بــــــــــــين سلطان الخوف وتداعيات جائحة كورونا أي مستقبل ينتظر العالم ومعه المغرب؟

0 8
د. محمد غربي
أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بطنجة، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان

مقدمة

كيف عجزت أطراف المجتمع الدولي ومنها دول، ومنظمات دولية، ومعها مجتمع مدني عن التنبؤ والتشوف لجائحة كورونا، والتي تحولت من مجرد مرض عاد ضرب مدينة ووهان الصينية في منتصف كانون الأول- دجنبر 2019، إلى وباء مع مستهل شباط – فبراير 2020، ومن ثم إلى جائحة عالمية مع مستهل آذار- مارس 2020؟ بل وكيف عجز المجتمع الدولي كما عجز عن التنبؤ  بتحطيم حائط برلين يوم الخميس 9 نونبر- تشرين 1989، والعالم يستهل بدق أول مسمار في نعش الحرب الباردة، بل وكيف عجز نفس المجتمع الدولي ثانية عن التنبؤ بزلزلة الثلاثاء الأمريكي المؤرخة في 11 أيلول- شتنبر 2001، وكيف عجز  منذ نيف وتسع سنوات عن ملحمة ثورات الربيع العربي بفاتحتها ثورة الياسمين التونسية التي عجلت بسقوط نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي في 14 كانون الثاني- يناير 2011؟

فهل نحن اليوم فعلا أمام وباء عالمي استهل حاله مرضا صغيرا ينطلق من إمبراطورية الوسط، ومن مدينة ووهان الصينية بتعداد سكاني لا يتجاوز 11 مليون نسمة، لدولة هي الأولى ديمغرافيا عالميا، وبتعداد سكاني ينيف اليوم عن مليار  و 350 مليون نسمة، ليتحول قبل أن ترتد للمجتمع الدولي أطرافه إلى جائحة عالمية هي الأفتك بالعالم المعاصر  في بكور أول سنة من العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين ومعه الألفية الثالثة، ولماذا عديدة هي دول العالم في الشمال كما في الجنوب من الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وانجلترا استهترت بالمرض بداء فأستهزئ بها خاتمة لحظة عبوره الحدود في أشرس حرب خفية وغير  معلنة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في آيار – ماي  1945؟ و لأعتى عدو تخر أمامه البشرية فرادى وجماعات، وها هي كذلك دول صاعدة من  قبيل البرازيل، والأرجنتين، واليونان، وإسبانيا، والهند، والمملكة العربية السعودية تحداها المرض، إلى دول نامية أو متنامية تسعى جاهدة للحاق بركب الدول الصاعدة كالمغرب، وتونس، وصلت إليها جائحة كورونا؟

النقطة الأولى: الصين المارد الاقتصادي منبع الجائحة التي ضربت كل أطراف العالم

نحن بصدد دولة هي الأولى في التعداد السكاني،[1] بساكنة تجاوزت المليار و 350 مليون نسمة، الدولة النووية منذ أكتوبر- تشرين الأول 1964، والدولة الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، الدولة التي نجحت بنهج اشتراكي – شيوعي صارم أعلنه الزعيم ماو تسي تونغ لحظة إعلان جمهورية الصين الاشتراكية في فاتح تشرين الأول- أكتوبر 1949، وبعده جاء المصلح الأكبر  دانغ سياو بينغ بدء من دجنبر – كانون الأول 1978 إلى 19 شباط- فبراير 1997،[2] ليضع الصين على السكة الصحيحة للاقتصاد العالمي في عصر الكوكبة الزاحفة،[3] ناقلا إمبراطورية الوسط من أن تكون زعيمة لحركة عدم الانحياز ومدافعة عن قضايا وعوالم الجنوب، إلى دولة هي الأولى في الاقتصاد الأسيوي، والثانية في الاقتصاد العالمي بعد أن دحرجت اليابان إلى المرتبة الثالثة كوكبيا،[4] وذلك في أعقاب صدور تقرير منظمة التجارة العالمي الشهير والمؤرخ في الجمعة 11 آذار- مارس 2011،[5] هي أي الصين التي زاوجت وفي إطار زواج كاثوليكي صارم وحسن بين حسنات الشيوعية- الاشتراكية ومزايا الليبرالية الغربية، في إطار  ما عرف باقتصاد السوق الاشتراكي.

وعود على بدء، واعتبارا أن الجائحة بدأت بمدينة ووهان الصينية في منتصف كانون الأول- دجنبر 2019، فإن الحكومة الصينية تعاملت بنوع من الصرامة، والانضباط الحكومي، والامتثال المتعارف عليه للمواطنين الصينيين الذين أصابتهم الجائحة، من حيث إجراءات الحجر الصحي، ومتابعة المرضى، وفرض حصار مطبق على المدينة المصابة بالجائحة لمدة ناهزت 70 يوما، ناهيك عن بناء مستشفيات قارة وأخرى ميدانية، ومحيطة جزء كبير من المجتمع الدولي في شخص منظمة الصحة العالمية بدء من 3 كانون الثاني –يناير 2020، بأخطار الجائحة وتداعياتها، واستطاعت الصين كدولة وحكومة أن تصبح من أولى دول العالم بحلول منتصف نيسان- أبريل 2020، التي تنتصر جزئيا على الجائحة، وأن تسمح لمواطني مدينة ووهان الصينية المصابة بالوباء أن يستعيدوا حياتهم الطبيعية بنوع من التحفظ والتوجس الكبيرين، وذلك بمراعاة كل التعليمات والشروط الصحية،من كمامات، وتباعد اجتماعي، والتزام غسل اليدين وتنظيفهما، والحفاظ على المسافة المطلوبة أثناء التنقل والسفر.

ومنذ منتصف نيسان – أبريل 2020، أصبحنا أمام أول أنموذج صيني حي لكيفية التعامل مع مرض، تحول من وباء إلى جائحة، ألا وهي جائحة كورونا، بل أكثر من هذا وذاك وجدنا النموذج الأسيوي يعم أجزاء أخرى من دول الجوار من دولة اليابان،[6] إلى حكومة كوريا الجنوبية،[7] ومعها كل من هونغ كونغ ، وتايوان،[8] إلى جانب سنغافورة،[9] وهي كوكبة النمور والأشبال الأسيوية تحت قيادة قائد الإوز الأسيوي اليابان،[10] ناهيك عن الصين كما سطرنا أعلاه، تعرف كيف تواجه الجائحة بنوع من التقاليد الأسيوية الراسخة، والتي ترتكز على الانضباط والامتثال الإيجابي للتعليمات السياسية، والنصائح الطبية، من حجر صحي، وتباعد اجتماعي وارتداء للكمامات.

إن هذه الصورة الوردية عن النماذج الأسيوية الرائدة اقتصاديا والتي تقدم اليوم نفسها لبقية أشخاص المجتمع الدولي كنماذج أسيوية رائدة في تدبير جائحة كورونا، ليست هي كل القارة الأسيوية، بل على النقيض من ذلك نحن أمام أكبر قارة في العالم مساحة وسكانا، فعلى النقيض من ذلك تقدم مناطق جغرافية أخرى نفسها نموذجا غير ناجح في تدبير تداعيات جائحة كورونا وذلك في جونب آسيا و في غرب آسيا، من قبيل الهند التي تضم ثان أكبر تكتل سكاني في العالم بعد الصين، والتي ترتفع فيها نسبة الفقر، والعوز، والهشاشة بشكل كبير جدا، تابعنا كيف تم في منتصف نيسان – أبريل 2020 تسريح ملايين اليد العاملة بالعاصمة نيودلهي، وكيف كانت محطات النقل السككي والطرقي مكتظة بالعائدين إلى مواطنهم الأصلية بالأرياف والقرى الهندية النائية والبعيدة، بعد أن فقدوا وفي لمح من البصر وظائفهم ومصدر رزقهم نتيجة توقف المراكز التجارية الكبرى وكبريات المصانع والشركات عن العمل، يضاف إلى هذا ما حدث بدولة باكستان القوة الإسلامية، والجارة النووية للهند منذ آيار- ماي 1998، ناهيك عن دولة بنغلاديش التي عصفت بها جائحة كورونا كما عصفت بها أعاصير موسمية ملحقة أضرار بليغة بآلاف البنغاليين على امتداد الساحل البنغالي وفي غياب أدنى مستلزمات الوقاية والعلاج من جائحة كورونا- كوفيد 19 .

النقطة الثانية: الغرب بين أوروبا المترنحة وأمريكا المترددة

منذ جيل ونيف من الزمن، أي وضبطا بعد الخميس 9 نونبر- تشرين الثاني 1989، وبعد تحقق الوحدة الألمانية في 3 أكتوبر- تشرين الأول 1990، خرج الغرب بشقيه الأوربي وخاصة منه الأمريكي منتصرا في عصر الحرب الباردة، معلنا نهاية للتاريخ مع المفكر الاستراتيجي الأمريكي فرانسيس فوكاياما،[11] وكذا المفكر الاستراتيجي الأمريكي الآخر صامويل هتنغتون في إطار نظرية صدام الحضارات،[12] وذلك بعد أن خر الاتحاد السوفييتي إلى الأبد في أعقاب استقالة آخر رئيس للاتحاد السوفييتي ميخائيل جورباتشوف في 25 كانون الأول- دجنبر  1991، ليخرج الغرب الأوربي أولا موحدا صفوفه الاقتصادية في أعقاب إنشاء الاتحاد الأوربي كأكبر تكتل اقتصادي على مستوى القارة الأوربية في أعقاب معاهدة ماستريخيت في شباط- فبراير 1992، والتي انتقلت معها أوربا من 12 دولة ، إلى  15 دولة، إلى 25 دولة، وإلى 26 دولة، وكبديل جديد عن معاهدة روما المؤرخة في 25 آذار- مارس 1957، وموحدة حتى عملتها النقدية الأورو كبديل لباقي العملات الأوربية الأخرى بدء من فاتح يناير – كانون الثاني 1999.[13]

نعم شكل الاتحاد الأوربي كتلة اقتصادية عملاقة وقوية على امتداد العقد التاسع والأخير  من القرن العشرين، حيث أصبح عملاقا اقتصاديا وقزما عسكريا تابعا لدائرة النفوذ الأمريكي استراتيجيا وعسكريا منذ إنشاء حلف الناتو طبقا لمعاهدة واشنطن في 4 نيسان- أبريل 1949، أو مباشرة بعد انتهاء عصر الحرب الباردة بانبجاس الاتحاد السوفييتي مع متم سنة 1991، وهذا الاتحاد يضم دولا ثرية وغنية تشكل عصب الاقتصاد الأوربي، يكفي أن نسطر  هنا بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا ثم أخيرا ألمانيا، والتي تعتبر وبحق العمود الفقري للاقتصاد الأوروبي سواء أكان ذلك قبل الوحدة الألمانية لسنة 1990، أو خاصة بعدها، وذلك على امتداد العقود الثلاث الأخيرة، بل هذه الدول الأربع تشكل ضلعا للدول الثمانية الصناعية الكبرى في العالم،[14] ومنها اثنتان دولتان نوويتان وعضوان بمجلس الأمن الدولي والتعبير ينصرف على بريطانيا وفرنسا.

ولكن كعب أخيل هذا العملاق الاقتصادي الأوربي هو عدم وضوح الرؤية الخارجية لدوله في العديد من القضايا الاستراتيجية والدفاعية، بل وحتى السياسية،[15] سواء أتعلق الأمر بمدى استقلاليته عن النفوذ والدائرة الأمريكية من حيث التبعية الكاملة كما يثار ذلك بين الفينة والأخرى من طرف زعماء وساسة أوربيين، من قبيل زعماء من ألمانيا وفرنسا، ولربما اهتداء بعقيدة الجنرال الفرنسي شارل ديغول، أو المستشار الألماني الأسبق جيراد شرودر، أو المستشارة الألمانية الحالية أنجيلا ميركل.

ناهيك عن عدم توحد الرؤية الخارجية لقضايا أوربية، إقليمية وعالمية تؤثر على السياسات الأوربية من قريب أو بعيد، لارتباطاته الجغرافية والتاريخية مع الإقليمين العربي والإسلامي من جهة، والدائرتين الإفريقية والأسيوية عبر  ضفة البحر الأبيض المتوسط من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، حيث المد الإسلامي المتطرف على امتداد العشريتين الأولى والثانية من القرن الجاري، سواء مع نظام القاعدة قبل مقتل زعيمه أسامة بن لادن، أو نظام الدولة الإسلامية قبل مقتل زعيمه البغدادي، وقضايا الهجرة العالمية من ضفة الجنوب عبر تركيا، واليونان، وتونس، وقبلها ليبيا، والجزائر ، والمغرب في إطار هجرة معولمة عربية، إسلامية، وإفريقية  أسيوية لدول تعيش الخصاص والحيرة في عوالم الجنوب نتيجة الفقر والعوز، ونتيجة كذلك تمدد النزاعات المسلحة سواء منها الداخلية والدولية، يكفي أن نشير إلى الهجرات المتدفقة وبمئات الآلاف من دول القارة الأفريقية عبر خط الصحراء الأفريقية الكبرى، وعبر ليبيا. واليمن، والصومال ومن تونس قبل وبعد ثورة الياسمين لسنة 2011، ومن العراق، وسوريا،[16] وفلسطين، وأفغانستان …..

وإذا كان الاتحاد الأوربي قد عانت دوله خاصة الجنوبية منها، وفي مقدمتها إيطاليا، واليونان، وإسبانيا وأخيرا البرتغال من تداعيات الأزمة المالية لتشرين الأول- أكتوبر 2008، ومن الثغرة الاقتصادية والاستراتيجية التي خلفها قرار بريطانيا الانسحاب من مجموعة الاتحاد الأوربي- هي التي انضمت إليه في سنة 1973-، فإنها ومنذ سنتين عانت كذلك من الحرب التجارية والصناعية التي أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكي دولاند ترامب على حلفائه الغربيين سواء أتعلق الأمر بالتجارة البينية، أو تجارة الحديد، معلنا ذلك جهارا نهارا، من خلال انتقادات شديدة اللهجة إلى فرنسا عبر  رئيسها إيمانويل ماكرون، أو  ألمانيا عبر مستشارتها أنجيلا ميركل، بل ومذكرا كل الأوربيين وبصفة غير معتادة من الرؤساء الأمريكيين السابقين بالعبء الكبير الذي تتحمله الولايات المتحدة الأمريكية داخل منظومة حلف الشمال الأطلسي طيلة سبعة عقود من عصر الحرب الباردة على امتداد سنوات 1949- 1991 ، وبعدها عصر الهيمنة الأمريكية شبه الماحقة على مقاليد السلطان العالمي خلال الفترة الممتدة  ما بين سنوات1991- 2015.

كان لابد لنا من هذه التوطئة الطويلة للحلف الغربي الأوربي، لفهم ما جرى للعملاق الاقتصادي الأوربي، والذي أخذ على حين غرة حينما داهمه هذا العدو الخفي، ألا وهو جائحة كورونا، فضربته في مقتل من إيطاليا، وفرنسا، ناهيك عن إسبانيا، وألمانيا وهي نماذج أربع حية لكيفية التعامل مع وباء كوفيد 19 الذي هز  أركان العرش الأوربي مزحزحا قيمه الغربية المرتكزة على الحرية والديمقراطية، ومذلا سلطانه القاري والعالمي، أولا أمام مواطنيه، وثانيا أمام أنظار المجتمع الدولي دولا ومنظمات دولية حكومية وغير حكومية.[17]

فحكومات الدول الأربع على امتداد ما يزيد عن ثلاثة أشهر من انطلاق الجائحة بمدينة ووهان الصينية، ظلت مستهينة ومحتقرة، بل ومستهترة بخطورة الجائحة وتداعياتها، ولم تستطع أن تبني رؤية استراتيجية ولو قصيرة المدى لكيفية مواجهتها من خلال منظوري وزراء الصحة والداخلية لدى دول الاتحاد الأوربي، بل تركت الأمور على عواهنها من تنقلات، وسفر، وسياحة، ولقاءات رياضية، ومهرجانات، غير عابئة بالعدو الخفي الذي تسلل لوذا محمولا على ظهور المسافرين القادمين جوا من نبع الجائحة في الصين كما حدث لإيران، وكندا، والولايات المتحدة الأمريكية، وإسبانيا، والبرازيل،[18] والأرجنتين، وسيأتي الحديث عن كل هذا أدناه.

أولا: إذلال جائحة كورونا لرمزية المجد الإيطالي

ما كان لرئيس وزراء إيطاليا أن يذرف الدموع ويكفكفها بين الفينة والأخرى أمام أنظار الشعب الإيطالي وهو  يتابعه عبر الشاشة الصغيرة متحدثا، ومفسرا، ومذهولا، ومستغيثا من الجائحة التي ضربت إيطاليا في مقتل، حتى أصبحنا كلنا مذهولين عن بؤرة جائحة كورونا في إيطاليا، أوربيا، وعالميا عن النموذج الإيطالي الكارثي في كيفية تدبير جائحة كورونا على امتداد شهري آذار و نيسان- مارس و أبريل 2020، فالقتلى يوميا كانوا بالمآت، و الذي تعدى إلى حدود تخطيط هذه المقالة ما ينيف عن 31000 إيطالي وإيطالية في أكثر كارثة صحية وبشرية تضرب إيطاليا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كما تابعنا كيف تدخلت روسيا الفدرالية وهبت عبر أسطول جوي عسكري متكامل الأركان و بكل التجهيزات العسكرية والمدنية، بل ومتخصص في مثل هذه الكوارث لإنقاذ مدن إيطالية بأكملها من تداعيات جحيم كورونا،[19] ويكفي أن نسطر هنا للاستئناس والتذكير إقليم لومبارديا الإيطالي في الشمال،[20] حيث استمر العون والغوث الروسي من عسكريين ومدنيين روس المتخصصين في مثل هذه الأوبئة والكوارث لما ينيف عن شهر، انتهت بعودة الحياة تدريجيا وحتى ببطء شديد إلى ما كانت عليه في سابق عهدها.[21]

ثانيا: الحيرة الفرنسية رئيسا وحكومة في التعامل مع جائحة كورونا

فرنسا الثورة الفرنسية لسنة 1789، فرنسا الدولة النووية، والعضو الدائم بمجلس الأمن الدولي، فرنسا الدولة اليعقوبية بلد الحرية والديمقراطية والتنقل، وحضور الدولة القوي المتدخلة وغير المتخلية خاصة في القطاعات الاجتماعية والاقتصادية من توفير السكن، وضمان الشغل، وتوفير التعليم وضمان الصحة العمومية،[22] تجد نفسها ولأول مرة هي كذلك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لسنة 1945، أمام كارثة صحية وطنية حقيقية أفرزتها تداعيات الجائحة التي ضربت فرنسا، فأصابتها هي كذلك في مقتل، حيث وجد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه عاجزا في مواجهة احتجاجات الأطباء الفرنسيين وهم يصيحون في وجهه بضرورة التدخل فورا وحالا قبيل الانهيار التام للمنظومة الصحية الفرنسية مفخرة الثورة الفرنسية والدولة اليعقوبية المتدخلة تاريخيا في فرنسا، فحجم الكارثة، والموتى كانوا بالمآت وليس بالعشرات يوميا وعبر  كل المدن والمقاطعات الفرنسية، والحصيلة كانت ثقيلة،[23] بحيث تجاوزت  سقف 24 ألف قتيل في سابقة لم تشهدها فرنسا منذ نهاية موقعة دان بيان فو في فيتنام سنة 1954، فما هذا الذي جرى أو حصل لدولة تعتبر نفسها رائدة في الاتحاد الأوربي، واقتصادها يأتي مباشرة بعد الاقتصاد الألماني، وإلى جوار كل من الاقتصاد الإيطالي و الاقتصاد البريطاني، بل وتشارك سنويا في قمة الدول السبع الصناعية الأكثر غنى في العالم منذ القمة الأولى التي التئمت على عهد الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان في سنة 1974، فما هذا الذي جرى ويجري للدولة الفرنسية حكومة وشعبا وأمام أنظار العالم؟[24]

فهل نحن كنا نرى ونلحظ انهيار للدولة الوطنية التي اخترق سيادتها هذا العدو الخفي وغير المرئي كوفيد  19، أم أننا كنا نرى ونلمس بداية تسطير عصر جديد أهل ليصحح بعضا من مغالطات الليبرالية المتوحشة لعصر العولمة، والتي تخلت فيها الدولة اليعقوبية الفرنسية منذ هبوب رياح الخصخصة في الشق الثاني من العقد الثامن من القرن العشرين غير  آبهة بمفاهيم العدالة الاجتماعية وضرورة حضور الدولة الكنزية المتدخلة في المجالات الاقتصادية لضمان كثير من التوازنات السوسيو – اقتصادية،[25] والتي أقبرت قبل سنوات من ميلاد منظمة التجارة العالمية مع أوفاق مراكش لنيسان- أبريل 1995.

ثالثا: انهيار بريطانيا التي أذلتها جائحة كورونا

بين الفرح العارم الذي عبر عنه رئيس وزراء بريطانيا زعيم حزب المحافظين في أعقاب الانتصار التاريخي الذي حققه مع متم خريف 2019، لحظة تصويت الناخب البريطاني لفائدة الانسحاب من الاتحاد الأوربي، واجتياح كورونا للجزيرة البريطانية المنعزلة جغرافيا عن القارة الأوربية العجوز، ماذا حصل؟

إنه سؤال جوهري وصادم حير كثير من المتتبعين والملاحظين المتخصصين بالشأن البريطاني في أبعاده الثلاث الداخلية،[26] – ومن ثم الأوربية والأطلسية، فكيف للعالم أن يتصور الوريث الشرعي والتاريخي لعروسة البحار والمحيطات، الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، مستعمرة الهند التي كانت بمثابة ذرة التاج البريطاني من بين كل مستعمراتها، ذات الزواج الأنجلاكاني الوثيق الذي لا ينتابه طلاق أو تطليق سياسي أو استراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة الصناعية الأكثر  بحبوحة من بين الدول السبع الصناعية الأكثر ثراء في العالم، صاحبة الامتلاك النووي والعضو الدائم العضوية بمجلس الأمن الدولي، ترى منظومتها الصحية تنهار بالكامل جراء اجتياح جائحة كورونا للأراضي البريطانية، هي التي قضت على أزيد من 31000 مواطن ومواطنة في مختلف المدن، بل لم يسلم منها ولي العهد البريطاني الأمير شارلز، و لا رئيس وزراء الملكة إليزابيث الثانية السيد بوريس جونسون، الذي كان قد أدخل العناية المركزة لمدة تجاوزت عشرة أيام، وبضغوط كبيرة من الطاقم الطبي المرافق له.

وكم أذهل البريطانيون ومعهم بقية دول العالم، وهم يرون تغيرا كبيرا وملحوظا في ملامح رئيس الوزراء بعد خروجه من العناية المركزة وفترة الحجر الصحي، هو الذي سبق له أن دعى كل البريطانيين إلى ضرورة تحمل الأيام العصيبة التي سيمرون منها جراء دق الجائحة لأبواب بريطانيا وعبورها الحدود غير آبهة بعزلتها الجغرافية عن القارة الأوربية،[27] ولا بانسحابها التدريجي من كتلة الاتحاد الأوربي في إطار ما أصبح يعرف بالبريكسيت.

كما علينا أن لا ننسى ونحن نخط هذه المقالة الخطاب التلفزي الشهير الذي تقدمت به الملكة إليزابيث الثانية إلى عموم الشعب البريطاني،[28] وإعلانها تضامن الأسرة الملكية الكامل كما هو حال حكومة جلالتها مع المحنة الشديدة والأيام العصيبة التي تمر بها ابريطانيا في ظل وباء كورونا.

 فكيف للبريطانيين، ومعهم الأوربيون وبقية دول العالم، أن تصدق ما جرى لبريطانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك على امتداد نيف وسبع عقود لم تشهد فيها ابريطانيا ومدنها ومفخرتها عاصمة الضباب والمال لندن عديد القتلى الذين سقطوا جراء الجائحة، وأمام ذهول كبير، وكأنني بالذي كفر  بهت ومن جديد، أليست ابريطانيا هي مفخرة الطب الأوربي والعالمي إلى عهد قريب، وفي كثير من التخصصات الطبية الدقيقة بما فيها أمراض القلب والشرايين؟ فكيف لأمنها الصحي أن ينهار  و في لمح من البصر أمام ضربة قاسمة من جائحة كورونا كانت عليها بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير؟

رابعا: الاعتراف الألماني بهول الجائحة والأنموذج الأوربي الوحيد والحي في التعامل مع وباء كورونا

إنها ألمانيا الدولة الموحدة سياسيا بعد 3 أكتوبر- تشرين الأول 1990، بعد نجاح مفاوضات أربعة زائد اثنين، زعيمة السوق الأوربية المشتركة لحظة ولادتها مع معاهدة روما في 25 آذار- مارس 1957، ورائدة الاتحاد الأوربي مع مستشارها هيلموت كول لحظة التوقيع على معاهدة ماستريخت في شباط- فبراير 1992، زعيمة أوربا وعملاقها الاقتصادي بدون مواربة، والنقدي، والتجاري، والصناعي، والحضاري.

كيف لا و هي تخرج منكسرة من إذلال الحرب العالمية الأولى لسنة 1918، ومكبلة بقيود حديدية لمعاهدة فرساي السبوعية، وتعود ثانية إلى الساحة الأوربية لتدك كل مداميك أوربا على امتداد عقد ونيف من الزمن بين سنوات 1933- 1945 بعجلتها الحربية القوية والاستثنائية والتي لم تشهد أوربا وحروبها السابقة مثيلا لها في تاريخ الحروب الأوربية لا الحديثة ولا المعاصرة.

بل وتجتاح  القارة العجوز من باريس في أقصى الجنوب إلى بولندا في أقصى الشرق، ومن لندن في أقصى الغرب إلى ستالينغراد في القلب السوفييتي، هي التي خرجت منهارة ثانية بعد إذلالها في الحرب العالمية الثانية في آيار- ماي 1945، وتقسيم عاصمتها التاريخية برلين إلى أربعة مناطق نفوذ، وتقزيمها عسكريا، كي تصبح منشطرة بين غرب تابع للنفوذ الأمريكي، وشرق ملحق بالمعسكر السوفييتي.

ولكن بدء من العقد السادس وتحت حماية المظلة النووية الأمريكية لحلف الشمال الأطلسي وبتكليف ومراقبة أمريكية صنعت لنفسها مجدا اقتصاديا وفي كل ضروب التجارة، والصناعة، والاختراع، فكانت بحق معجزة أوربية خالصة كالمعجزة اليابانية الخالصة في شرق آسيا، لتغدو و في برهة من الزمن رائدة تقود أوربا نحو الموانئ التجارية القارية والعالمية التي يحلو لها الرسو عليها.

إنها ألمانيا التي شطرتها الحرب الباردة، فوحدها مستشارها هيلموت كول نقديا وسياسيا في سنة 1990، وبتكلفة تطلبت ما ينيف عن 200 مليار مارك ألماني حينئذ، تمكنت من كل هذا وذاك لتقود أوربا الموحدة اقتصاديا عبر  معاهدة ماستريخت ونقديا عبر عملة الأورو الموحدة بدء من فاتح كانون الثاني- يناير 1999.

هي القادرة إلى جانب فرنسا على قول :  ” لا ” في بعض من السياسات والاستراتيجيات الأمريكية الطاغية في عصر ما بعد الحرب الباردة حين قالت لا لأمريكا وهي تدشن حربها العدوانية على العراق في 20 آذار- مارس 2003، ألمانيا التي تولت سيدة منضبطة وحديدية ألمانية من سلالة بسمارك موحد ألمانيا في سنة 1870، إعادة رسم طريق ألمانيا أوربيا أولا، وعالميا ثانيا، هي التي تقود الاتحاد الأوربي حتى في أحلك أزماته من قبيل الأزمة المالية العالمية لأكتوبر- تشرين الأول 2008، أو المفاوضات الطويلة، العسيرة والشاقة للانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوربي في إطار ما عرف بالبريكست، ومؤسسة لمحور باريس برلين في مواجهة التعنت والعنجهية الأمريكية.

وجدت ألمانيا ومستشارتها أنجيلا ميركل نفسها وعلى غرار بقية دول العالم وفي مقدمتها دول الجوار  الأوربي البعيد والقريب في قلب عاصفة جائحة كورونا بدء من منتصف آذار- مارس 2020، ولكنها باستراتيجية ألمانية متبصرة وحكيمة، وبقيادة فاعلة وفعالة،[29] وبشعب يعتبر الأكثر انضباطا واجتهادا في القارة الأوربية العجوز استطاعت ألمانيا وفي ظل تقريبا شهرا واحدا من الحجر الصحي من تجاوز محنة كورونا وبأمن وأمان،[30] وبل وأفضل بكثير من دول في وزنها الاقتصادي كابريطانيا،[31] وفرنسا،[32] وإيطاليا التي تعتبر  كلها وبدولها الثلاث ضمن نادي الثمانية الأغنى عالميا.

النقطة الثالثة: استهتار الرئيس الأمريكي بالجائحة والذهول الكبير في مواجهتها

إنها الولايات المتحدة الأمريكية القوة العظمى الوحيدة المتبقية منتصرة ومهيمنة على كل مقاليد السلطان العالمي منذ 25 كانون الأول – دجنبر 1991، لحظة أن خر الاتحاد السوفييتي إلى الأبد، الدولة الحديثة العهد في الغرب، هي التي لم تحصل على استقلالها عن الإمبراطورية التي كانت لا تغيب شمسها بريطانيا  إلا في 4 تموز- يوليوز 1776، مع رئيسها الأبرز جورج واشنطن، هي الدولة المنزوية والمنعزلة عن باقي قضايا العالم الحديث تطبيقا لمبدأ رئيسها جيمس مونرو: ” أمريكا للأمريكيين” ، في ذاك الخطاب التاريخي المؤرخ في 2 كانون الأول- دجنبر 1823، هي أي أمريكا المهيمنة والباسطة لنفوذها الكبير على كل أجزاء الجزء الغربي للكرة الأرضية من أمريكا الوسطى، إلى أمريكا الجنوبية، إلى منطقة بحر الكاريبي، و من هناك إلى حدودها الشرقية مع دولة كندا.

الولايات المتحدة الأمريكية التي دخلت الحرب العالمية الأولى في أبريل- نيسان 1917، متأخرة عن بداياتها الأولى في سنة 1914، هي التي أتت بمبادئ وودرو ويلسن الشهيرة، وهي العائدة إلى سياسة العزلة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.

 وهي الولايات المتحدة الأمريكية التي عادت ثانية إلى ساحات ومعارك الحرب العالمية الثانية بعد انصرام نيف وسنتين على انطلاق شراراتها الأولى في أيلول- شتنبر 1939، وهي التي خرجت منتصرة منها في  15 أغسطس 1945، ومتوجة تدخلها العسكري وهيمنتها الاستراتيجية على مناطق النفوذ الأسيوي باستعمالها السلاح النووي عبر ضربتين نوويتين مهدتا الطريق أخيرا ومباشرة للاستسلام الياباني وطي نهائي لصفحات نيف وست سنوات من كر  وفر للحرب العالمية الثانية، ومقتسمة لنفوذ عالمي جديد مع الاتحاد السوفييتي زمن المارشال جوزيف ستالين طيلة نيف وأربع عقود وسمت بعصر الحرب الباردة بدء بقمة يالطا لشباط- فبراير 1945.

أمريكا القوة الوحيدة المتبقية ذات الأبعاد الاستراتيجية الإمبراطورية الكبرى لهيمنة ماحقة مارستها على امتداد عقدين ونيف من انبجاس الاتحاد السوفييتي، في حربي الخليج الثانية والثالثة بين سنوات 1991 و 2003، في الصومال وهي تتدخل تحت شعار عملية: ” إعادة الأمل ” في كانون الأول- دجنبر 1992، في يوغسلافيا وهي تتدخل هناك في ربيع 1999،[33] في أفغانستان وهي تنطلق لدك مداميك القاعدة وطالبان في 7 تشرين الأول- أكتوبر 2001 ،[34] في أعقاب زلزلة الثلاثاء الأمريكي المؤرخ في 11 أيلول- شتنبر 2001.

أمريكا القوة العسكرية والاستراتيجية والنووية الأولى عالميا، المهيمنة على العديد من المنظمات القارية والعالمية في أبعادها السياسية والاقتصادية والمالية، من منظمة الأمم المتحدة ومجلس أمنها الدولي وفوق إقليمها وعلى أراضيها وجدت عاصمة  المال والاقتصاد بنيويورك التي خلفت لندن، كما  يوجد مقر  منظمة الأمم المتحدة منذ 24 أكتوبر – تشرين الأول 1945، و صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وفي العاصمة الأمريكية يوجد المقر الرئيسي للوكالة الدولية المتخصصة في المجال النقدي طبقا لمعاهدة نيوهمشير  الموقعة في  22 تموز – يوليوز 1944 ، وهي النافدة في منظمة التجارة العالمية منذ أوفاق مراكش المؤرخة في نيسان- أبريل 1994،[35] وهي أمريكا نفسها التي عرفت منذ 20 كانون الثاني – يناير 2017 دخول البيت الأبيض رئيس جمهوري له تصوراته الشخصية وعقيدته الغربية الليبرالية الجديدة في قضايا السياسة الأمريكية داخليا، وقضايا تدبير السياسات الدولية للولايات المتحدة الأمريكية عالميا من كوريا الشمالية،[36] إلى إيران،[37] إلى سوريا،[38] والقائمة طويلة، وهذا ما اتضح لخبراء العلاقات الدولية، ومتخصصي الشؤون الاستراتيجية والسياسية الأمريكية، فالرئيس دولاند ترامب يسعى جاهدا لإعادة هيبة أمريكا ومجدها الإمبراطوري الذي سطرته منذ نيف وجيل من الزمن في أعقاب تحطيم حائط برلين، وعدم البزوغ بالتراجع، أو التمظهر بالانكسار أمام العودة الروسية إلى الساحة العالمية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر البوابة السورية انطلاقا من العاصمة دمشق مع 15 أيلول- شتنبر 2015، لحظة التدخل الروسي لإنقاذ سوريا ولتعويض ما ضاع لروسيا استراتيجيا – وما تبقى لها من مصداقية عالمية – في العراق بعد سنة 2003، وفي يوغسلافيا بعد سنة 1999، وأخيرا في ليبيا بعد شباط- فبراير 2011.

 كما أن أمريكا ترامب سعت إلى التخلي اجتماعيا عن كل المكتسبات التي سطرتها أمريكا على امتداد ولايتين من تولي الديمقراطيين البيت الأبيض مع الرئيس الديمقراطي الأسبق حسين باراك أوباما ما بين سنوات 2009- 2017، فها هو الرئيس الأمريكي يتخلى عن معاهدة الاتفاق النووي المبرمة مع إيران في سنة 2015، ويتخلى عن قانون الضمان الصحي الذي وقعه كقانون قبله الرئيس الأسبق أوباما، بل يذهب أبعد من ذلك ليشن حربا تجارية جديدة من نوعها على حلفائه الأوربيين في إطار ما عرف بحرب الحديد والصلب، وحربا تجارية ثانية على الصين، عنوانها الصراع التكنولوجي، بل وحتى من داخل حلف الأطلسي الذي تتولى أمريكا قيادته منذ معاهدة وواشنطن المؤرخة في 9 نيسان- أبريل 1949، يطلب من حلفاءه الأوربيين ضرورة الاعتماد ولو جزئيا على أنفسهم وعدم التواكل الكلي على الولايات المتحدة الأمريكية كما كان عصر الحرب الباردة، وفي مقدمتهما فرنسا التي دعى رئيسها إيمانويل ماكرون إلى ضرورة الاستقلال الأوربي دفاعيا وعسكريا عن المظلة النووية الأمريكية،[39] وكذا ألمانيا مع مستشارتها أنجيلا ميركل على امتداد سنتي 2018- و 2019، بل وعلى النقيض من ذلك ظل الرئيس الأمريكي وفي إطار ذلك الزواج الأنجلكاني العميق والمتين بين لندن وواشنطن،[40]متشبثا ومدافعا مستميتا عن حليفه الأوربي القوي بريطانيا سواء قبل انسحابه من البريكست أو أثناء خطوات الانسحاب الطويلة، الماراطونية والمعقدة مع بروكسيل، حصل ذاته مع رئيسة الوزراء السابقة تيرزا ميل كما حصل مع رئيس الوزراء المحافظ الحالي بوريس جونسون.[41]

فكيف لنا اليوم كمتتبعين للسياسة العالمية، أن نرى و لا نكاد نصدق ما نرى، أن القوة النووية الأولى، والقوة التكنولوجية الأولى، والقوة العسكرية الأولى، والقوة المالية الأولى ونقصد هنا اليوم الولايات المتحدة الأمريكية تنهار وفي برهة من الزمن منظومتها الصحية وبالكامل، وهي تحصي وعلى مضض مقتل أزيد من 135000 أمريكي وأمريكية جراء سقوطهم صرعى من ضربة العدو الخفي وعلى حد تعبير الرئيس الأمريكي دولاند ترامب على امتداد أشهر مارس- آذار، و نيسان- أبريل، و آيار- ماي، وأخيرا حزيران- يونيو 2020،[42] وهو نفسه الرئيس الأمريكي ترامب وجدناه يخرج يوميا إلى باحة البيت الأبيض صحبة فريقه الأمني، والصحي،[43] والدبلوماسي، والقومي في إدارته، بل أكثر من هذا وذاك خرج كما هي عادته ليدافع عن مصالحه ومصالح أمريكا عالميا، مقررا إغلاق الحدود الجوية في وجه حلفائه الأوربيين ولأول مرة منذ سنة 1945، وذلك بدء من منتصف آذار- مارس 2020، ومغلقا حدود الولايات المتحدة الأمريكية مع حلفائه في مجموعة النافتا كندا شرقا والمكسيك غربا بما فيها الحدود الجوية والبحرية والبرية.[44]

والمستهجن في الأمر، بل والمستغرب أن نجد الولايات المتحدة الأمريكية تخبط خبط عشواء رئيسا وإدارة، كالأسد وقد أذمت الذبابة الصغيرة مقلتيه، ملقية اللوم والاتهام على الآخرين تباعا دولا  من أشخاص القانون الدولي، وفي مقدمتهم دولة الصين منبع جائحة كورونا في منتصف كانون  الأول- دجنبر 2019 ، أولا وبعدها منظمة الصحة العالمية ثانيا ومقرها جنيف السويسرية، فهل  سيصدق الخبير والمتتبع عالما، طبيبا أو خبيرا بقضايا السياسة الدولية الأطروحة الأمريكية الجديدة في تحميل الصين ومنظمة الصحة العالمية سويا ومعا التي أخفت الكثير من الحقائق دفوعات الولايات المتحدة الأمريكية في عجزها التام واللامبرر في مواجهة جائحة كورونا،[45] وهي تعلن الموت والقتل لعشرات المآت من الأمريكيات والأمريكيين بنيويورك مفخرة المال وعاصمة الاقتصاد العالمي،[46] وفرضا أن المرض انتقل من مدينة ووهان الصينية، أو على حد تعبير الرئيس الأمريكي – الفيروس الصيني، أو كذلك على حد تعبير كاتب الدولة في الخارجية الأمريكية جورج بومبيو الذي أسماه ب – فيروس ووهان-.

أين كانت المخابرات الأمريكية والتي لا تغادر كل صغيرة وكبيرة إلا وأحصتها،[47] وأين هي المنظومة الصحية الأمريكية لأعتى دولة في العالم تحصد سنويا وعلى امتداد عقود عشرات جوائز نوبل في آخر الاختراعات الطبية سنويا،[48] وكيف لعشرات الرحلات حتى إن لم نقل آلافها تلك المنظمة عبر الأجواء العالمية وعبر مختلف دول العالم وخاصة تلك المنطلقة من الصين نحو إيران، والقارة الأمريكية ومعها القارة الأوربية إلى جانب القارات الأخرى أن لا تتحوط وتتخذ كل التدابير الاحترازية الممكنة و حتى القصوى منها في مواجهة مرض جديد تحول وبسرعة فائقة من وباء إلى جائحة، فحسب كل المعطيات والمعلومات الحكومة الصينية أحاطت منظمة الصحة العالمية علما بذلك بدء من 3 يناير – كانون الثاني 2020، ومدير عام الوكالة الدولية المتخصصة في المجال الصحي والتابعة لمنظمة الأمم المتحدة كانت تعقد ندوات صحفية شبه يومية لمديرها العام، وخبراءها الطبيين، وعلمائها المتخصصين في مجال الأوبئة، محذرة ومتوعدة العالم من أخطار هذا الفيروس، وإلا كيف نفسر تحكم الجوار الصيني في أخطار الجائحة ويكفي أن نذكر هنا بتايوان، وهونغ كونغ، واليابان، وسنغافورة، فلماذا استهترت إدارة الرئيس دولاند ترامب و وزارة الصحة الأمريكية بخطورة تداعيات الجائحة، وهي تعلم سلفا حجم الرحلات الجوية والتي تعد بالمآت تلك التي تربطها بالصين أولا، وبدول الجوار الصيني القريبة منه والبعيدة، ولماذا اختارت إدارة الرئيس الأمريكي دولاند ترامب خيار الأمن الاقتصادي قبل الأمن الصحي للمواطن والمواطنة الأمريكية على امتداد الولايات الأمريكية التي ضربتها الجائحة وفي مقدمتها ولاية نيويورك التي قسمت ظهر بعيرها بعدد الموتى يوميا والذي كان يتجاوز المآت بل حتى الآلاف ومقابر الدفن الجماعية في صورة قل نظيرها في التاريخ الأمريكي ولربما ذكرت الأمريكيين بأهوال الحرب الأهلية الأمريكية لسنوات 1861- 1865.[49]

كيف للعقل والمنطق أن يقبل الوعد والوعيد وقبله الانتقادات الشديدة اللهجة للرئيس الأمريكي دولاند ترامب خاصة في مخاطبة مدير منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية المتخصصة في صحة شعوب العالم بالكذب والبهتان، ومعه التستر على حقيقة خطورة الجائحة، في أكثر من خرجة إعلامية أمام البيت الأبيض في مقابلاته الصحفية والإعلامية اليومية، و التي كان يتابعها كل العالم ندد الرئيس الأمريكي بسلوك المنظمة العالمية المنحاز للصين، ومذكرا إياها بنسيان ونكران الجميل لأكبر دولة في العالم تقدم أكبر مساهمة مالية للوكالة الدولية،[50] والمقدرة ب 450 مليون دولار مقارنة بهزالة المساهمة الصينية والتي لا تتجاوز 40 مليون دولار سنويا،[51] ولكن نعتقد جازمين أن الولايات المتحدة الأمريكية في شخص رئيسها وإدارته الجمهورية المقبلة على استحقاق رئاسي في تشرين الثاني- نونبر 2020 والحالم بالعودة إلى إدارة أمريكا لولاية ثانية عبر بوابة البيت الأبيض، حاولت بل وسعت جاهدة للتنصل من المسؤولية السياسية الداخلية أمام المواطن والناخب الأمريكي لترمي بالتهمة في مرمى منظمة الصحة العالمية،[52] وكم كان مخزيا ومؤسفا أن تفشل القمة السنوية لمنظمة الصحة العالمية أمام التنديد الأمريكي بسلوك الوكالة العالمية ومديرها، وأن يخرج الرئيس الأمريكي بعدها بأيام قليلة معلنا توقيف منح المستحقات السنوية الأمريكية ومحملا كذلك دولة الصين وحكومتها كامل المسؤولية في إخفاء الحقيقة، والصين بحكمتها المعتادة ورويتها، ومشيتها مشية السلحفاة بحكمة وتؤدة،[53] أعلنت أنها ستلتزم بدفع ملياري دولار على امتداد سنتي 2020 و2021، خدمة للأمن الصحي العالمي في كيفية التعامل وتدبير الجائحة، مذكرة الولايات المتحدة الأمريكية ومعها بقية المجتمع الدولي،[54] أنها قامت بما يكفي لإحاطة منظمة الصحة العالمية علما بضرورة أخذ كل التحوطات،[55] لكن للأسف الشديد أن أغلب حكومات العالم وفي مقدمته حكومات الدول الغربية الأوربية والأمريكية ومن غير استثناء وضعت في أذنها وقرا، ولم تكن آبهة على امتداد الأشهر الثلاث الأولى من ضرب الجائحة للصين بخطورة المرض وتداعياته الخطيرة،[56] وإلا كيف نفسر ما حصل من انهيار  كامل وشلل تام لمنظومات صحية غربية أمريكية وأوربية على حد سواء، في إيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا ومعها بريطانيا، وكذا في البدايات الأولى ألمانيا أمام هذا العدو الخفي الذي قضى جرائه ما يزيد عن 471000 من ساكنة العالم في أقل من 180 يوما، وضرب ما ينيف عن 183 دولة.

النقطة الرابعة: عوالم الجنوب وجائحة كورونا بين خصاص الجنوب وحيرة الشمال

أولا: إيران البؤرة الثانية لجائحة كورونا أسيويا وقاريا

لم تتوقف تداعيات جائحة كورونا عند حدود الدول الغنية في الشمال، والتي وصلتها بعد ثلاثة أشهر من دق إسفينها الأول بمدينة ووهان الصينية في منتصف كانون الأول – دجنبر 2019، بل كانت العديد من الدول المتنامية والصاعدة في عوالم الجنوب ضحية للوباء والجائحة، تأتي في مقدمتها دولة إيران المحاصرة غربيا، والخاضعة لعقوبات اقتصادية وتجارية صارمة فرضتها عليها إدارة الرئيس الأمريكي ترامب منذ سنة 2018 ، في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الغربي الموقع مع الدولة الإسلامية الشيعية الإيرانية في منتصف سنة 2015، وهذا ما دفعها إلى تقوية علاقاتها بالقوى الأسيوية والأورو الأسيوية من قبيل الصين وروسيا على مستويات اقتصادية وعسكرية، بل وحتى لقوى إقليمية إسلامية في منطقتي الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وأخرى داخل العالم الإسلامي من قبيل تركيا وباكستان، ولما لا حتى استراتيجية والتفاهم حول العديد من القضايا والأزمات الإقليمية والعالمية، من قبيل الصراع في سوريا، والأزمة اليمنية منذ اشتداد وطأة عاصفة الحزم بدء من آذار – مارس 2015، وتنامي النفوذ الأمريكي الأحادي الجانب وغير المقبول عالميا.

ومن هنا، فلا غرو، أن تكون إيران الدولة الإسلامية الأولى ضحية جائحة كورونا لشدة العلاقات الصينية- الإيرانية في السنتين الأخيرتين، ولقوة المبادلات التجارية الثنائية بين بكين وطهران، ومن ثم عددت إيران عدد ضحاياها بنسبة فاقت وتجاوزت كل الدول الأسيوية بعد الصين قاريا، لتصبح البؤرة الثانية قاريا، والأولى على مستوى العالم الإسلامي حتى قبل إندونيسيا، وباكستان، وبنغلاديش والمملكة العربية السعودية.

ثانيا: المملكة العربية السعودية وتدبير الجائحة بين الإرادة والتحديث

تجاوزت جائحة كورونا دول وسط آسيا من حيث انطلقت لتصل وفي أمد قريب حيث ضربت دول الشرق الأسيوي من اليابان إلى كوريا الجنوبية، إلى دول في جنوب آسيا من قبيل الهند، باكستان وأخيرا بنغلاديش، ناهيك عن غرب آسيا حيث إيران ضربت هي كذلك في مقتل.

لتتسلل بعدها الجائحة إلى حدود دول مجلس التعاون الخليجي الست بما فيها قطر،[57] الكويت، الإمارات العربية المتحدة، مملكة البحرين، سلطنة عمان وأخيرا المملكة العربية السعودية الدولة  الأكبر إسلاميا بمساحتها وتعدادها السكاني على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، والتي وجدت نفسها أمام ضربتين موجعتين، ضربة انخفاض أسعار النفط، ودخولها في حرب نفطية مع العملاق الروسي، وذلك في غياب ربما أدنى تصور استراتيجي على المدى البعيد، ولربما بضغوطات كبيرة خفية وعلنية من حليفها الاستراتيجي الولايات المتحدة الأمريكية، ناهيك عن فاجعة جائحة كورونا التي أوقفت الاقتصاد السعودي المعتمد بالأساس على مصادر الطاقة لأول دول منتجة للطاقة عالميا،[58] بل وحتى روحيا لاحتوائها مناسك الحج والعمرة،[59] بحيث تشهد أراضيها سنويا أزيد من ثلاثة ملايين حاج وحاجة وقبلها بين أشهر شعبان و رمضان، وشوال نفس العدد من المعتمرين والمعتمرات،[60] وما يشكله ذلك في إطار الفريضة الدينية والسياحة الدينية كذلك من أموال تقدر بملايير الدولارات تستفيد منها الخزينة العامة السعودية كعوائد من مناسك العمرة وفريضة الحج.

ثالثا: الرؤية الاستراتيجية الملكية والنموذج المغربي في مواجهة الجائحة

نعتقد جازمين وبكل أمانة وموضوعية من الناحية العلمية، أن المؤسسة الملكية في شخص جلالة الملك محمد السادس ومحيطه كان له تصور بل تشوف واستشراف استراتيجي تدريجي وكبير لكيفية التعامل مع مرض ووباء وجائحة كورونا، حجتنا في ذلك أن جلالة الملك ومنذ شباط – فبراير الماضي أصدر تعليماته السامية بضرورة السهر على حسن عودة الرعايا المغاربة العالقين بمدينة ووهان الصينية التي ضربتها الجائحة مع منتصف كانون الأول – دجنبر 2019،[61] في حين أن حكومة الرئيس سعد الدين العثماني كانت منشغلة بكيفية تدبير وتهيئ الاستحقاقات التشريعية لسنة 2021،[62] وفي غياب أي تصور لا سياسي و لا استراتيجي لكيفية التعامل وتدبير الجائحة، حتى لحظة صدور القرار الملكي الحكيم والمتبصر أولا بضرورة توقيف الدراسة وكل أشكال التحصيل العلمي على مختلف المستويات من روض الأطفال إلى مدرجات الجامعة والتعليم العالي،[63] والتعجيل بتشكيل لجنة اليقظة الوطنية،[64] بتعليمات ملكية واضحة وجلية لكيفية التعامل وتدبير الجائحة، بعد صدور قرار إغلاق الحدود الجوية والبرية والبحرية، وضرورة السهر على الأمن الصحي للمواطنين والمواطنات المغاربة والتكفل بضحايا الجائحة صحيا وسوسيو اقتصاديا في سياق وطني وإقليمي وعالمي دقيق وشائك، أهم عناوينه داخليا قلة التساقطات المطرية لموسم فلاحي شبه جاف خاصة على مستوى المحاصيل الخريفية السنوية التي ترتكز على زراعة الحبوب،[65] وسياق إقليمي، يتميز بعدم وضوح الرؤيا عربيا لحالة العالم العربي  الميؤوس منه إقليميا على الأقل في المرحلة الراهنة.

وبهذا، لمسنا توجها استراتيجيا جديدا للملك محمد السادس في المجال المحفوظ لمؤسسته الدستورية السامية والسامقة على مستوى السياسة الخارجية، وفي إطار فلسفته الحكيمة التي لا تتوقف عند حدود أرنبة الأنف، وإنما تحمل في طياتها تصورات لكيفية التعامل جنوب – جنوب، ضمن استراتيجية رابح – رابح، نسجل ذلك من خلال مبادرات ملكية سامية، كان أولها اتصالات هاتفية مع بعض الرؤساء الأفارقة في السنغال وكوت ديفوار لتقديم الخبرة والتجربة المغربية قولا وفعلا، وثانيها اتصال هاتفي بالرئيس التونسي تناول نفس الموضوع، وإقامة مصحة ملكية بدولة مالي، ناهيك عن تقديم يد العون والمساعدة لخمسة عشر دولة أفريقية وراء الصحراء الكبرى بدء بالجارة الجنوبية موريتانيا.[66]

وهذا، ليس بجديد عن فلسفة وسياسة الملك محمد السادس في رؤيته الدولية والقارية لقضايا القارة الأفريقية، لمسنا ذلك في القمة الأوربية الفرنسية منذ عقدين من الزمن بالقاهرة في يونيو- حزيران 2000، لحظة إعلان جلالته أن المغرب كدولة أفريقية راسخة ومتفهمة لقضايا القارة الأفريقية الملحة يتنازل عن كل ديونه اتجاه الدول الأفريقية الأكثر تضررا، وفي قمة المناخ بمراكش تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة وبحضورها أمينها العام الأسبق بان كيمون، بدفاعه المستميت عن قضايا القارة الأفريقية، وكل هذا وذاك قبل عودة المغرب إلى بيته الأفريقي الأصيل في قمة أديس أبابا بخطاب سيظل موشوما في الذاكرة السياسية المغربية والذاكرة السياسية الأفريقية في 31 كانون الثاني- يناير 2017، والذي أكد فيه على أنه يعود إلى بيته الأفريقي الجميل، ليس بهدف إنهاكه وإنهاك الأفارقة ومعهم منظمتهم القارية منظمة الاتحاد الأفريقي بقضية الصحراء المغربية، ولكن خدمة لقضايا التنمية الناجحة بعد عقود خمس من التنمية العصية، خدمة لقضايا الجنوب في إطار تفاعل وعلاقات رابح رابح بعد أن أنهكت هذا الجنوب تضاريس العولمة الزاحفة وخيبة وعود دول الشمال الحائرة مرتين، حيرة أولى ما بعد تحطيم حائط برلين، وحيرة ضربة جائحة كورونا التي زلزت أقدام العالم وسلطانه في أشرس حرب وأفتكها يقودها عدو خفي يطل على الحدود، ويتقدم غير آبه بالبشرية وكرامتها الإنسانية، وغير عابئ حتى بتطورها التكنولوجي والعلمي الذي وقف عاجزا، كالذي بهت بعد أن كفر.

خاتمة

آن الأوان لدول العالم  مجتمعة أن تعود إلى تلك الحكمة الخالدة المسطرة في ديباجة ميثاق منظمة الأمم المتحدة والتي أتت كالتالي: ” نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب ….”،[67] فلقد آن الأوان بعد الضربة القاسمة لجائحة كورونا، والتي قطعت كل أوصال العالم، في أشرس حرب تعرفها البشرية منذ خلق آدم عليه السلام، أن تتضافر جهودها الجماعية علميا وطبيا لإنقاذ البشرية، وهي قادرة على ذلك، شريطة اتحاد الإرادات السياسية لمختلف دول العالم ولنحن شعوب الأمم المتحدة، فالوقت ليس للمهاترات السياسية، وتضارب المصالح الاقتصادية للدول الكبرى وللقوى العالمية، والقارية والإقليمية، كما أكد على ذلك السيد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنتونيو غوتريس، بل الوقت لحكمة العقل وصوت الضمير عالميا ووطنيا في إطار مفهوم جديد للسلطان العالمي،[68] ومفهوم جديد للسياسات العالمية، ومفهوم جديد للسلطة السياسية داخل الدول وخارجها، بمفاهيم جديدة للبحث العلمي وتطويره بما يخدم البشرية قاطبة خاصة في القطاعين العلمي والصحي، بمفاهيم جديدة لسلطان ومجالات تدخل الدولة، ومفاهيم جديدة لتحقيق العدالة الاجتماعية في أبعادها الوطنية والدولية حتى تنعم البشرية بالأمن والسلم الدوليين وفي مقدمته الأمن الصحي والذي غذى مطلبا ملحا وطنيا وعالميا كأكبر درس تعتبر به البشرية قاطبة في عصر جائحة كورونا.

وبالنسبة لدولة المغرب فعلى امتداد نيف وعقدين من حكم جلالة الملك محمد السادس لهذا البلد الأمين، وعلى امتداد مسيرة نيف وعشرون عاما منذ 30 يوليوز- تموز 1999، وارتكازا على مفهوم جديد للسلطة بخطاب الدار البيضاء في 12 أكتوبر – تشرين الأول 1999، وبخطاب تاريخي لدستور مملكة مغربية ورد ضمن المرتكزات السبع لخطاب 9 آذار – مارس 2011، وبدستور مملكة مغربية تم اعتماده في استفتاء شعبي ليومه الجمعة الفاتح من تموز – يوليوز 2011، وبتحديات أمنية لما بعد الجمعة الأليمة 16 آذار – مارس 2003، وبخطاب لإنقاذ التنمية العصية في إطار  مبادرة وطنية للتنمية البشرية في 28 آيار – ماي 2005، وبرؤية استراتيجية واسشترافية تتطلع لوضع المغرب على السكة الصحيحة لعصر العولمة الداهمة، انطلاقا من مشروع النموذج التنموي الجديد حتى نلحق بركاب الدول الصاعدة قاريا وعالميا من أمثال نمور وأشبال آسيا، كما أراده جلالة الملك وهو يعين أعضاء لجنة النموذج التنموي الجديد.

فلقد آن الأوان لمغرب العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين أن يركب قطار السكة الصحيحة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بغية تحقيق حلم المغرب ملكا وحكومة وشعبا، مغرب العدالة الاجتماعية بشريا ومجاليا في أبعد تجلياتها الاجتماعية باقتصاد قوي لمغرب قوي قادر على مواجهة التحديات والصعاب ما دام ركن بيته حديد وسقف بيته حجر، فعقارب الزمن العالمي أصبحت لا ترحم، وعلينا أن نتيقن أن عالم وعصر ما بعد جائحة كورونا ليس كما كان قبلها.


[1] يستحضر خبراء الصين وآسيا، ونحن واحد منهم هذه الأيام حكمة إمبراطور فرنسا نابليون الخالدة، والتي قال فيها:” الصين مارد نائم، فدعوه نائما، لأنه إذا استيقظ هز العالم”، ونحن نضيف إليها:” وإذا مرض بجائحة كورونا طال مرضه كل أطراف العالم”.

[2] شبه كثير من الباحثين والمتخصصين بالشؤون الأسيوية وخاصة منها اليابانية- الصينية إصلاحات دانغ سياو بينغ بإصلاحات عصر  الميجي باليابان ما بين سنوات : 1868 – 1912.

[3] د. محمد غربي،” القوى الاقتصادية الأسيوية وعلاقاتها بالعالم العربي”، مطبعة سبارطيل، طنجة، الطبعة الخامسة ، نونبر 2017، ص:  112- 114.

[4] راجع بهذا الخصوص التقرير السنوي لمنظمة التجارة العالمية، الصادر بجنيف في آذار- مارس 2011.

[5] أليس هو الذي خاطب الصحافة الأمريكية في أول زيارة لرئيس صيني شيوعي إلى الولايات المتحدة الأمريكية دانغ سياو بينغ، عن حال الاقتصاد الصيني، مجيبا بحكمة صينية خالدة وخالصة، :” لا يهمني شكل القط هل هو  أبيض أو أسود بل كم سيلتهم من الفئران”.

[6] استطاعت الحكومة اليابانية القضاء منذ الوهلة الأولى على جائحة كورونا بفعل السياسة الاستباقية، ولحسن الإدارة الاستراتيجية للحكومة اليابانية، التي تعودت التعامل مع مثل هذه الأزمات الدورية سواء كانت داخلية أو دولية، وسواء أكانت من صنع الطبيعة أو من فعل الإنسان وسلوكه، ألم تنهض اليابان من ضربتين نوويتين جارحتين ما بين 6 و 9 أغسطس- آب 1945، كيف لا واليابان احتلت الرتبة الثالثة في الاقتصاد العالمي لزمن عصر الحرب الباردة بين بكور ستينيات وخريف ثمانينيات القرن العشرين، بل غذت القوة الاقتصادية الأولى قاريا على مستوى القارة الأسيوية ، والثانية عالميا على المستوى العالمي بين سنوات : 1991- 2011، لتدحرجها الصين إلى المرتبة الثالثة كوكبيا في أعقاب زلزال تسونامي القوي والمؤرخ في الجمعة 11 آذار- مارس 2011، هي التي كانت تتأهب وإلى عهد قريب من انطلاقا الجائحة لتنظيم الألعاب الأولمبية في دورة صيف 2020، كما فعلت حين استقبلت الألعاب الأولمبية لصيف 1968، أو لحظة تنظيم كأس العالم مناصفة مع كوريا الجنوبية لصيف 2002، هي التي أعلن رئيس وزرائها أنها على أتم استعداد لتنظيم الدورة بمدينة طوكيو بحلول صيف 2021

[7] قائد النمور الأسيوية، دولة وحكومة كوريا الجنوبية، صاحبة المعجزة الاقتصادية الأسيوية، كما وسمها تقرير البنك العالمي الشهير لسنة 1993، قدمت دليلا آخر على تفوق النموذج الأسيوي عامة ومعه النموذج الكوري الجنوبي في كيفية تدبير الجائحة، لدولة احتلتها اليابان ما بين سنوات 1910-  1945، هي التي عانت من تداعيات الحرب الكورية لسنوات: 1950- 1953، مستفيدة من هبوب رياح الحرب الباردة عليها في أعقاب انشطار الكوريتين إلى شمالية نووية منغلقة على نفسها على الطرازين السوفييتي زمن جوزيف ستالين والصيني في عصر ماو تسي تونغ، وكوريا الجنوبية الدولة الصناعية الصاعدة كأنموذج رائد في المعجزة الأسيوية لدول شرق آسيا منذ العقد التاسع للقرن العشرين، وكأنموذج رائد اليوم لكيفية تدبير جائحة كورونا، لشعب منضبط بحكومة قوية وتقاليد أسيوية راسخة بثقافة بوذية، نبعها كونفسيوشي خالد يتماشى وضرورات العولمة الداهمة، ونحن عشنا وتابعنا كيف يعيش المواطن والمواطنة الكوري الجنوبي حياته العادية بتكيف وتأقلم تامين مع تداعيات جائحة كورونا.

[8] قدمت الجزيرة المنفصلة عن الصين منذ فاتح أكتوبر- تشرين الأول 1949، تايوان نموذجا آخر من نماذج النجاح الأسيوي الصيني، الياباني والكوري الجنوبي في تدبير جائحة كورونا.

[9] تقدم سنغافورة الدولة المدينة والتي تعد أنموذجا رائدا للتنينات الأربع، والتي وسمها تقرير البنك العالمي هي كذلك منذ سنة 1993، أنموذجا حيا في كيفية تدبير جائحة كورونا.

[10] محمد الأمين البقالي الطاهري،” الدول الصاعدة في آسيا كنماذج للتنمية في العالم العربي: دراسة في الأنساق والوظائف”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، تحت إشراف د محمد غربي، كلية الحقوق بطنجة، السنة الجامعية: 2018- 2019، ص: 55- 57.

[11]فرانسيس فوكوياما طرح ذلك في مقالة مقتضبة تحت عنوان:” نهاية التاريخ ” طرحها في سنة 1989، وحولها إلى مؤلف أتى بعنوان:” نهاية التاريخ وخاتم البشر”، أصدره في سنة 1992.

[12]صامويل هتنغتون هو كذلك أتى بمقالة تحت عنوان: ” صدام الحضارات “، نشرها في ربيع 1993، ليحولها بعد ذلك إلى مؤلف أتى بعنوان:”صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي الجديد”، والذي طرحه في سنة 1996، لمزيد من التوسع،.

د. محمد غربي،” الوجيز في العلاقات الدولية مع دراسة تأصيلية مختصرة للقانون الدولي الإنساني”، مطبعة اسبارطيل، طنجة، الطبعة السادسة، خريف 2019، ص: 26- 28.

[13] والتي كانت موزعة بين البسيطة الإسبانية، والفرنك الفرنسي، والليرة الإيطالية، والجنيه الاسترليني، والمارك الألماني وغيرهما من عملات دول الاتحاد الأوروبي قبل توحيد العملة ضمن عملة واحدة عرفت أوربيا وعالميا بعملة الأورو التي دخلت حيز التنفيذ بدء من فاتح يناير – كانون الثاني 1999.

[14]  وذلك إذا أضفنا إليها الصين، كما دعا إلى ذلك الرئيس الفرنسي الأسبق اليميني نيقولا ساركوزي.

[15] كما نلحظ مؤخرا في الأزمة الليبية المستعرة ومن جديد بين قوات حفتر المدعومة من طرف فرنسا، وقوات حكومة الوفاق الوطنية التي يرئسها السراج والمعترف بها دوليا، والتي تقف إلى جانبها إيطاليا، سواء قبل أو بعد التدخل العسكري الذي حسم المعركة العسكرية في الغرب الليبي وعلى تخوم العاصمة إلى طرابلس، داحرا وإلى حين قوات الجنرال حفتر التي تلقت ضربات عسكرية واستراتيجية موجعة في حزيران- يوينو 2020،  دفعت بها إلى التراجع الكبير والملحوظ إلى الجبهة الشرقية ، ومحاولة الاستجداء بقوات إقليمية جارة في الشرق عبر مصر  ونظام الرئيس المصري السيسي الذي اعتبر أي تقدم عسكري أو استراتجي نحو سرت أو الشرق الليبي هو بمثابة خط أحمر، أو التوسل ومن جديد إلى قوى عالمية وقارية من قبيل روسيا وألمانيا ناهيك عن فرنسا، و لا زالت القضية الليبية التي خضعت  للتدويل الإقليمي والعالمي منذ لحظة مقتل الزعيم معمر القذافي في أكتوبر- تشرين الأول 2011، تتأرجح بين مصالح الدول الإقليمية والعالمية القريبة منها والبعيدة من قبيل أمريكا، روسيا، ودول بعينها في الاتحاد الأوربي، تأتي في مقدمتها إيطاليا وفرنسا، وبعدها ألمانيا، وابريطانيا، والفرقاء الليبيون غير متفقين على كلمة سواء بينهم تجمعهم على لحمة واحدة، هم أصحاب المرجعية الإسلامية السنية والمذهب المالكي الموحد، هم اليوم موزعون أطرافا قددا بين اتفاق الصخيرات لكانون الأول- دجنبر 2015، ومخرجات مؤتمر برلين لسنة 2020، وأجندات لقوى إقليمية عربية وإسلامية تقابلها إملاءات لمصالح استراتيجية عالمية في الجغرافيا الليبية بموقعها الاستراتيجي الحساس والخطير ومنابع نفطها المتدفقة نحو الغرب بشقيه الأوربي والأمريكي.

[16] لم تشهد ضفة البحر الأبيض المتوسط الجنوبية والشمالية على حد سواء مثل هذا التدفق اللامحدود للاجئين السوريين والذي ناهز ست ملايين نسمة على امتداد السنوات الأخيرة للحرب السورية 2013- 2020، وآخرها أزمة إدلب في كانون الأول- دجنبر 2019، حيث تدفق مآت الآلاف عبر الحدود السورية- التركية، والتركية – اليونانية قاصدين قبلتهم الجديدة نحو ألمانيا ، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا عبر جبال الألب وسهول، القارة العجوز وغاباتها عبر هنغاريا، وبلغاريا في رحلة اللاعودة إلى الوطن الأم سوريا، وبوعود معسولة  من أطراف متعددة داخل المجتمع الدولي بدفع أربع ملايير ونيف أورو كمساعدات لحجم اللاجئين السوريين الذي شكلوا أكبر عبئ على المجتمع الدولي خلال العقد الثاني ومع البدايات الأولى للعقد الثالث من القرن الجاري، في أكبر كارثة للاجئين يشهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بل ومنذ نكبة فلسطين في آيار- ماي 1948

[17] وكأنني بقول الشاعر العربي:

 ألقاب مملكة في غير موضعها           كالهر يحكي انتفاخا صورة  الأسد.

 تعد البرازيل اليوم البؤرة الأولى على مستوى قارة أمريكا الجنوبية، والبؤرة الثانية في الجزء الغربي من الكرة الأرضية على مستوى كل القارة الأمريكية بعد الولايات المتحدة الأمريكية التي أصابتها جائحة كورونا، والتي يعد عدد المصابين فيها بأكثر من 10000 برازيلي وبرازيلية في كل يوم، بحيث وصل عدد الإصابات لما يناهز 850000، لتعداد سكاني يبلغ 212 مليون نسمة، و أمام شبه شلل للمنظومة الصحية البرازيلية، التي لم تسعفها إلا القبور الجماعية، وأمام رئيس برازيلي يميني لا يؤمن إلا بالأمن الاقتصادي في ظل العولمة الداهمة، هو الذي حاول في أكثر من خطاب، وفي أكثر من جولة طمئنت البرازيليين من مخاطر الجائحة، وسط توجس شعبي كبير وسوء تقدير حكومي،وغياب أي استراتيجية صحية حكومية واضحة المعالم مما دفع وزيرين للصحة في البرازيل إلى تقديم استقالتهما إلى الرئيس البرازيلي جايير بولسورانو الذي طالما شكك أصلا حتى في وجود فيروس كورونا.[18]

[19] وعلينا أن نعلم أن إيطاليا سليلة الإمبراطورية الرومانية، ومحط الكنيسة الكاثوليكية، وكل المعتنقين للمسيحية في ثوبها الكاثوليكي النقي والخالص محجهم الديني السنوي، والأسبوعي بل واليومي يكون كنيسة روما التاريخية، فكيف للسياحة وما يحوم حولها من قطاع فندقة ورحلات جوية وبحرية أن تتوقف هكذا فجأة،  فشركة لوفتانزا الألمانية للطيران الجوي عملاق الفضاء الأوربي بل وحتى العالمي تعلن عن تسريح 22000 مستخدم داخل الشركة ومعها تتعطل الإدارات والمدارس، والمعاهد، والكليات ، والجامعات، والمقاهي، والمطاعم، ودور السينما والمسرح، والملاهي الليلية وحانات الخمور … وهلم جرا.

[20] والذي تقدم عمدته كما هو حال رئيس وزراء إيطاليا، ووزير خارجيتها، بل وحتى وزيري الصحة والداخلية مقدمين كل الشكر والعرفان والامتنان للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ووزير خارجيته  لافروف، ناهيك عن كل الامتنان الذي قدم لوزير الدفاع الروسي على المجهود الاستثنائي والجبار التي قادته القوات المسلحة الروسية ومعها الأطقم الطبية الروسية العسكرية والمدنية على حد سواء التي وقفت جنبا إلى جنب مضحية بالغالي والنفيس في رفع جائحة كورونا.

[21]ومن ثم فلا عجب أن نرى أصواتا سياسية ونقابية إيطالية وأخرى من المجتمع المدني الإيطالي تحيي وتحيي الهبة الروسية، والأخوة الروسية الصادقة، بل وترفع العلم الروسي مقابل إحراق علم الاتحاد الأوربي و معه علم حلف الشمال الأطلسي، وتشعر بالخيانة الأوربية التي كشفت عنها جائحة كورونا، وكم هو صعب على المرء أن يصدق تنكر ذوي القربى.

أما يذكرنا الشاعر العربي بقوله:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة      على المرء من وقع الحسام المهند

[22] وذلك حال فرنسا خلال الجيل الذهبي للعقود الثلاث التي أتت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية والمطبقة لنظريات البريطاني جون مينارد كينز  الاقتصادية على امتداد سنوات 1945- 1975.

[23] وكأني، وعلى قول الشاعر العربي:

كالعيس في البيداء يقتلها الضما   والماء فوق ظهورها محمول.

[24] بل الأنكى والأمر أن نجد النقل الجوي المدني والعسكري الفرنسي يقوم برحلات جوية استعجالية نحو ألمانيا التي فتحت حدودها الجوية استثناء، وصدرها بمراكزها الطبية وأطقمها الطبية كذلك لحالات مستعجلة عجز الطب والدواء الفرنسي أن يجد لها حلولا أمام ضراوة وقساوة جائحة كورونا، لولا المساعدات والإسعافات التي قدمتها الجارة الشمالية لفرنسا أي ألمانيا من خلال مراكزها الاستشفائية وأطبائها الذين وقفوا على علاج ومعاينة الحالات الفرنسية المستعصية والأشد خطورة، ومعها بقية الحالات المتزايدة التي عجز الطب الفرنسي عن إسعافها.

 بل وكيف نفسر وفاة العديد من الأطباء الفرنسيين على غرار نظرائهم البريطانيين والأمريكيين والمصريين وهم يداوون مرضاهم، بل وحتى الصيادلة في الصيدليات وهم يبيعون أدويتهم لمختلف المرضى.

فهل بلغت الجائحة إلى هذه الدرجة؟ لتسمح للشاعر العربي أن ينشد ومن جديد:

مات المداوي والمداوى   والذي صنع الدواء وباعه ومن اشترى

[25] وهي الرياح التي انتصر لها الوزير الأول الفرنسي اليميني الأسبق جاك شيراك وهو يدشن التعايش السياسي مع الرئيس الاشتراكي الأسبق فرانسوا ميتران ولأول مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة منذ سنة 1958، أي منذ إقرارها لدستور 4 تشرين الأول- أكتوبر 1958.، متزامنا مع نفس العقيدة التي آمنت بها رئيسة الوزراء المحافظة السابقة مارغريت تاتشر بدء من سنة 1979، ومعها  ما وراء الأطلسي الرئيس الجمهوري الأمريكي السابق رولاند ريغان بدء من 20 كانون الثاني – يناير 1981.

[26] فمن سره زمن الانسحاب من الاتحاد الأوربي أساء إليه زمن كورونا المذل والمخزي.

[27] خطاب رئيس وزراء ابريطانيا السيد بوريس جونسون حول جائحة كورونا ذكر خبراء التاريخ السياسي المعاصر وخاصة منه البريطانيين بخطاب رئيس وزراء بريطانيا المحافظ كذلك وونستن تشرشل عشية المواجهة ضد ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، حينما خاطب شعب ابريطانيا  بقوله :” أنه ليس عنده ما يقدمه لهم سوى الصبر والحديد والنار والموت”.

[28] ولقد ذكرت الملكة كل البريطانيين والبريطانيات في متن ذلك الخطاب بالمحنة الكبرى التي مرت بها هي كذلك، يوم كانت أميرة جراء الضربات الموجعة اليومية وعلى امتداد سنوات الحرب العالمية من ألمانيا، وعن ذكرياتها الطويلة والتي امتدت لسنوات أربع وليس أسابيع فقط كما أخبروها أولا،  والتي قضتها في المخافر بعيدة عن عاصمتها لندن.

[29] قدمت المستشارة الألمانية هي المقبلة على رئاسة الاتحاد بعد قمة نهاية يونيو- حزيران 2020 حزمة من الاقتراحات على المستوى الأوربي لمحاولة إنقاذ الدول الأكثر تضررا من تداعيات جائحة كورونا، حيث قدمت واتفقت مع المفوضية الأوربية على حزمة من الإصلاحات والمساعدات المالية تقدر ب 750مليار أورو هي الأعلى والأضخم في تاريخ الاتحاد الأوربي، لمحاولة إنقاذ أنظمة الدول اقتصاديا، خاصة على مستوى انهيار منظومتها الصحية وكيفية تدبير ملايين الوظائف التي فقدت، ووجد أصحابها أنفسهم في عطالة تامة، هكذا فجأة خاصة في قطاع الخدمات من طيران وسياحة وخدمة فندقية، ومقاهي، وعلب ليلية، ومطاعم، ومنتجعات، ومهرجانات، ودور للسينما، ومسارح … وهلم جرا في أسوء كارثة تضرب دول الاتحاد الأوربي على امتداد سبعة عقود الأخيرة.

 كل التقارير الاقتصادية الصادرة من ألمانيا ومن مجموعات رسمية ومنظمات دولية حكومية وغير حكومية أوربية وعالمية، تتحدث الآن أن الاقتصادي الألماني سيشرع في التعافي من تداعيات الجائحة مع نهاية 2020، على أن يستعيد عافيته ونشاطه كما كان من ذي قبل مع نهاية سنة 2021.[30]

[31] حجتنا في ذلك الحكومة الفيدرالية الألمانية والإدارة الاستراتيجية الحكيمة والمتبصرة لكيفية تدبير جائحة كورونا التي اعتبرتها الأخطر على ألمانيا منذ وحدتها في 3 تشرين الأول- أكتوبر 1990، وعلى الاتحاد الأوربي برمته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كما أعطت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وحكومتها المركزية في برلين سلطات واسعة للحكومات الفيدرالية المستقلة إداريا والتابعة سياسيا للحكومة المركزية بالعاصمة برلين في اتخاذ التدابير التي تراها مناسبة وحسب خصوصية كل ولاية ألمانية على حدة، وبذلك كانت ألمانيا أول دولة من داخل الاتحاد الأوربي تسترجع عافيتها وتعود بالتدريج وبالتطبيق الصارم للتعليمات الطبية في كيفية التعامل مع الجائحة، الدليل في ذلك عودة البطولة الألمانية إلى التنافس ولو في غياب الجماهير الرياضية بدء من 12 آيار- ماي 2020، في حين لم تعد في إيطاليا، وابريطانيا، وإسبانيا إلا بمتم الأسبوع الأول من حزيران – يونيو 2020، وبداية الألمانيين في السفر والتنقل بين الولايات الألمانية أولا، ووجهاتهم السياحية المفضلة مع اقتراب العطلة الصيفية وإجازاتها الطويلة، كما حصل مع توجه كوكبة من السياح الألمان نحو جزيرة مايوركا الإسبانية رغم التحفظ الكبير الذي أبداه سكان مايوركا المحليين توجسا وتخوفا من موجة ثانية لجائحة كورونا، أو لحظة تنقلهم بالآلاف على متن سياراته الخاصة نحو مختلف الوجهات السياحية الأوربية المفضلة لديهم كالدانمرك مثلا.

[32] علينا أن نتذكر هنا كيف هبت الطائرات الفرنسية والأطقم الطبية الألمانية لمعالجة وتطبيب الحالات الفرنسية المستعصية عن الحل فوق التراب الفرنسي بداء هو الأخطر الذي ضرب فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في سنة 1945، ولم تجد إلا حليفتها الشمالية ألمانيا لإنقاذ ماء وجهها الصحي أمام أنظار  المجتمع الدولي بعد الانهيار المفاجئ التي أصيبت به المنظومة الصحية الفرنسية على غرار  جارتيها الإسبانية، والإيطالية التي وجدت في الهبة الروسية كما هي المساعدات الكوبية منقذا لها.

[33] والعالم الغربي يحتفي تحت زعامة الولايات المتحدة الأمريكية بمرور نصف قرن على تأسيس حلف شمال الأطلسي.

[34] بضوء أخضر من مجلس الأمن الدولي على ضوء أحكام الفصل السابع من الميثاق، في أعقاب صدور القرار الأممي عن مجلس الأمن تحت رقم 1373.، و بمباركة من كل أطراف المجلس.

[35] أو ما يعرف اختصارا بمعاهدة مراكش لنيسان – أبريل 1994، التي ترئسها الراحل الملك الحسن الثاني، بحضور آل غور نائب الرئيس الأمريكي، والرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران في أكبر مؤتمر عالمي تعرفه البشرية منذ تأسيس منظمة الأمم المتحدة عشية نهاية الحرب العالمية الثانية.

[36] سيسجل التاريخ الأمريكي و معه التاريخ العالمي للعلاقات الدولية، أن الرئيس الأمريكي دولاند ترامب كان أول رئيس أمريكي يلتقي بغريمه الرئيس الكوري الشمالي في قمة سنغافورة في 12 حزيران- يونيو 2018، منذ نهاية الحرب الكورية لسنوات 1950- 1953، وعاد ليلتقي به ثانية في فيتنام في شباط- فبراير 2019، من غير التوصل إلى أي اتفاق ثنائي بخصوص الملف النووي لكوريا الشمالية هو المتوعد بوعده ووعيده على إزاحة كوريا الشمالية من الخريطة العالمية لشرق كوريا منذ أن أعلنت انسحابها من الوكالة الدولية للطاقة النووية ومقرها فيينا النمساوية، هي المهددة لجيرتها كوريا الجنوبية ومعها التحرش حتى باليابان في بحرها الإقليمي وفوق مياهها الإقليمية من خلال تجارب نووية وصواريخ متوسطة المدى وبعيدة المدى تعلن بين الفينة والأخرى عن تكرار تجاربها منذ سنة 2006..

[37] التي أحرج فيها حلفائه الغربيين من أوربيين وفي مقدمتهم الفرنسيين والألمان، وغيرهم حين أقدم على إلغاء الاتفاق النووي الغربي- الإيراني لسنة 2015، ومرغما إيران على علاقات صدامية جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فارضا عليها عقوبات اقتصادية ومالية وتجارية، هي الأشد وطأة على إيران الثورة الإسلامية منذ نهاية حكم الشاه ووصول الخميني إلى طهران في كانون الثاني- يناير 1979، وحتى غير آبه بكثرة النداءات والاستجداءات الموجهة إليه من طرف شريحة واسعة من أوساط المجتمع الدولي بضرورة فك العقوبات على إيران على الأقل في ظل تداعيات جائحة كورونا.

[38] التي شجع فيها إرهاب الدولة الإسلامية بالسلاح الأمريكي والتركي، وصادق مؤخرا على قانون قيصر لتشديد العقوبات مجددا على نظام الرئيس السوري بشار الأسد في يونيو- حزيران 2020، وأخشى ما أخشى أن يتكرر النموذج العراقي زمن الرئيس الأسبق صدام حسين في سوريا مع حكم الرئيس بشار الأسد على مستوى العقوبات وتجويع الشعب السوري في ظل الجائحة وما بعدها، كما حدث للشعب العراقي منذ أغسطس – آب 1990 وإلى آيار- ماي 2003، في أسوء عقوبات شهدها العالم منذ إنشاء منظمة الأمم المتحدة في سنة 1945.

[39] الموقف الفرنسي من الهيمنة الأمريكية الماحقة على حلف شمال الأطلسي وضرورة تأسيس قوات عسكرية أوربية مستقلة للتدخل السريع، ليس بجديد في العقيدة الاستراتيجية والعسكرية الفرنسية، فهذا الجنرال شارل ديغول يجمد عضوية بلاده بنفس المنظمة الدولية الدفاعية الأطلسية في سنة 1966، وهذا الرئيس اليميني الفرنسي الأسبق جاك شيراك يعلن معارضته الشرسة على الحرب الأمريكية العدوانية على العراق في آذار- مارس 2003، وهذا الرئيس الفرنسي اليميني الأسبق نيقولا ساركوزي يعيد فرنسا إلى قلب منظمة حلف الشمال الأطلسي بدء من سنة 2008.

[40] يذكرنا هذا بالتدخل الأمريكي في الحرب العالمية الثانية للدفاع عن أوربا وفي مقدمتها بريطانيا وهو أساس التحالف التاريخي الذي نشأ بين الرئيس الديمقراطي الأسبق فرالنكلين روزفليت ورئيس وزراء ابريطانيا المحافظ وينستون تشرشل، وهو نفس المسلك السياسي والاستراتيجي الذي وقفه الرئيس الجمهوري الأمريكي الأسبق رولاند ريغان وهو يدافع عن بريطانيا في حرب المالوين وحول جزرها ضد الأرجنتين في ربيع وصيف 1982، زمن رئيسة الوزراء المحافظة مارغريت تاتشر، وهو نفس المنحى الذي نحاه ثالثة رئيس وزراء بريطانيا العمالي الأسبق طوني بلير حين هب كالعاصفة يدافع عن الولايات المتحدة الأمريكية بعد زلزلة الثلاثاء 11 أيلول- شتنبر 2001، من خلال مشاركته إلى جانبها في الحرب أولا على أفغانستان في 7 أكتوبر – تشرين الأول 2001،  طبقا للقرار 1373، و على العراق في 20 آذار – مارس 2003، في خرق سافر حتى لمضامين القرار 1441 الصادر في 8 نونبر – تشرين الثاني 2002، وذلك في حرب عدوانية تتنافى ومقاصد الشرعية الدولية، بل اعتبرته الصحافة الأمريكية والعالمية حينئذ القائد الأول للدبلوماسية الخارجية الأمريكية حتى قبل كولين باول كاتب الدولة في الخارجية الأمريكية على عهد الرئيس الجمهوري الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن ما بين سنوات 2001 و 2009.

[41] والذي وصفه الرئيس الأمريكي ترامب الحليف الاستراتيجي القوي ، والصديق الوفي والشجاع للولايات المتحدة الأمريكية المرحب به قبل بقية الحلفاء في قارة أمريكا وراء أمواج المحيط الأطلسي استراتيجيا واقتصاديا، تلك هي الكلمات التي نطق بها الرئيس الأمريكي ترامب بعد دخول رئيس وزراء بريطانيا غرفة العناية المركزة بعيد إصابته بجائحة كورونا، والتي غيرت الكثير من ملامحه ووجهه الفيزيولوجيي كما غيرت الكثير من المعطيات جيو استراتيجيا وجيو اقتصاديا في الخرائط القارية والعالمية لاستهلال العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين ومعه الألفية الثالثة.

[42] كل التقارير الطبية والإحصائية تؤكد أنه على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية التي اعتبرت في ربيع 2020 البؤرة الأولى للوباء العالمي جراء جائحة كورونا بعد بؤر الصين، وإسبانيا، وإيطاليا، أن عدد موتى الجائحة أمريكيا تجاوز وبكثير عدد الذين قضوا نحبهم من جنود ومدنيين أمريكيين في حرب فيتنام للعقدين السادس والسابع من القرن العشرين.

[43] وبين خبير أمريكي أول وخبير أمريكي ثان ذو أصول مغربية متجذرة قدم الرئيس الأمريكي ترامب للعالم من حديقة البيت الأبيض العالم والخبير الدكتور منصف السلاوي، الذي وعد بإيجاد لقاح ينقذ البشرية جمعاء في الأشهر الست المقبلة، ومختبراته العلمية في سباق محموم مع الزمن للتوصل إلى هذا المصل الذي سيفتح عهدا جديدا في تاريخ اللقاحات الطبية التي تنقذ البشرية ومن جديد من موجات جائحة تضرب البشرية بين الفينة والأخرى.

[44] وهذا يحصل لأول مرة بين الدول الثلاث الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ثم أخيرا المكسيك منذ دخول اتفاقية النافتا حيز التنفيذ لأول مرة في فاتح كانون الثاني- يناير 1994 على عهد الرئيس الديمقراطي السبق بيل كلينتون، وإعادة تجديدها في فاتح كانون الثاني يناير 2019، كما أعلن ذلك نفسه الرئيس الأمريكي دولاند ترامب وهو يلقي كلمة بلاده الولايات المتحدة الأمريكية من أعلى منبر للجمعية العامة لمنظمة الأمم وهي تلتئم في دورتها الرابعة والسبعون بنيويورك في أيلول- شتنبر 2019.

[45] علينا اليوم أن نكون واقعيين وبراغماتيين في هذا الخلاف الأمريكي – الصيني حول كيفية تدبير جائحة كورونا، وهي بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير بين بكين وواشنطن، ففي أعقاب انكفاء الاتحاد السوفييتي وفشل نموذجه الاقتصادي الشيوعي – الاشتراكي، وفشل الغرب وفي مقدمته الولايات الأمريكية ومعها حلفائها الغربيون داخل الاتحاد الأوربي في إذكاء فتيل ساحة تياننمين في حزيران- يونيو 1989،  كما حصل في بولندا في سنة 1981، وبعد عودة جزيرة هونغ كونغ إلى الصين في فاتح تموز – يوليوز 1997، وبعدها جزيرة ماكاو في 20 دجنبر- كانون الأول 1999، وولوج الصين منظمة التجارة العالمية منذ نيف وعقد بانخراطها في شروط العولمة وزحفها المتباطئ، وتحقيقها لمعجزة اقتصادية كبرى منذ كانون الأول- دجنبر 1978 مع الزعيم الصيني الراحل دان سياو بينغ، ودحرها اقتصاديا لليابان باحتلالها للرتبة الثانية في الاقتصاد العالمي مباشرة بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وعجز الميزان التجاري الأمريكي الكبير مقابل فائض سنوي وهو في تزايد سنوي كذلك مستمر  للميزان التجاري الصيني، وذهاب كل التكهنات الاقتصادية، والمالية، والتجارية، والاستراتيجية بكون الصين حققت نبوءة نابليون:” الصين مارد نائم فدعوه نائما لأنه إذا استيقظ هز العالم” ، وإيمان أمريكا العميق منذ البدايات الأولى لسنوات القرن الواحد والعشرين بأن اللعبة الاستراتيجية لصراع محموم جديد عالميا تدور حول ضفاف المحيط الهادئ بدول صاعدة وقادمة من آسيا حققت معجزة كبرى منذ سنة 1993. فالخطر الحقيقي والمحدق اليوم بأمريكا لم يعد قادما من موسكو  كما عصر الحرب الباردة جيو- استراتيجيا، أو من طوكيو في العقد الثامن من القرن العشرين لاشتداد الحرب التجارية بين واشنطن و طوكيو ، بل اليوم، وغذا وبعد غذ هو قادم من بكين وخطر جيو- اقتصادي لتنين استيقظ من غير أن ينام اقتصاديا نوم أهل الكهف، بل جعل من نفسه مصنع العالم طبيا، وصيدليا وتكنولوجيا.

 لمزيد من التفاصيل راجع معنا

نوال الحازمي، ” القوة الصينية بين المنافسة القارية والزعامة العالمية”، تحت إشراف د. محمد غربي، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق بطنجة، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، السنة الجامعية: 2018- 2019، ص: 112- 115.

 ومن هنا فالخلاف حول جائحة كورونا بين الصين وأمريكا في اجتماع مجلس الأمن الدولي والمؤتمر السنوي العالمي لمنظمة الصحة العالمية يخفي قمة جليد أخرى في طبيعة الصراع المقبل بين الجبارين الاستراتيجين على ضفاف المحيط الهادئ.

[46] وكأنني بقول الشاعر العربي:

 وظلم جره سفهاء قوم    وجر على غير جارمه العذاب

لمزيد من التفاصيل راجع معنا

حمدي أتراس، “التنافس الصيني – الأمريكي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ”، تحت إشراف د. محمد غربي، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق بطنجة، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، السنة الجامعية: 2018- 2019، ص: 176- 178.

[47] ولعل هذا يذكر المجتمع الدولي بالذهول غير المبرر الذي أصاب الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن لحظة أحيط علما بكون أن هناك ثلاث طائرات مدنية من صنع شركة بوينغ الأمريكية ارتطمت أولاهما وثانيتهما بمبنى التجارة العالمي بولاية نيويورك، وثالثهما بالجناح الأيمن من قديس القديس البنتاغون وزارة الدفاع الأمريكية.

[48] وهذا ما دفع الرئيس الأمريكي الديمقراطي الأسبق حسين باراك أوباما، إلى القول بكون:”  الولايات المتحدة توجد أمام كارثة فوضوية مسبقة”.

[49] جائحة كورونا بعدد القتلى وتوقف الحياة وتعطلها في أقوى دولة عالمية، تذكرنا بقول الشاعر:

لم يكن هلكه هلك واحد        بل بنيان قوم تهدما

[50] عودت الإدارات الأمريكية في البيت الأبيض سواء أكانت جمهورية أو ديمقراطية الدول كما هم خبراء المنظمات الدولية على هذا التوجه والسلوك الأمريكي في التنديد بالمنظمات الدولية ووكالاتها الدولية المتخصصة، نهجت هذا الولايات المتحدة الأمريكية هذا منذ نيف وقرن من الزمن في سنة 1919، وهي لم تأخذ عضويتها ضمن عصبة الأمم التي وردت ضمن المبادئ الأربع عشر للرئيس الأمريكي وودرو ويلسن في سنة 1920، وهي الولايات المتحدة الأمريكية التي انسحبت من منظمة اليونسكو سابقا وعادت إليها مع ولاية الرئيس الأمريكي الجمهوري الأولى جورج بوش الابن، أمريكا نفسها التي وقع رئيسها الديمقراطي بيل كلينتون على معاهدة روما المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية وتعود لتنسحب منها مجددا مع الرئيس جورج بوش الابن، وهي نفسها الولايات المتحدة الأمريكية التي انسحبت في منتصف سبعينيات القرن العشرين من منظمة العمل العالمية.

بحكم أن المصالح الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة الأمريكية لا تتماشى مع بعض من غائيات المنظمات الدولية ووكالاتها المتخصصة تدفع للانسحاب محملة الطرف الآخر كامل المسؤولية ، وهذا ما فعلته في آيار – ماي 2020 وهي تقطع مساعدتها عن منظمة الصحة العالمية.

 وكأنني بقول المتنبي:

 يا أعدل الناس إلا في معاملتي           فيك الخصام وأنت الخصم والحكم.

[51]وكل هذا ليس بجديد و لا بغريب في المنطق الأمريكي، بل هو يندرج في إطار الحرب التجارية الجديدة التي أعلنها الرئيس الأمريكي على الصين، هي التي لا تريد تعويم عملاتها اليوان ضمن سلة العملات العالمية رغم النداءات المتكررة لرؤساء أمريكيين سابقين يكفي أن نذكر هنا بولايتي كل من الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون: 1992- 2001، والرئيس الديمقراطي كذلك حسين باراك أوباما على امتداد ولايتيه الأولى والثانية بين سنوات 2009- 2017، كما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تطويق الصين إقليميا، قاريا وعالميا بملفات ساخنة بين الجانبين الصيني والأمريكي من قبيل وضعية حقوق الإنسان بالصين، حاضر ومستقبل جزيرة هونغ كونغ، بالإضافة إلى وضعية جزيرة تايوان المنفصلة عن الصين منذ أكتوبر- تشرين الأول 1949. ناهيك عن حقوق بعض الأقليات المسلمة، وتهيئ الرئيس الأمريكي دولاند ترامب لفرض عقوبات جديدة على الصين.

 لكن ها هي الصين الدولة الحكيمة، والدولة المعجزة بمخزونها البشري وكتلتها الديمغرافية مستمرة في نهج القوة الصينية العالمية الناعمة والمتزايدة النفوذ غير آبهة بالصلف الأمريكي ومنتجة للعالم وقبل شهر سبع مليار كمامة، نعم، نحن فعلا أمام قرن سيجمع العالم على تسميته بقرن الصين الجديد وذلك كما كان القرن العشرون  موسوما بالقرن الأمريكي ، والقرن التاسع عشر  بالقرن البريطاني.

عمر الفال،” الصراع الغربي – الأسيوي حول المكانة العالمية خلال النصف الأول من القرن الحادي والعشرين”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق بطنجة، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، تحت إشراف: د. محمد غربي، السنة الجامعية: 2018- 2019، ص: 222- 225.

[52]التي تساءل خبرائها بأي ذنب ستقتل بحرمانها من موارد مالية هي في أمس الحاجة إليها لإنقاذ مزيد من الأرواح البشرية.

[53] إنها الصين إمبراطورية الوسط، فعلت ذلك في الماضي وهي مخترعة البارود والورق، والحضارة الصينية التليدة والمتناغمة، كما فعلته في القرن السادس عشر بسفنها وعبر موانئها حينما ذهبت تبحث في إطار طريق الحرير الأول عن تجارة الفضة مع الغرب وبقية العالم الجديد إلى حدود جبال البيرو، وفعلتها بتجارة الشاي الأخضر، قبل وبعد أن حاربتها بريطانيا في إطار حروب الأفيون لسنوات 1840- 1842، وتفعلها اليوم ومنذ سنوات لحظة إطلاقها لتجارة الحرير الجديد عبر الأراضي الروسية والقارتين الأوربية والأفريقية، وهذا ما تتخوف منه الولايات المتحدة الأمريكية، الصين نمر ولكنه نمر حقيقي حضاريا، واقتصاديا، تجاريا وصناعيا، تساعده في ذلك الجغرافيا ومساحتها، والشعب الصيني كالهر الأسود لا يسئم من التهام الفئران وهو يقدم للعالم وبأبخس الأسعار آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا البشرية.

[54] وهذا ما دعا إلى فشل اجتماع مجلس الأمن مع بداية يونيو- حزيران 2020، لحظة أن سعت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال المندوب الأمريكي الدائم في مجلس الأمن إلى تمرير قرار  أممي يتضمن صياغة تحمل الصين فيها مسؤوليتها الدولية المباشرة عن جائحة كورونا التي أصابت كل أطراف المجتمع الدولي، وهذا كان سيمثل سابقة في تاريخ أدبيات القرارات الأممية الصادرة عن مجلس الأمن في حق دولة نووية ودائمة العضوية، أي الصين التي تمتلك حق الفيتو  إلى جانب روسيا، فرنسا، بريطانيا وأخيرا الولايات المتحدة الأمريكية.

[55] وهذا ما أكده وزير الصحة الألماني متعهدا بأن حكومته  في ألمانيا، وإن كانت حصتها السنوية من مساهمات ألمانيا لمنظمة الصحة العالمية تقدر سنويا ب 41 مليون أورو، فإنه ومع تداعيات جائحة كورونا ستقدم الحكومة الفدرالية العضو المنخرط والنشيط داخل الوكالة الدولية المتخصصة بالمجال الصحي البشري، مساهمة إضافية واستثنائية قدرت ب 21 مليون أورو في غضون سنة 2020.

[56] لأن الرئيس الأمريكي دولاند ترامب وإدارته الجمهورية تعيش على أنغام الأمن الاقتصادي قبل الأمن الصحي الإنساني، هو الذي لا يعترف إلا بحسنات الليبرالية المتوحشة غير آبه بالطبقة الوسطى وملايين المحرومين من فقراء ومحتاجي الولايات المتحدة الأمريكية التي كشفت عنهم الجائحة التي أفرزت أزيد من 34 مليون عاطل وعاطلة أمريكية في أسوء أزمة اقتصادية تمر منها أمريكا وبقية دول العالم، مذكرة إيانا وعلى حد تعبير الرئيسي ترامب بالكساد الكبير للخميس الأسود الأمريكي المؤرخ في 24 أكتوبر- تشرين الأول 1924، وعن الأزمة  وعن تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية تجاوزت وبكثير تداعيات كل الأزمات المؤقتة الماضية وآخرها كانت أزمة أكتوبر – تشرين الأول 2008.

 أكد الأستاذ الباحث القطري خالد عبد الرحمن الكعبي، أن انتقال قطر للمرحلة الثانية يعكس الالتزام بالإجراءات، مستطردا أن الوصل إلى المرحلة الثانية لتخفيف قيود كورونا يعني التزام الناس بالإجراءات الاحترازية وبالتكاثف والتعاون، وبالالتزام بالتعليمات…….”، جريدة الراية، قطر فاتح تموز- يوليو 2020، ص: 9[57]

[58] نعتقد أن المملكة العربية السعودية وقعت بين كماشة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية للرئيس ترامب استراتيجيا وطاقيا، ودهاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يعرف متى وكيف يدبر مصالح روسيا استراتيجيا وعسكريا وطاقيا خاصة في أعقاب تدخله الناجح في سوريا بعد 15 شتنبر- أيلول 2015 ، تجلى لنا ذلك في قمة العشرين التي التأمت عن بعد وبدعوة من خادم الحرمين الشريفين  الملك سلمان بن عبد العزيز، وكذلك من خلال ادعاء الرئيس الأمريكي أنه كان الوسيط النزيه بين روسيا والمملكة العربية السعودية في تلك المكالمة الهاتفية التي جمعت بين سمو  الأمير محمد بن سلمان والرئيس الروسي المحنك عالميا وسلافيا السيد فلاديمير بوتين، هو الذي سبق لمجلة تايمز الأمريكية أن صنفته ضمن الرجل الأول في العالم.

 في إطار السوعدة التي دشنها ولي العهد السعودي  الأمير محمد بن سلمان  وفي أفق خطة : 2020 2030 ، التي أعلنها منذ ثلاث سنوات، أقدمت الحكومة السعودية على إجراء تعديلات جوهرية على الميزانية العامة للسنة الجارية، نتيجة التداعيات الكبرى التي خلفتها جائحة كورونا على الاقتصاد السعودي، كان من أكبر خططها رفع الضريبة على القيمة المضافة من 5 في  المائة إلى 15 في المائة، والاستغناء عن عديد من العمالة الأجنبية، وتأتي  في مقدمتها العمالة الأفريقية والأسيوية، خاصة تلك التي دخلت الأراضي السعودية بطرق غير شرعية في إطار ما يعرف بالهجرة السرية[59]

[60] لأول مرة تقفل أبواب مدينة مكة المكرمة بكعبتها المشرفة، أمام المعتمرين والمصلين لأهل مكة وغيرها من زوار مكة المكرمة من داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، ناهيك عن إقفال المسجد النبوي بالمدينة المنورة، وإن بدأت الحياة تعود تدريجيا بإقامة الصلوات الخمس وصلاة الجمعة ضمن شروط صحية وعلمية مرفوقة بفتاوى دينية، ومن ثم لم يكن مفاجأ أن يعلن وزير الحج والعمرة السعودي عن إلغاء مناسك الحج لسنة 1441 ه ولأول مرة منذ قيام المملكة العربية السعودية في وجه كل الأجانب والأجنبيات من مسلمين ومسلمات الخارجين اليوم عن حدود المملكة العربية السعودية من كل دول العالم، مستثنية فقط السعوديين والسعوديات والأجانب والأجنبيات لأزيد من 100 جنسية عالمية مقيمة وفق أرض المملكة العربية السعودية ، شريطة أن لا يتعدى عدد الحجيج 10000 حاج وحاجة، ناهيك عن الخسائر التي تكبدتها الخطوط الجوية السعودية، على غرار الخطوط الجوية الإماراتية، والخطوط الجوية القطرية.

 وبخصوص قطر، هل سنشهد في الأفق إمكانية تأجيل تنظيم كأس العالم في شتاء 2022، كما تأجلت الألعاب الأولمبية التي كان من المعتزم تنظيمها في صيف 2020 بمدينة طوكيو ، والتي كانت لوجستيكيا وسياسيا على أتم الاستعداد لاستضافتها كما حصل في ألعاب طوكيو سابقا.

[61] لمسنا ذلك في إطار مقارنة بالعديد من الدول العربية الغنية بنفطها وباعتبارها مصدر للطاقة، فالمغرب كان في وضع استراتيجي وصحي أكبر وأفضل ومن بعيد مقارنة بدول عربية أخرى من قبيل المملكة العربية السعودية التي مات فيها أزيد من 1381 مواطن ومواطنة سعودي، وكذلك الجزائر وتذبذبها في التعامل مع الجائحة، ومصر بأزيد من 100 مليون نسمة واجهت كثير من التحديات الجمة في تدبير الجائحة، هي التي تنكرت وزيرة صحتها بداية أن مصر في مأمن تام من تداعيات جائحة كورونا، ويبقى المغرب أنموذجا يهتدى مغاربيا، وعربيا، وأفريقيا، كما هو شأن تونس مغاربيا، ومملكة الأردن شرق أوسطيا.

[62] وكأنها غير مبالية بالهجوم المباغت الذي ستشنه جائحة كورونا على حدودنا البرية والجوية والبحرية، في اختراق تام لسياسات الدول وسيادتها المطلقة، وبدت حكومة سعد الدين العثماني منهمكة ومنشغلة بقضايا أخرى ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية وتدبير السياسات العمومية، ومنها انهماكها في كيفية الإعداد لاستحقاقات سنة 2021، التشريعية والتي يبدو لنا كباحثين، أنه لربما ستؤجل إلى سنة 2022، في إطار التداعيات الكبرى لجائحة كورونا، وهذا ليس بعيب أمام القوة القاهرة للجائحة العالمية، فحتى روسيا أجلت الاستفتاء على الدستور بخطاب أعلن فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتينن، تأجيل الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي تمس الدستور الروسي لسنة 1993، إلى 25 حزيران- يونيو 2020 وعلى امتداد عشرة أيام، وكذا بتأجليه للاحتفال العسكري الكبير الذي يقام سنويا في 9 آيار – ماي من كل عام، حيث لم يتم هذه السنة إلا في 24 يونيو- حزيران 2020 انطلاقا من الساحة الحمراء بالعاصمة الروسية موسكو.

[63] كما أعلن عن ذلك وزير التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي، الناطق الرسمي باسم الحكومة السيد سعيد أمزازي، سواء من خلال بلاغ أعلنته وزارته، وكذا من داخل البرلمان المغربي بمجلسيه.

[64] لجنة اليقظة الوطنية أسندت رئاستها إلى السيد رئيس رئيس الحكومة سعد الدين العثماني بمعية وزراء من داخل الجكومة، يأتي على رأسهم وزير الداخلية السيد عبد الواحد لفتيت، ووزير الشؤون الخارجية السيد ناصر  بوريطة، ووزير التجارة والصناعة والاقتصاد الأخضر والرقمي السيد مولاي حفيظ العلوي، ووزير المالية والاقتصاد والإدارة محمد بن شعبون، ووزير الفلاحة والمياه والغابات ومحاربة التصحر السيد عبد اللطيف أخنوش، ووزير الصحة السيد خالد آيت الطالب، ووزير التربية الوطنية والتكوين المهني وتكوين الأطر والتعليم العالي السيد سعيد أمزازي، ووالي بنك المغرب السيد  عبد اللطيف الجواهري، وأطراف من مؤسسات القطاع الخاص كالباطرونا والمؤسسات البنكية والتجارية الكبرى الخاصة على المستوى الوطني.

[65] والتي لن يتجاوز إنتاجها خلال الموسم الفلاحي الحالي 30 مليون قنطار، بانخفاض وصل إلى42 في المائة مقارنة فقط بالسنة الفلاحية لصيف 2019.

[66] لقد تكونت المساعدات الملكية إلى الدول الأفريقية من حوالي ثمانية ملايين كمامة، و 900 ألف من الأقنعة الواقية، و600 غطاء للرأس، و60 ألف سترة طبية، و30 ألف ليتر من الكحول المطهرة، وكذا 75 ألف علبة من الكلوروكين، و15 ألف علبة من الأزيترومسين. ولقد استفادت منه كل من موريتانيا، بوركينا فاسو، الكاميرون، جزر القمر، الكونغو، غينيا، غينيا بيساو، تنزانيا، السنغال، الكونغو الديمقراطية ….

 د. محمد غربي، ” الوجيز في التنظيم الدولي : دراسة تأصيلية للمنظمات الدولية”، مطبعة اسبارطيل، طنجة، الطبعة التاسعة، 2020، ص: 132- 133. [67]

[68] وهذا ما عبر عنه المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز قائلا:” بعد هذه الجائحة سيكون على البشرية أن تفتح ورشة جديدة للتفكير وللعمل، للتفكير في النموذج التنموي السائد الذي أشبع حاجات وتنكب عن إجابة غيرها، والتفكير في مواطن العطب فيه و  ما عساها تكون البدائل الناجعة عنه”، عبد الإله بلقزيز،” من أجل أخلقة التنافس”، جريدة المساء، العدد: 2325، 15 يونيو 2020، ص: 15.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.