المرأة و القيم الحضارية

0 6

   د. الحسن بنيعيش- المغرب

الباحث الأستاذ في اللغة العربية وآداباها

        حظيت المرأة في الشريعة الإسلامية بمكانة بارزة ومرتبة خاصة لا يعرف قدرها إلا من فحص واقعها المنكود في جاهلية العرب أو لدى الأمم الأخرى في شرق الأرض وغربها حيث كانت أمَة مستعبدة وقنية للذة والاستمتاع ليس إلا. فهذا نبي الإسلام رزق قبل بعثته بأربع بنات في زمن يولي أهمية قصوى للبنين ويتلذّذ فيه الناس بوأد البنات على خلفية توسيع مسارب الفقر وجلب العار؛ فأحسن المصطفى عليه السلام تربيتهن على أسس من الفضيلة وزينة الأخلاق. قال تعالى: ﴿ ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقنَاهُم من الطّيبات وفضّلناهُم على كثيرٍ ممّن خلقنا تفضيلا﴾ الإسراء:70 . فالمرأة على نفس الصعيد مع شقيقها الرجل تكريماً وإجلالاً. ومن ثمّة أمعن صلّى الله عليه وسلم في تكريم ذوات الخدور خاصة، حيث قال: ( ما أكرمهنّ إلا كريم، ولا أهانهُنّ إلا لئيم)، وجعل خيار الرجال خيارهم لنسائهم. وظلّ نبي الهدى على هذا النحو من التوصيات حتى خطبة حجة الوداع مكرّراً ومؤكّداً: (استوصوا بالنساء خيراً). مراعاة لحقوقهن خوفاً من ضياعها أو إهمالها أو التقصير في بعض مناحيها.

           من مظاهر تكريم الإسلام للمرأة أن كفل لها حقوقها كاملة غير منقوصة، مثل حقوق البيع والشراء والكراء وإبرام العقود والتصرف الحرّ في مالها والزواج بمن رضيت به  إلى غير ذلك. والنصوص الشرعية في هذا الباب أكثر من أن يحاط بها، ولسنا في حاجة للتنصيص عليها، مافتئ يعرفها الجاحد قبل الموقن والضال قبل المهتدي، إلا من على عينيه غشاوة وفي سمعه وقر.

        والمرأة مستحقة لكل حفاوة وتكريم باعتبارها نواة الأسرة وعضد المجتمع ودرعه الواقي. كانت لها في تاريخ الإسلام مشاركة فعلية فعّالة وحاسمة اجتماعيّاً ثقافيّاً سياسيّاً واقتصاديّاً…كريمة مصونة في بيت أبيها، سيدة راعية في بيت زوجها صاحبة حكمة ورئاسة، مستشارة خدوم… ولقد سخر المغرضون من وضعها في ديننا الكريم، وتنطّع كل متنطّع في حديث أو تعليق على بعض شؤونها كالنفقة والميراث والشهادة… مستغرباً أن تعدل شهادة رجل واحد شهادة امرأتين اثنتين!! والحال أنّ الأمر ليس على إطلاقه،  فلها المسؤولية الكاملة في الشهادة عند تحديد المولود ونسبه لما يترتّب على ذلك من أحكام الفرائض والمواريث والأنساب، وقس على ذلك.

         عرف تاريخ البشرية ــ وضمنه تاريخ الإسلام ــ نماذج من النساء سطّرن أسماءهنّ بحروف من ذهب؛ فهذه خديجة بنت خويلد أمّ المؤمنين التقية النقية الورعة الطاهرة الإزار، المتلفّعة بكل بقيم النبل والشهامة والأمانة والإخلاص والحماية ونصرة المظلوم والرعاية الزوجية والصبر والحلم.. وعائشة بنت أبي بكر الصدّيق معلّمة الرجال وراوية الحديث الشريف، العالمة الزاهدة المجاهدة… و من نفس بيت النبوة زينب بنت علي بن أبي طالب وسكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة.. واللائحة تطول. وفي القرن الثالث الهجري فاطمة الفهرية أمّ البنين راعية العلم ببنائها لجامع القرويين بفاس، وفيما بعد من القرون زينب النفزاوية والسيدة الحرة ومن على شاكلتهما على درب النضال والمقاومة.

         وليس يخفى على أحد دور المرأة المجاهدة والمقاومة ضد فلول الاستعمار كما هو الشأن في المغرب الأقصى وبلد المليون شهيد وغيرهما من الثغور والحصون في بلاد العرب والمسلمين.

         لا يكفي في ترجمة هؤلاء الرائدات  الفضليات عبر تاريخ الإسلام الطويل المجلدات تلو المجلدات في بيان فضلهنّ وأدوارهن الحضارية وما يحملنه من قيم مثلى تشعّ صدقاً وعفافاً ونزاهة وإخلاصاً ورعاية للأزواج ومشورة وعدلاً ووجاهة وعلماً وبياناً وإبداعاً وشجاعة وحزماً ورئاسة وسياسة وحسن تدبير ورجاحة عقل وجاهاً وشرفاً موفوراً… تستحقّ كرماً وشرفاً وفضلاً.

         تحظى المرأة العربية والمسلمة بتمثيلية محمودة في المناصب الإدارية على المستوى الجهوي والمركزي داخل المقاطعات والبلديات وفي الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية وفعاليات المجتمع المدني في الديار الغربية من منطلق الكفاءة والتفوق والنبوغ. ويقابل هذا الوجه المضيء ما عرفته الكثير من بلاد المسلمين  إلى عهد قريب من محاكم عرفية تستند إلى عادات سمجة وتقاليد ممجوجة تذهب ضحيتها المرأة بنتاً زوجة أو مطلّقة وفي كلّ تقلّباتها وأحوالها الاجتماعية.

           وفي سياق التعامل غير السليم مع التشريعات الإسلامية الحكيمة، غُيّبت المرأة عن المواقع الصحيحة والمنابر التوعوية والمجالس الدينية ـ التي كانت آنفاً مراكز قرار ـ فضُيّق عليها فأمدّت بجسور للتواصل مع الكهنة وطقوس الشعوذة وفكّ السحر والطلاسم وما داخل جميع ذلك من صور الشرك والضلال فاتّسع محيط الجهل والغواية.. ومع أزمة القيم التي بات يعرفها المجتمع البشري ـ والإسلامي جزء منه ـ اتّسع الخرق على الراقع. ممّا يستوجب الفهم الصحيح لتعاليم ديننا الحنيف والتّأسي بما حملته النساء في الماضي الزاهر من قيم حضارية وفضائل إنسانية لتنهض بكامل مسؤوليتها في التنشئة الاجتماعية السليمة والمشاركة المجتمعية الرائدة تعليماً، ثقافة فكراً سياسة واجتماعاً…من العمل على استقرار الأسرة وإعلاء القيم إلى المشاركة السياسية وتحمّل أعباء الواجب  في مراكز القرار، تحت مظلة عقيدة التوحيد التي تغرس في النفوس كل معاني العزة والكرامة والحمية والإباء والأنفة، وأن لا خضوع ولا استكانة إلا لله سبحانه وتعالى. غير ذلك يجعل الأمّة تنحدر إلى الدرك الأدنى من الانحطاط الأخلاقي والهبوط الحضاري. لهذا فالمحرّك الحقيقي لطيّ هذه الصفحات من الجهل المُذلّ والتخلّف المُمضّ والخزي الفاضح هو ـ  بلا جدل ــ التعليم الرصين والتكوين الأساس تكون فيه المرأة حجر الزاوية.

         إنّ بنية سكانية يعيش معظم نسائها الجمود المقيت والموت الزؤام، محكوم على دواليب اقتصادها بالفشل والإفلاس اعتباراً لكون الإنسان ــ رجلاً وامرأة ــ منتجاً ومستهلكاً في آن واحد. والانحطاط أخلاقيّاً  وفكريّاً نظراً لنسبة الجهل والأمية المرتفعة في صفوف النساء. فتعليم المرأة وإعادة إدماجها في المجتمع الإنتاجي وإفساح المجال لها وكذا إقامة العلاقة معها على أساس من المودة والاحترام المتبادل والحرية المسؤولة والالتزام تحقيقاً للإنصاف والمساواة وتكافئ الفرص على جميع الأصعدة والمستويات، من شأنه أن ينصّع الصورة ويعيد ألقها الحضاري في نسغه القيمي والأخلاقي الأمثل.

       ولا بدع أن هدم حضارة متراصة البنيان ينطلق من مخطط هدم أسرة بصفتها النواة الأساس للمجتمع الإسلامي، وهو الشيء الذي تتفنّن فيه دوائر الاستكبار والصهيونية العالمية ومن في فلكهما.

         إنّ تكريم المرأة والدفاع عن كرامتها يشكّل اللبنة الأساس لكلّ مخطّط إصلاحي ومنطلقاً لكلّ نهضة حقيقية منشودة، مع فرض التقدير والاحترام اللازمين لكلّ امرأة حرّة مناضلة. تعي دورها الحضاري وتتحمل كامل مسؤوليتها في انبعاث أمّة وإعادتها إلى دروب القيادة ومصافّ الزعامة. يقول نزار قباني رحمه الله:

  إذا كانت الحضارة أنثى

والثقافة أنثى

والشجرة أنثى

والثورة أنثى

فلماذا ينفرد الرجال بالسلطة؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.