المنظور السوسيولوجي النقدي للعلم المعاصر

0 2

المنظور السوسيولوجي النقدي للعلم المعاصر

أ.د. قاسم المحبشي

أستاذ فلسفة التاريخ والحضارة بجامعة عدن

 

على مدى السنوات الماضية تطورت عدد من المنظورات النقدية الجديدة في سيسيولوجيا العلم المعاصر، بوصفها أدوات منهجية فاعلة لدراسة وبحث الظاهرة العلمية، ولما كان المنظور الموضوع للمقالة (واقع العلوم الإنسانية واستشراف مستقبلها) فلا بد من الولوج إليها من مدخل السيسيولوجيا النقدية، ومقاربة النماذج المنجزة في سيسيولوجيا العلم المقارن.

أولاً: مدخل البارا دايم  (نموذج الرؤية الكلية) :

وضع توماس هذا المدخل المنهجي وتوصل من خلاله أن مسألة نمو العلم وتقدمه وازدهاره ليست مسألة علمية، فهناك واقع متصور خارج العلم؛ يتأمل البشر طبيعة الكون والإنسان بأعمق معانيها وأشدها غموضا، كما ينسج الخيال الإنساني المؤسسات التي تسمح للأفراد بالاستمتاع على الدوام بالفضاءات المحايدة أو الأطر الميتافيزيقية والثقافية الأوسع التي تجري ضمنها أنماط العلاقات والممارسات والخطابات، والتي تتشكل في سياقاتها تصورات الإنسان عن ذاته وعن عالمه وعن الآخرين في تشكيلات عميقة، وهذا هو معنى الثقافة.

وتتشكل من بعدها منظومة كلية مركبة من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نتملكه أو نفضله في المجتمع؛ فالثقافة السائدة في حضارة ما بوصفها نموذجاً إرشادياً (باراديم).

إما أنها تدعم قوى الإنسان العقلية والإبداعية أو تحد منها وتضيق فرص نموها وازدهار. و” كلمة ثقافة تطلق مجازاً على الجهد المبذول في سبيل تحسين العلوم والفنون وتنمية القدرات الفكرية ومواهب العقل والذكاء” وهي بهذا المعنى تتميز بجملة من السمات منها:

  • التهيؤ كما هو الحال بالتربية البدنية التي تهتم ليس بتمرين عضو معين من أعضاء الجسم، بل بتمرين وتهيئة الجسم كله وإكسابه اللياقة اللازمة؛ فلثقافة بوصفها استراتيجية للتنمية العقلانية المستدامة، تمنح الأفراد القدرة على استعمال جميع المعارف والمهارات المكتسبة لمجابهة الأوضاع المختلفة وحل المشكلات الجديدة؛ أي؛ الذكاء العاطفي أو ما يبقى بعد نسيان كل شيء.
  • الاستيعاب بمعنى استخدام المعرفة وتجريبها ذاتيا؛ لأن المرء لا يستطيع أن يتصرف بمعرفة ما إلا عندما يستوعبها ويجسدها في لغته وذهنه وخبراته.
  • الشمول ويعني القدرة على الربط العميق بين المعارف المستوعبة والموضوعات والقضايا التي تبدو متباعدة، والنظر إليها برؤية كلية.
  • الحكم وهو القدرة على التجريد واتساع الأفق الذي يعني في العلم (الحلم) وفي الفن (الذوق) وفي الأخلاق (الضمير) وفي الحياة (الفهم).

وهذا هو (كل) ما يمكن انتظاره من الثقافة، وبدون هذا الـ(كل) لا وجود لشيء جدير بالقيمة والاعتبار.

على هذا النحو تدرك أهمية ودور الثقافة في تخصيب وإنجاب وتنمية التفكير العلمي وتمكينه في المجتمع، وربما أشار ماكس فيبر بهذا المعنى في قوله ” إن الاعتقاد بقيمة الحقيقة العلمية لا يستمد من طبيعة العلم ذاته، بل هو نتاج سياقات ثقافية واجتماعية تاريخية متعينة “.

ثانياً: مدخل الدور الاجتماعي للعالِم: يرى بعض العلماء أن النقطة المركزية في دراسة نمو العلم تتصل بوجود دور العالِم المعترف به والمقدر في ثقافة المجتمع المعني، وهذا معناه أن المشتغلين في العلم ليسوا أشخاصاً معزولين عن مجتمعهم، بل هم فاعلون ثقافيون يعتمد وجودهم واستمرار نشاطهم على شبكة واسعة من الدعم والإسناد المؤسسي يمنح فرصا للتعليم والبحث العلمي وقنوات لمناقشة نتائج أبحاثهم ونشرها، والتقبل والاعتراف الاجتماعي الضمني بهم بصفتهم علماء يحظون بالقيمة والتقدير الايجابي في مجتمعهم. وأخيرا الجزاء الذي ينالونه مقابل القيام بأدوارهم المتعددة، دور المعلم أو الأستاذ ودور الباحث العلمي ودور العضو في القسم العلمي ودور المدير أو العميد الإداري، ودور المناقش أو المحكم العلمي في ريادة الأبحاث والأطروحات العلمية أو حارس البوابة.

يعد مدخل الدور الاجتماعي للعالِم من أهم الأنساق المفتاحية في سيسيولوجيا العلم المعاصر، انطلاقاً من الفكرة الأساسية التي تربط الدور بالنسق الوظيفي وترى بأن لا سلطة اجتماعية إلا بوظيفة ولا دور اجتماعي إلا بسلطة؛ إذ “أن استمرار نشاط اجتماعي ما على مدى فترات زمنية طويلة، بغض النظر عن تغيير ممارسي هذا النشاط، يعتمد على ظهور أدوار اجتماعية لتمكين استمرار وترسيخ ذلك النشاط، وعلى فهم فئة اجتماعية لهذه الأدوار وتقييم المجتمع الإيجابي لها؛ أي منحها مشروعية وقيمة مقدرة خير تقدير”.

والدور هو “ما يتوقع من شخص أو عدة أشخاص بوصفهم (جماعة منظمة) القيام به مؤسسيا بصفتهم أعضاء فاعلين داخل الأنساق المختلفة للمؤسسة المعنية، وبهذا المعنى يختلف (الدور) عن (الوضع) كما ذهب جوزيف بن دافيد في كتابه (دور العالم في المجتمع)؛ وذلك أن الوضع يشير إلى الجزاء الذي يناله الفاعلون على هذه الأدوار، ويحدد مصطلح الدور الوظيفة، بينما يحدد مصطلح الوضع الموقع التراتبي لوحدة ما في النسق الاجتماعي.

  يرى زنانييكي أن الشخص الذي يقدر له إنتاج المعرفة يمارس أدوارًا متعددة ومتكاملة منها: “دور الباحث، ودور المدرس، ودور الإداري، ودور المشرف العلمي، أو (حارس البوابة)، ولكل دور من هذه الأدوار قيمه ومعاييره المحددة بشفافية”؛ ويحدد الدور الاجتماعي للعالِم بمجموع الوظائف النسقية المعترف بها اجتماعياً بوصفها وظائف وأدوارًا مشروعة ومقدرة اجتماعيا تخول لفئة من أفراد المجتمع النهوض بها، والتي بفضلها منحوا اسمهم وصفتهم المهنية (علماء) لقاء ممارستهم نشاطاتهم وفق معاييرها وقيمها المهنية الخاصة بصفتهم جماعة أو مؤسسة علمية، والتي لا يكون المرء عالماً إلا بها.

وربما كان غياب  هذا الدور في الثقافة العربية الإسلامية سبباً من أسباب تخلف الإنسان والمجتمع،  ومن ثم تخلف العلم عامة والعلوم الإنسانية خاصة، ومن منظور العلاقة الجدلية بين المعرفة والسلطة، فمن المحتمل أن غياب دور العلماء وتهميش قيمتهم ومكانتهم الاجتماعية في المجتمعات العربية الإسلامية التقليدية  بالقياس إلى الحضور الطاغي لفئات اجتماعية أخرى أمثال: المشتغلين بالسياسة والسلطة، والفقهاء ووعاظ السلاطين والعسكريين وغيرهم من النخب التقليدية الذين  مازالوا يشغلون ادوارا اجتماعية بالغة التأثير والنفوذ ويتمتعون بقيمة ومكانة اجتماعية عالية وتقديرا يقابله التهميش لفاعلين اجتماعيين آخرين؛ كالمنشغلين بالمعرفة العلمية والمؤسسات  الأكاديمية الذين تغمط أدوارهم الاجتماعية والمهنية.

وهذا يعبر عن تدني الوعي بقيمة الإنسان وحقوقه الأساسية بوصفه معياراً وهدفاً وغاية للتنمية المستدامة، كما أشار امارتيا صن بـ “أن حرية  الإنسان هي الغاية والهدف الأسمى لكل تنمية ممكنة، ذلك أن الحرية تعني المقدرة على الفعل والاختيار و التفكير والإبداع” وحينما يصبح العلم مؤسسة اجتماعية مستقلة كما كانت الجمعية الملكية للعلوم؛ التي تأسست في لندن عام 1645م أول مؤسسة علمية رسمية وأكاديمية  العلوم في باريس عام 1662م فضلا عن المؤسسات الجامعية فهذا معناه مرحلة حاسمة في نشوء وازدهار الدور الاجتماعي للنشاط العلمي.

ثالثاً: مدخل مؤسسة العلم: ظهر مع مأسسة العلم مفهوم الجماعة العلمية بصفتها وحدة معيارية؛ إذ لا يكفي أن ندَعي أننا علماء حتى يتم الاعتراف بنا بصفتنا علماء.

وأن تكون عالمًا يعني؛ أن تنتمي إلى إطار اجتماعي متشكل من مجموع الفاعلين المشتغلين في النشاط العلمي؛ أي الجماعة العلمية؛ بمعنى الانتماء إلى نسق اجتماعي: وهي مؤسسة محددة، يمكن تمييزها عن بقية المؤسسات الاجتماعية. ويعني ثانيا أن يتم اختيارك وإدماجك في نسق يقيم فاعلوه علاقات ترابط وفق طرائق تتوافق مع مبادئ مهنية معيارية مخصوصة، وهو يعني أخيرا أنك موضوع لمراقبة اجتماعية، داخل المؤسسة، وأن عليك إتقان الدور الاجتماعي المقدر إيجابيا في الجماعة العلمية.

وقد ترسخت المهنة الأكاديمية منذ أن تحولت إلى مؤسسة اعتبارية مستقلة فيما عرف بـ(الجامعة)؛ إذ اعتبرت المؤسسة المتحدة Universities من الناحية القانونية جماعة لها شخصية قانونية تختلف عن أعضائها فرادى؛ إذ تمتعت الجامعات منذ نشأتها في العصر الوسيط بقدر كبير من الحرية والاستقلالية القانونية والمالية والإدارية، وكانت الحرية الأكاديمية هي السمة المميزة للجامعات، وهذا ما جعلها تتمتع (بحرمة) شبه مقدسة من الانتهاكات  والح ويؤكد جينز بوست “أن العلماء في جامعة باريس كانوا مع حلول سنة 1215م على أبعد تقدير، قد تبلور وجودهم على شكل هيئة تدعى (هيئة الأساتذة والعلماء بوسعها أن تضع القوانين وأن تنفذ الالتزام بها)”.

وأن تكون عالمًا يعني أن تنتمي إلى إطار اجتماعي متشكل من مجموع الفاعلين المشتغلين في النشاط العلمي؛ أي (الجماعة العلمية) بمعنى الانتماء إلى مؤسسة محددة، يمكن تمييزها عن بقية المؤسسات الاجتماعية هذا اولاً، ويعني ثانياً؛ أن يتم اختيارك وإدماجك في نسق يقيم فاعلوه علاقات ترابط وفق طرائق تتوافق مع مبادئ مهنية معيارية مخصوصة.

ويعني ثالثاً؛ أنك خاضع لرقابة مهنية اجتماعية داخل المؤسسة، وأن عليك إتقان دورك الاجتماعي المهني المقدر إيجابيا في الجماعة العلمية. ويعني اجمالاً؛ اعتراف المجتمع بالوظيفة الخاصة للنشاط العلمي وبقيمته الاجتماعية، وموافقة المجتمع تشكيل مجال مهني لضبط أدوار الفاعلين بما يحقق غايات ذلك النشاط ويصون استقلاليته.

والأكاديمية تعني حرية التفكير والتعبير والاختلاف والتعليم وأن هيئة التدريس في الجامعة تتمتع بحق تدريس ما تعتبره صحيحاً وأنه ليس هناك قيود على ما يقوله الأستاذ أو يكتبه أو ينشره. ويرتكز هذا الحق على قدسية الحقيقة العلمية، من ناحية، ومسؤولية المدرس في معرفة هذه الحقيقة وحقه في نقدها أو مناقشتها، دون إي قيود، من ناحية أخرى. ونعتبر حرية الجامعة واستغلالها من التقاليد التي ورثتها الجامعات الحديث والمعاصرة عن جامعات العصر الوسيط إذ أن الحرية هي الشرط الجوهري لنمو العلم والفكر العلمي، ” وحاجة العلم إلى الحرية، مثل حاجة النباتات التي تنمو في البيوت الزجاجية إلى الشمس والأكسجين، أما إذا طليت النوافذ بالسواد كما في الحروب، فلا تنمو إلا الأعشاب الطفيلية الضارة، والإبداع العلمي تذبل في البيئات الاستبدادية والتسلطية“.

رابعاً: معايير المجال العلمي: أو (خليقة العلم) حسب بوتون، ويعني ذلك النسق المركب من القيم والمعايير التي يلتزم بها الفاعلون العلميون بعدها أمور محظورة أو مفضلة أو مسموح بها، فهي تكتسب مشروعيتها من القيم المؤسسية وتتعزز بتشجيع السلوك النموذجي والمثل العليا للتميز والجدارة والجودة. ويعود الفضل إلى عالم الاجتماع الأمريكي روبرت ميرتون بصياغة أربعة مقومات أساسية للمعرفة العلمية هي:

  • العالمية، بمعنى أن الاكتشافات والنظريات العلمية يجب أن يحكم عليها بمعايير إنسانية عالمية محايدة، بمعزل عن المرجعيات الشخصية والغرضية، والجمعية للعلماء الذين يجب أن يسمح لهم بممارسة الخطاب العلمي بحرية وشفافية تامتين دون أية إكراهات أو ضغوط واقعية أو رمزية، سياسية أو اجتماعية أو دينية ..الخ.
  • الجماعية، يجب أن تكون مكتشفات البحث العلمي ملكاً للإنسانية كلها، وأن يتم تأمين نشر المعلومات والنتائج وتبادلها بسلاسة وانسيابية وشفافية كاملة
  • التجرد، بمعنى متابعة البحث عن الحقيقة العلمية لذاتها ومن أجل ذاتها دون التأثر بالأهواء الشخصية أو المواقف والاتجاهات والغايات الإيديولوجية أو المصالح السياسية أو غيرها.
  • الشك المنظم، بمعنى عدم التسليم بأية حقائق أو معتقدات مسبقة، وإخضاع كل شيء للنقد والتمحيص، بما فيها تلك الدعاوى الخاصة التي تصدر عن مؤسسات تحظى بالاحترام والإجلال، فالعلم عدو كل السلطات بما في ذلك سلطة المؤسسة العلمية ذاتها، “إذ لا حاجة لأن تكون مهذباً في العلم، بل أن كل ما عليك فيه أن تكون على حق”.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.