تداعيات (عقل)ما بعد كورونا

0 6

د. أسعد عبد الرزاق الأسدي 

أستاذ الفكر الإسلامي في جامعة الكوفة

تؤثر الاحداث في العقل، وتثير فيه تداعيات كثيرة بحسب طبيعة تلك الأحداث، أمام منعطفات تاريخية استثنائية وكبيرة يختلف مسار العقل في حركته وقراءته للواقع، مما يفرز تنوعا في طبيعة الاستجابة والقراءة بحسب تنوع الرؤية واختلاف الايديولوجيات. لم يكن شك في أثر وباء كورونا على المستوى العالمي، وحجم التداعيات والاثار التي هيمنت على مختلف مجالات الفكر والحياة، مما يؤدي إلى تغيرات واضحة في مسارات الفكر المتعددة، وما نشهده في العصر الراهن هو خطين متوازيين بعض الشيء في طبيعة الرؤية الكونية ونمط انتاج المعنى عبر منظومتي الدين والفلسفة في شقيها الغربي والشرقي، وبالأخص الديني والعلماني، مما يستدعي التوقف عند طبيعة التلقي وردة الفعل لكل من منظومتي الدين والعلمانية. إن ثنائية الرؤية بين الديني التي تستند إلى محورية الإله والعلماني التي تستند الى محورية الإنسان تحيل إلى نحو من التنافس حول طبيعة الدور والوظيفة في انتاج لائحة الخلاص من تداعيات الأزمة الحالية، وثمة رهانات على الرؤيتين بين النجاح أو الفشل في استيعاب المشكلة وتقديم ضمانات التماسك الفكري والقيمي أمام تحدٍ واضح يتمثل في الإبقاء على قيم التماسك الاجتماعي وتبادل المصالح والحفاظ على السلم الاجتماعي وتحقيق الامن الاقتصادي وغيرها من الأطر التي تحفظ النظام العام. ومن هذا المنطلق لابد من ملاحظة الامكانات المتاحة لدى كلا المنظومتين من ناحية توفر القيم التي تضمن التماسك العام والسلم العام، وهنا طبعا لسنا بصدد الإمكانات المادية بل ما يتعلق بالمعنى والقيم التي تحكم وتوجه سلوك الأفراد والجماعات وحتى السياسات، وبالنظر الى طبيعة القيم الدينية لا مشكلة من ناحية توفر تلك القيم التي من المفترض أن تكون فاعلة في هذه المرحلة الحساسة، لكن المشكلة في الخطاب الذي يستنهض تلك القيم ويحاول تكريسها وغرسها واعادة احياءها من جديد في عمق وجود الانسان المعاصر، وهو ما يعتمد على أولويات الخطاب ومدى نجاحه في توظيف تلك القيم في الظرف الراهن، من جانب آخر تسعى المنظومة العلمانية إلى مواصلة ما بدأته من تكريس حقوق الانسان والاهتمام بمجالات حياة الانسان وتأمين السلم وحفظ النظام العام على المستوى الأخلاقي بالذات، مع أن أزمة الأخلاق لم تكن غائبة عن كلا المنظومتين من ناحية الواقع العملي، وبعد اشارات متعددة من فلاسفة الغرب أنفسهم حول فشل التنوير الغربي وموت أهدافه, وبعد تطرف الفكر الغربي في ابتعاده عن القيم الدينية, مع أن التنوير ضمن جزءا من مكتسبات الانسان وحقوقه لكنه لم يكن بإمكانه ضمان مستقبل الإنسانية, وحتى لا تكون تساؤلاتنا طوباوية إذ بالإمكان طرحها على المنظومات الدينية كذلك, لكن رصد الفارق بين الخطاب الحضاري الغربي وما عليه الواقع الغربي, يشكل نقطة محفزة لطرح الإشكال, فلم يغب عن ذهن مفكري الغرب أزمة الأخلاق والفجوة الجامحة بين فلسفة الحداثة التي أسست محورية الانسان وأهمية القيم الإنسانية وبين فلسفة ما بعد الحداثة التي بدأت لدى نيتشه عندما راح يفكك فلسفة التنوير من جديد, حتى ظهر انقضاض الفلسفة الغربية على ذاتها عبر تفكيك التنوير ووأد تطلعاته, وانبثاق النظام العالمي الجديد بتعقيداته وتناقضاته.. فقد بات الحديث عن أزمة القيم والأخلاق مألوفاً ومنذرا بحدوث كوارث متعددة كان من أبرزها الوباء الحالي..لكن وضوح الرؤية لدى المنظومة العلمانية تجاه مكتسبات الإنسان ومتطلبات وجوده يؤشر إلى حجم التنافس بين الرؤيتين الدينية والعلمانية، فهل سيكون بمقدور الخطاب الديني تجاوز مشكلاته وعناصر الصراع الكامنة فيه من ناحية العوامل المذهبية والطائفية؟ إن الإجابة على هذا التساؤل تتوقف على طبيعة الخطاب ومدى الحاجة الى اعادة النظر في أولوياته وإعادة إنتاجه بما يناسب حجم التحدي أمام الأنموذج الحضاري الغربي. بالعودة الى طبيعة المشكلة التي يعكسها وباء كورونا نجد أن عامل الخوف الذي يهيمن على مختلف مستويات الوعي البشري، عامل مشترك ومؤثر في الجميع مما يستدعي موقفا وجوديا استثنائيا يتجاوز ذلك الخوف أو حتى يزيله.. ومع النظر إلى المنظومتين يمكن أن نلحظ أن المعنى الديني أسبق من غيره في تذويب جليد الخوف عبر إحياء منابع السكينة والاطمئنان في مكنون التراث الديني وما يختزله من عناصر الحيوية الروحية والمقاومة النفسية تجاه الأزمات.. إن الأرضية الدينية المتوفرة لدى المجتمع الإسلامي تتيح له أن يعيد إنتاج قيمه وسلوكه بما تتطلبه المرحلة الراهنة من جهود مضنية وحراك متواصل من أجل إنهاء الأزمة أو عبورها..لم تكن تلك الأرضية ظاهرة في الدين الرسمي والتدين السطحي, بل هي أرضية كامنة في عمق الفكر الاسلامي, وربما في أحد اتجاهاتها..ولا يتسنى ذلك ما لم يغادر الخطاب الديني مشكلاته مع الآخر بل ربما يتطلب الموقف عقد مصالحة آنية مع المنظومة العلمانية واستجابة ضرورية لمتطلبات السلم والتعايش المجتمعي والتضامن المشترك الذي يستدعي إلغاء كل عناصر التفرقة ونبذ الآخر، فبعد أن كانت المآذن تصدح بالدعاء على الآخر بالبلاء والوباء أصبح الواقع المرير مشتركاً بين الجميع مما يدعو إلى إعادة انتاج أولويات الخطاب الديني بما يحقق السلام العام من أجل تجاوز الأزمة العالمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.