بنية العقل الأكاديمي العربي وإشكالية التنمية

العقل الأكاديمي العربي

0 51

بنية العقل الأكاديمي العربي وإشكالية التنمية

د. جمال الهاشمي  

المنهجية هو المصطلح السفسطائي الذي ما يزال مسيطرا على بنية العقل العربي، فالحديث عنه تسمية ولفظا وتعريفا هو المهيمن على هذه السفسطة الأكاديمية، وينصرف البعض إلى القيود الشكلية، فيظن أن المنهجية هو التقسيم الشكلي المتبع في المدرستين الفرانكفونية والانجلوساكسونية، وتدور ملحمة المناقشة في- أطاريح الدكتورة التي من المفترض أن تناقش فكرة المحتوى-  حول الترتيبات والتقسيمات وحجم الأطروحة دون مقاييس كمية أو معايير معرفية، وما تزال كتابة البحوث تحظى بطقوس تقليدية مقدسة، مما أثر على بنية العقل العربي وجعله مطواعا  للتبعية الوافدة، مناقضا لذاته أو أي تجديدات محلية.

وهو ما دفع الأكاديمي العربي إلى إبراز ذاتيه الأكاديمية بالرجوع إلى التشريعات الفلسفية الغربية في كل حقل من حقوله المعرفية بما في ذلك الاستشراق الديني – الثقافي، ولا يعني ذلك مناقضة العقل الاستشراقي من خارجه، وإنما عقلنته بما يتوافق مع الروح المنهجية وعقلانيتها الواقعية والمعرفية.

وعندما بدأ انفتاح الأزمات العربية على العالم المتقدم،  وخرج المهاجرون، امتلأت عواطفهم بالمقارنة بين الأنا والأخر، ليس من أجل إعادة إعمار الأنا،  وإنما مزيدا من هدمها وإسقاطها، مما أحدث موجة من السلبية التي جاءت مع المهاجرين وعادت بهم على أوطانهم.

وقد ساهم هولاء  في نشر سلبيات التعليم، وانبرت  فكرة التحديث لأساليب التعليم من خلال الحقائب التدريبية، و دخلت المؤسسات الجامعية السوق منافسة للمؤسسات التدريبية الخاصة أو متحالفة معها،

وكان الغاية منها تغيير أسلوب التلقين بأسلوب الحوار وبقي الحال كما هو عليه، ومع أن فكرة الحقيبة التدريبية ولدت في الغرب، إلا أن الأكاديميين المهاجرين والدراسين في هذا العالم من البلاد العربية  جعلوها من الأساليب التعليمية الحداثية الخارقة، التي تغرس فيك مفاهيم المعرفة في أسبوع ويوم أو أيام قلائل.

وانفجرت شعارات تأهيل ألف أكاديمي عربي، وحظيت هذه الموجة  التعليمية بقبول مؤسسي، لأن قيمتها في إعلامها والدعاية لها، ولم تكن مبنية على رؤية ومشروع عقلاني – تجريبي  قابل للتطبيق ، وعلى أساس ذلك انتشرت غثائية المؤتمرات والندوات العلمية  ليس على مستوى المؤسسات التجارية وإنما على مستوى المؤسسات الجامعية العربية.

فإن قيل ما القيمة من إنشاء المؤسسات التدريبية في العالم الغربي إذا لم تكن ذات قيمة؟ وهذا السؤال الذي يجب أن يكون سؤالا إشكاليا سابقا لقبوله، هو ما يدفع بالباحث الأكاديمي والمؤسسات الأكاديمية إلى البحث عنه، إلا أن توفير الجهد على الباحث يدفعني للقول أن الغاية منها تحقيق الأمن الوظيفي، وبناء الثقة الفردية للموظفين في القطاعات الخاصة، فإن قيل ماذا يعني الأمن الوظيفي فذلك موضوعا مختلفا ومهما بل وأكثر أهمية وتعد الإجراءات من  دواعيه.

إن العالم  المعاصر منذ حركات التنوير والحداثة قد ميز  بين عالم المعرفة، وعالم الثروة. فأما عالم المعرفة فهم أولئك الذين يتميزون بالعقلانية والتجريب والخيال العلمي، وأما عالم الثروة فهم أولئك الذين يتميزون بالدعة والصراع والاحتكار، وبينهما وسائط، يأخذون من هذا وذاك، وتبق المعرفة سيدة المجتمع على مستوى الفرد كما كان الفيلسوف في مدنه وقراه ومجتمعاته، أما مؤسسات المعرفة فهي التي تسود العالم من خلال الاستراتيجيات والسياسات العامة للدولة.

إن الضرورات الواقعية  تفترض أن يكون لكل نشاط أكاديمي عمق وواقع ورؤية وهدف، والقيمة تكون في الغاية منه وقابليته للتطبيق، وإلا كان من  مناشط  اللاوعي ، واللاوعي يعني غياب الرؤية العقلانية ومناقضة التصرفات الواقعية وتعدد احتمالاتها، التي تتناسب مع متطلبات التنمية والأمن واحتياجات الواقع.

وتعد العلوم الإنسانية من أهم العلوم التي تتصدر الفلسفة الغربية عبر تاريخها، لأنها القيمة المعرفية التي تجمع تسبق الواقع والتطورات المادية وهي المدخل النظري ومداخل الفكر للواقع، وهي القيمة العملية للدول الحضارية المؤثرة في محيطها ، ويحدد تقدمها أو تحلفها مستوى التقدم والتخلف المجتمعي وكذلك الدول والأفراد، لأن تخلف المجتمع في مجمله  يقود إلى أن تخلف معظم الأفراد هي النتيجة المنطقية.

والعقلية الحضارية هي التي توازن بين العلوم الإنسانية والتجريبية، لأن قوة الأولى يقود بالضرورة إلى تقدم الثانية،  والعلاقة طردية إذا استبدلنا القوة بالضعف.

وأخير فإن العقلانية الأكاديمية بما فيها الإنسانية والتجريبية لا تكون ذلت قيمة إلا بأربع مميزات: الفرضيات المجردة، والنظريات المعرفية، والمقاربة الإجرائية ، والمجالات التطبيقية، وبهذه المميزات  تتسع المساحات الديمقراطية، بما لها انعكاسات إيجابية على الأمن والتنمية والمجتمع والنظام،  والقول باتساع المساحات الديمقراطية لا يشمل الفوضوية المعاصرة وحرية التعبير القائمة في العالم العربي، وإنما أن تنضبط الحريات بالعقلانية والمنهجية وأن تقاس الكلمات بنتائجها، ويقاس على ذلك القرارات السياسية، ذلك أن القرار السياسي إنما يكون  له أو عليه،  وقد يكون قرار  صفريا،  وكذلك البحوث فإن قيمتها تقاس بقيمة الوقت وليس بثمنه، لأن الوقت قيمة إلهية لا تقاس بثمن، كالقيم الذاتية التي لا تقدر بثمن، فإن أدرك الباحث قيمة الوقت أدرك منه القيمة التي تمنحه عمرا أكبر من عمره، فيعاصر الأجيال والمستقبل، فيكون الخلود هو القيمة الفعلية للوقت.

ومهما تقاضى الأكاديمي من أجور مادية، فإن الأجور إن لم تكن عن استحقاق كانت غلولا لا بركة منها في الدنيا ولا سلام منها في الآخرة، ولأجل ذلك كانت معايير الكفاءة والقدرة والعلم من شروط الولاية العامة “اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم” والحفظ لا يعني الاكتناز، وإنما حسن التدبير، والعلم هو المخرج المنهجي الذي ينظم المحفوظات.

أما الوظيفة الخاصة فهي أيضا تحتاج إلى معيار القوة والأمانة، “إن خير من استأجرت القوي الأمين” لأن القوة تعني القدرة التنفيذية بينما الأمانة تكون شرطا لاستمرار رأس المال الاجتماعي والتماسك الاجتماعي القائم على الأمانة لأنها  مدخل اجتماعي لإعادة بناء الثقة بضوابط المجتمع وقيمه والقبيلة وقيمها.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.