المرأة ودورها في ابتعاث القيم الحضارية

0 6

د . حنان الخريسات

المملكة الأردنية الهاشمية

ما من شك أن  المرأة  تبني الأسرة.. والأسرة تبني المجتمع.. إذا  المرأة هي من تبني الحضارات … ،  ودور المرأة مهم في بناء الحضارة ولذلك يقال : ” إذا أردت هدم حضارة فعليك بهدم الأسرة”  فالأسرة هي أساس بناء المجتمعات التي تتكون من ملايين الأسر الممتدة، وأصل الأسرة يكمن في المرأة الصالحة ، وبالتالي إذا قللنا من دور المرأة، وانتقصنا من قدراتها وجعلناها  تخجل من دورها العظيم في الحياة وهو (ربة المنزل) فإننا بذلك ندق ناقوس الخطر في جدار الأسرة، مما يترتب عليه هدم الأسرة يتبعه تلقائيا تفكيكك المجتمع فتنهار الحضارة وتمحى من تاريخنا ..

ان المرأة الصالحة تمنحنا الثقة وتبث في قلوبنا العزم وتترجم في سلوكها  من القيم ما  نتلمسه من القران الكريم فنقبل على تطبيقها وإقامتها في مجتمعاتنا بإذعان وحزم حتى لا تتفرق بنا الدروب ونتخبط يمينا وشمالا ، تتوارثها الأجيال وتجاهد في سبيلها ، ولرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في الحياة يثني على نسائه ويقدرهن ويؤمن بقدرة المرأة على صناعة الفارق في الحياة .

لا غرابة أن تكون نداءات في حق راكبي موجة التجديد وهم الذين أثقلوا أسماعنا بضرورة إعادة النظر بالتراث ونقده، على أسس العلم الحديث وعلوم الاجتماع المعاصرة، لكننا حين نجدهم يجددون لا نجدهم يتطاولون إلا على مقاس حجاب المرأة، وحدود قوامة الرجل ، وحق المرأة في العمل الذي يتجاهلون أنهم في مجتمعات لا يجد الرجال فيها عملا يليق بهم لأسباب يجهلونها أو يحاولون تجاهلها وتجاهل منظومة القيم المتراكمة لدى المرأة المسلمة والتي تدفع بالأسرة نحو الرجعية والتخلف حسب ما يعتقدون  .
 
ولكن إذا نظرنا للقضية بتجرد نجد أن هؤلاء قد فاتهم شيء مهم وهو روح النظرية الإسلامية ذاتها وموقفها من المرأة والرجل فالناظر إلى أحكام الشريعة وأوامرها السمحة يجد أنها لا تقسم المجتمع إلى قسمين حسب النوع، وإنما تقسم المجتمع حسب الدور والوظيفة في مؤسسة ما يسمى بالأسرة فالشرع يأمر الابن وهو الذكر للامتثال لأمر أمه وهي الأنثى بل يجعل برها أوجب من بر أبيه وهو الذكر، إلا أنه يأمر الزوجة وهي الأنثى للامتثال لأمر زوجها الذكر، كما أمر بالمساواة بين الأولاد سواء كانوا ذكورا أو إناثا ما خلا الميراث .

إلا أن هذه النظرية الواضحة جعلت القيادة العامة إن صح التعبير في يد الرجل –الزوج- وألزمته بالقيام على أمر الأسرة بالعموم وكلفته بقيادة مركب الأسرة إلى بر الأمان وتولت الأم أو المرأة بشكل عام غرس منظومة القيم الشاملة وتحديثها لدى الأبناء  والأفراد بما يتوافق مع المجتمع المسلم ويلبي الطموحات  
وفي ضوء ما ذكر آنفا فان المجتمعات البشرية كلها قبل الإسلام، وإن اختلفت درجات تدخل هذه القيادة العامة وتسلطها على أمر المجتمع، حتى كانت في جاهلية العرب تسمح لهم بارتكاب جرائم استباقية إن جاز التعبير، حفاظا على قيم الأسرة كوأد بناتهم. لكن حين جاء الإسلام ضبط هذا التدخل في إجراءات تتابعية ثلاث فقط، هي الوعظ والهجران والضرب غير المبرح. فإن لم يكن، فالفراق بالطلاق الذي قيل لنا أنه أبغض الحلال وفي حديث رسولنا ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق  ” هي المنظومة القيمية الكاملة التي نسفت القيم البالية  .

.

حين جاءت المادية الحديثة، ونظرت للبشر على أنهم وسائل للإنتاج متجاهلة أبعاد الطبيعة والروح، أصبحت أهمية الرجل والمرأة كل منهما قائمة على القدرة على الإنتاج المادي، وعدم التفرقة في الملكات لكل شخص، بل أصبح الإنتاج هو معيار التفوق الوحيد بين البشر جميعا، دون الاهتمام بكيفية ذلك وأخلاقيته وكم القيم التي يملك ، هنا ظهرت هذه المشكلة باعتبار أن لكل فرد إنتاجه دون الحاجة للتكافل في مؤسسة الأسرة، ولما يكون على من ينتج أن يتشارك مع غيره فتولدت الحاجة للمساواة في الفرص والحقوق، حتى يصبح التساوي في الإنتاج ممكنا الأمر الذي بدوره غذى النزعة الفردية للمجتمع، وجعله يتحرر من قيود الأسرة والالتزامات تجاهها، فكان ما نراه من تفكك اجتماعي في تلك المجتمعات وتبعاته من تأخر الزواج، وانتشار العلاقات المحرمة ، والإباحية الخارجة عن الشرعية، وشيخوخة المجتمعات، والآلاف من اللقطاء ، بل تحول الرجل والمرأة حين يبلغون من الكبر عتيا إلى أشخاص غير مرغوب بهم إلا في مأوي العجزة وبيوت المسنين  إن وجدت، فلا قيمة للإنسان إلا بالإنتاج المادي، فأي مجتمع هو ذاك وأية قيم يراد لنا تبنيها ويراد للمرأة التي بدأ التركيز على دورها المتحضر المواكب للتحرر ودون اعتبار للقيم التي تشكل شخصية الفرد والأسرة والمجتمع  حيث يختفي دور المرأة في التجديد الايجابي
 
وفي المحصلة، لا يمكن لنا أن نرى في المس بهذه القضايا وطرحها بهذا الشكل إلا محاولة جديدة لاستباحة منظومتنا الحضارية وإخضاعنا الفكري لهذه الحضارة الرأسمالية المادية البحتة بل هي محاولة لإفقادنا آخر مأوى وقرار للشخصية المسلمة وطمس  الكلمة المسموعة والقرار الحاسم وتحويلنا من مجتمع يقيم  افراده أسرا هي اللبنة الأولى للمجتمع الصالح إلى مجتمع يمضي في طريقه  دون أي مسؤولية فالرجل هو السور الذي لا زال موصدا أمام أوكار الانحلال والانفلات الاسري .

لكن هذه الهجمة الشرسة على المرأة ولبنات الاسرة وبوابتها تدعونا إلى دعوة الرجال للوقوف على مسؤولياتهم وأن يكونوا قدوة في أفعالهم لأهل بيتهم ليكونوا قوامين بالقول والعمل، بالمنع والتطبيق لتتفرغ المرأة لدورها الايجابي القيمي

ان راجعنا أنفسنا وثقافتنا وحضارتنا الزاخرة بكل جميل عن المرأة سنجد المرأة مخلوق كريم، والنساء شقائق الرجال، أمهات الإبطال، صانعات التاريخ، شجرات العز امهات الأنبياء، ومرضعات العظماء، وحاضنات الأولياء
و وراء كل رجل عظيم إمرأة عظيمة، وكل مقدام خلفه ام حازمة، وكل ناجح معه امرأة مثابرة تعيش بكرامة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.