفي ذلك إشارة إلى أن البريطانيين انتحلوا الجرمانية التاريخية كما هو في انتحالهم العرق الإسرائيلي، وأنهم في نظر موسوليني انتحلوا الحضارة والتاريخ الروماني المقدس.

وكل ذلك يؤكده اختلاف اللغات بين الجرمانية  والانجلوساكسونية التي لم تكن منها، وهذا المقاربة تؤكد على موقع الانجل والساكسون من الدولة الرومانية أشبه  بموقع دولة الخزر من بيزنطة.

هنا تأتي إشكالية الثقافة المتآكلة والتي جعلت منها منبوذة في فلسفة نيشته وتفريقه بين ثقافة السادة والعبيد، في الأولى كان أحدث من تجسد بها هو رومانوس الملك البيزنطي الذي أسر في معركة ملاذ كرد.

وهنا نشير إلى موقع العرق الروسي من الحضارة الرومانية، وقربه منها واندماجه بمنطقة اليونان وبيزنطة، ولهذا يجسد التاريخ تناقض القيم والجغرافيا والعرق والدين بين أوروبا وأوراسيا.

 ليس في من الدول الأخرى وإنما في أمريكا نفسها وفي أوروبا تلك البلدان التي تجعل الحرية في كل شيء خلا ثقافتها وعرقيتها المقدسة.

لهذا السبب قيد الإعلام الغربي إعلام روسيا  الأكثر نقدا للحكومات الخفية وأدواتها التنفيذية، تلك القوة المتضخمة التي حشدت العالم على العراق، وتحشد العالم على روسيا، وهي تلك القوة المحتجبة وراء “كورش” و”بولس” والطورونية والعربية  (من وراء جدر) في أجمل تصوير لمفهوم القوة الخفية.

 

وبحسب الثقافة ومدخل التاريخ والجيوسياسية أعاد الغرب نظريته الجيبوليتكية والنظرية الدينية التي جعلت من الشرق مصدرا للشرور، كما هو الشرق في الثقافة الإسلامية، وهنا تعجز الديمقراطية وكذلك سياسة الاحتواء العسكري عن تحقيق الأمن لأوروبا الغربية من الدب الروسي الذي كان تفكك بإرادة سلطته السياسية في سياسة “البروستيكا” وراء السياسة الغربية الناعمة والمفاهيم الاقتصادية ولم يدرك الروس حينها أن العدو لن يكون صديقا، وهو ما لم نفهمه في منظومتنا العربية والإسلامية وإن فهمنا فإن الواقع يحتاج إلى الذهنية التي تتعايش مع المتغيرات لتغير فيها وليس أن تتماشى أو تتعايش معها.

لم يكن “بوتين” الذي أخرج صوت أمريكا من وراء جدر، كصدام حسين، وليس كمعمر القذافي ولا تلك الدول المحيطة بأمريكا التي تتغير أنظمتها بالتدخلات الخفية الأمريكية.

فالعقل السياسي والمفكر الجيوسياسي من أهم أدوات العمق والتاريخ والنص والواقع.

ولذلك أستعاد بوتين دوره من خلال:

  • الأوراسية وهي من أهم نظريات الأمن والجيوسياسية.
  • السلافية وهي من أهم النظريات الثقافية.
  • الأرثوذكسية: وهي من مرجعيات العمق التاريخي للدولة.
  • الشيوعية: وهي من أهم النظريات الاقتصادية والاجتماعية.
  • القيصرية: وهي من أهم نظريات النظم السياسية.
  • السوفيت: وهي من أهم نظريات القوة الجيوعسكرية.

 

 

وفي أوكرانيا تجتمع العوامل كلها، بل هي المركز التاريخي للدولة، وهي التي سيطر عليها الغرب لأهميتها في التاريخ، ولأهميتها الاقتصادية والأمنية، وبقدر ما تشكل في نظرية العمق الروسي أهمية أصولية فإنها تحد من أهم محددات الجيوسياسية ومن أهم أحزمتها الأمنية. وقد ساهم الحياد من حفظ الأمن بين النقيضين الغربي والشرقي.

غير أن وجودها بالنسبة للولايات المتحدة يعني استمرار وجودها السياسي في هذه الجغرافية لضمان بقاء الروس وأوروبا في دائرة السيادة الأمريكية ولا خروج منها إلا بالدخول إلى الصراع، ومن ثم العودة مجددا للخضوع.

قد يكون التنظير مهما، وقد يتحول في العقلية السياسية العربية إلى ثقافة لكنها في الفكر الروسي تعني الربط بين التنظير والاستراتيجية، وهو lh مكن الدب الروسي من استثمار مقوماته التاريخية ثلاثين سنة بقيادة بوتين الذي جمع بين خصال الذئب في حديثه عن القيم السياسية، وتصرفات الدب في مفاوضاته السياسية.

إن البيت الأبيض رغم زخم البيانات لأول مرة يعجز في تحويلها إلى معرفة، وفي هذا دلالة من دلالات التماسك الداخلي لروسيا وقوة الأمن الداخلي، ولا يعني قوته متعلق بالأمن السيبراني فحسب وإنما قوة الكنيسة في المجتمع وقوة النظام في العائلة، ولهذا كان من الطبيعي أن يكون هناك تجاوزات لكنها لن تمس أمن الدولة التي أصبحت تشكل منظومة بدخول قوميات أخرى لمواجهة الرأسمالية بالقيصرية وليس بالشيوعية.

ومن ثم فإن سعي أمريكا لخلق حشاشون جدد يؤكده تصريحات المؤسسات الرسمية الأمريكية في أن البطل من يخلص العالم منه أو لا يمكنه البقاء في السلطة.

ربما أن هذه الكلمات قد تحرك شعوب العالم المتخلف والثورات والمعارضون في الخارج، لكنها ليست بذلك التأثير في روسيا، وقد يدفع أوروبا الى عسكرة مجتمعاتها وهذا مدخل لإعادة ابتعاث القوميات التاريخية التي تجاوزها الاتحاد الأوربي، والذي بدأ بخروج بريطانيا.

إن حيادية العالم في هذه الصراع أو تكتله لمواجهة الولايات المتحدة قد يجعلها في المستقبل القريب دولة منبوذة، وقد تتأثر سياستها الخارجية بالداخل، ولا سبيل لدفع ذلك عنها إلا بإعادة احياء الاقتصاد الحربي، وبقاء الحلفاء تحت قيادتها.

وهنا نتذكر الاستفهام الأمريكي “لماذا يكرهوننا؟” بعد أحداث 11 من سبتمبر، ومن ثم الحرب على الإرهاب.

لكن السؤال نفسه نكرره بطريقة أخرى” لماذا نحن منبوذون” وقد أجاب على ذلك كسينجر أن التآمر التاريخي قضى على أخلاقية الكرام، فإذا كان التحالف الدولي قد دمر العراق، فإن حشد التحالف ضد روسيا يهدد أوروبا وأمريكا ويهدد الأمن والاقتصاد العالمي، ولهذا فإن روسيا لن تتضرر بالعقوبات وحدها.

لننظر إلى التحليلات والتصريحات الأمريكية والعقوبات المتصاعدة التي سيست الفنون الرياضية وأخرجته عن قيمه الاجتماعية يعكس اضطرابا في الفكر السياسي الغربي.

إن دور ويكليكس الذي كان موجها للعالم العربي لا نجده فاعلا مع روسيا، كما أن حرية الصحافة العربية التي تدافع عنها القيم الغربية غدت تخشى من الصحافة الروسية، وعندما نتحدث عن تقييد الصحافة فمعنى ذلك أن قوة الفكر والخطاب والثقافة الروسة تهدد الوعي المجتمعي الغربي، النموذج الذي لم يعد قادرا على مواجهة النموذج الجديد، وفي كل خطاب يكون العالم الإسلامي بين دور المدافع عنه أو الراصد له، وهذا يدل على أهمية العالم الإسلامي ف كل الخطابات السياسية.

لن تستمر الأزمة الأوكرانية، ولكنها قد تتسع بفعل الولايات المتحدة عبر خلق وكلاء جدد، ومناطق متلهبة أخرى على مناطق الاحتواء أو في البحار التي تتواجد فيها روسيا، وقد تتراجع باصرار روسيا على تحقيق أهدافها.

ولأجل توقيف الحرب يجب تحقق الأهداف الروسية وهذه هي الفرضية الأقرب للمنطق الاستراتيجي، فتهديد القدرة الاقتصادية أقل خطرا من تهديد القدرة الأمنية، وهنا يأتي دور  الأمن الجيوسياسي والجيوثقافي في تكوين الإرادة السياسية والقوة العسكرية. وكلما تصاعد الضغط على روسيا فإن آخر معاقل القوة، ألا يبق العالم بدون روسيا، أو أن تقوم القيامة.

إن روسيا وضعت مشروعها وفق خططها، وهي بين الرجوع عنه وهذا مستحيل لأنه انتحار سياسي وأخلاقي واقتصادي وأمني وثقافي ولعدة قرون، ليس لها بل وللصين الشعبية وتتعرض لانتقام الجغرافيا والديمغرافيا،  وأما أن تحقق أهدافها وذلك سيقسم العالم بين قوى حضارية عالمية عظمى، وقوى إقليمية كبرى.

ومن هذا المنطلق تدرك الصين والهند أهمية هذه التحولات والدور الروسي في مواجهة التحالف الغربي.

كما أن العالم الإسلامي الذي قاتل مع أمريكا وأوروبا قد دفع الثمن، وأن اضعاف العالم العربي تحت مطرقة الإرهاب والثورات والحقوق والحريات وإلغاء مفهوم السيادة والتدخل بالشوؤن الداخلية كان من الخير المكروه للعالم العربي، ولروسيا والصين والعالم أيضا.

وأن سياسة التفكيك وتوسيع الصراع وأثننة الشرق الأوسط يمكن إعادة تدويره لصالح أمن واستقرار شعوب المنطقة، ووضح حلول للأزمات أو تكميمها.

وفي المقابل فإن  أوروبا بين احتمالين:  إما أن تتعايش مع روسيا لثلاثين سنة قادمة وتؤسس لاستراتيجيتها الأمنية وهذا يحافظ على وجودها، ويجسد  الإرادة الشعبية ، أو قد تخسر استقرارها وأمنها لقرون وهذا يجسد الإرادة الأمريكية.  فأيهما أكثر حضورا في قرارات النظم ؛ مصالح الشعوب أم المصالح الأمريكية؟

وهذا ما يمكننا فهمه خلال الشهور القادمة مع انعدام بدائل الطاقة، وتوقعات بخسارة الاقتصاد الغربي والقدرة الإنتاجية.

 

إن سياسة الإمارات والسعودية اليوم ليس كالأمس، وما إعلان جونسون زيارته لأول مرة بعد مقتل خاشقجي إلا دليلا من دلالات القدرة الروسية، وهنا يمكن لا قدرة لأمريكا وبريطانيا في مواجهة روسيا والحفاظ على تبعية أوروبا إلا من خلال:

اقناع دول الخليج في تعويض نقص الطاقة، وهذا يعني دخول دول الخليج الى جانب الولايات المتحدة في مواجهة روسيا، وهذا سيولد أزمات أخرى في المنطقة ستبدأ بانتصار أمريكا  على روسيا أو هزيمتها أمام الروس.

ما عدا ذلك فإن من المتوقع أن تخرج الولايات المتحدة قواعدها العسكرية من آسيا الوسطى وتخسر أوروبا وفي ذلك تحرير للسيادة الأوربية، وتحريرا لإرادة السيادة العربية.

إن هذه المعادلات الاستراتيجية حاسمة في صناعة التحولات والمستقبل، من يخسر فيها يخرج من اللعبة، والخسارة لن ترحم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.