المرأة والقيم الحضرية في الحكاية الشعبية الأمازيغية

0 4

د. مليكة ناعيم

أستاذة اللغة العربية وآدابها في جامعة القاضي عياض، المغرب

تمثل المرأة الأمازيغية نموذجا حيا للقيم الحضرية سواء في الواقع أو في الأساطير والحكايات الشعبية. لقد كانت ولا تزال سندا قويا للرجل، وعماد البيت الأساس، وعنصرا فاعلا في المجتمع، شاركت في المعارك، وناضلت من أجل الكرامة والعدالة، وتحملت الصعاب في سبيل سمعة القبيلة وشرف العائلة. ولما كانت الحكاية الشعبية هي الناطق بلسان حال المرأة في وقت عم فيه الجهل والأمية وانعدم التدوين، فقد حفظ لنا الموروث الشعبي قصصا تجسد بطولة المرأة بشكل واقعي أحيانا وأسطوري خرافي أحيانا اخرى، لكن ما يهمنا أنها تجسد قيما حقيقية حافظت عليها ولا تزال المرآة الأمازيغية.

 غالبا ما تتخذ الحكاية الشعبية المرأة بطلة تمثل قيمة الخير ورمز التضحية في مقابل قيم الشر التي يمثلها المجتمع بمكوناته المختلفة التي تحاول دائما إظهار ضعف المرأة أو هزيمتها  – وهو مجتمع تغلب عليه العقلية الذكورية- وتختلف منابعها من حكاية إلى أخرى، لكن الجامع أنه غالبا ما تنتصر البطلة في الآخير بعد معاناة هي نفسها التي عاشتها المرأة القروية بشكل عام والأمازيغية بشكل  خاص في زمن غير بعيد من زمننا.

قيمة الصبر: تتسم المرأة الأمازيغية بالصبر والتضحية ونكران الذات، فقد كانت تعاني في سبيل إعداد لقمة العيش بالطحن في الرحى والعجين والحطب للطبخ…، ومع ذلك مجرد ما يجهز الأكل يقدم للرجال أولا وتنتظر النساء ما تبقى لتقتات منه إن بقي. وتحلب البقر وتصنع اللبن ومع ذلك تمنع من أكل زبدته بدعوى أنها تنبت اللحية وتقدم فقط للرجال… ومع ذلك تتحمل في صمت. ولما كان شرف القبيلة يرتبط بشرف بناتها فقد عانت المرأة من مكايد عدة من عاشق مرفوض أو صديقة غادرة أو زوجة أب متسلطة أو حماة قاسية، وصورته الحكايات الشعبية بشكل قد يبدو غريبا لكنه يجسد حجم المعاناة. ففي قصة “”أمحمد أ أربانو” بمعنى: محمد يا بني” تتشخص معاناة فاطمة من القهر بعد أن اتهمتها زوجة الأب بسبب الحقد والغيرة بالعهر والفساد، ما جعل الأب يطردها من البيت ويأمر أخاها بوأدها في مكان قاص، لكن الأخ أشفق عليها فلم يفعل وتركها لتعيش في الأدغال مع الحيوانات حتى لا يفشى سرها وسط القبيلة ولا ينال منها الغير، وصمدت فاطمة في مجتمع الحيوانات عمرا طويلا أفقدها صفة الأدمية دون أن تخبر أحدا من الرعاة والزوار بما جرى، إلى أن كشف أحد خدم أمير البلاد صدفة أمرها، فأخبر الأمير الذي تفاجأ بما تحملت فتعهد بالتكفل بها ثم قرر الزواج منها، فانتقلت من الوضع المرير إلى أميرة زوج الأمير، ومن معاناة وبؤس إلى رغد العيش، مع ذلك لم تنس سمعة الأسرة فما أن أنجبت الابن الأول للأمير حتى استأذنته في زيارة أسرتها التي طردتها والاعتذار لأبيها وفضح كيد زوجته، ذلك لتثبت للقبيلة البراءة وترفع رأس أبيها بأن شرفها لم يدنس قط وإن كانت في الأدغال وعايشت الحيوان.

قد تبدو في القصة بعض المبالغة لكنها تظهر كيف تصون المرأة الأمازيغية شرفها وسمعة قبيلتها ولو اقتضى الأمر أن تتنكر في صورة الحيوان لئلا تدنس شرف القبيلة.

فاطمة هنا رمز للمرأة العفيفة الطاهرة الشريفة التي واجهت المحن بالصبر فكان الجزاء أعظم مما توقعت.

قيمة الكرم والإيثار: بحكم طبيعة البيئة التي تنبت فيها المرآة الأمازيغية فإنها تتسم بالطيبة والكرم والإيثار، على الرغم من الفقر والقهر وقسوة الظروف، وقد نقلت لنا الأساطير والحكايات الشعبية الكثير من الحكايات التي تظهر كيف تؤثر الغريب إكراما، فقد ينام أبناءها جياعا ليال عدة لتطعم الضيف، وقد تذبح شاتها الوحيدة مصدر رزقها إكراما للضيف، وقد تواجه المشكلات شفقة على الغريب وابن السبيل. فحكاية للا أتلفقي مثلا تصور كيف خدع وحش متنكر في زي طفل صغير بطلة الحكاية؛ إذ وجدته وحيدا في مدخل القبيلة مساء، فأشفقت عليه وحملته إلى بيتها الصغير لإطعامه وحمايته، لكن ما أن دخل البيت حتى ظهر بمظهره الوحشي الصحيح. فبينما هي منهمكة في إعداد ما يكفي لسد رمقه، وهي تحس بالخجل لقلة الزاد، هددها بالبطش والافتراس دون أن يراعي حسن نيتها وتضحيتها، فلم يجد معه إلا حيلة أخرجته بها من البيت.

للا أتلفقي هنا تجسد قيمة الكرم في المناطق الأمازيغية، فكل من دخل القبيلة أهل للضيافة ويستحق الكرم أخذا بالأصل في كل شيء وهو الصدق والبراءة وعملا بما تنصه عليه النصوص الدينية من الإحسان إلى ابن السبيل. وهي عادة لا تزال في بعض القرى المغربية إلى اليوم.

قيمة الشجاعة: طبيعة الحياة البدوية طبعت المرأة القروية أيضا بالشجاعة، فهي مثل الرجل تعمل في الحقول وتجمع الحطب من الغابات والجبال، وتغسل الملابس في مجاري المياه من الأودية والأنهار، هذا كله يجعلها تخرج في الأوقات الصعبة: فجرا أو عصرا، لتواجه المحن بشجاعة. وقد أظهرت قصص عدة مظاهر شجاعة المرأة الأمازيغية، من ذلك قصة الغولة التي آثرت الرعب في قبيلة؛ كانت ترصد حركة النساء في طريقهن إلى الحطب صباحا مما أثنى الكثير منهن عن أداء تلك المهمة التي كانت من مهام النساء الرسمية في فصل الشتاء، وقد تمكنت للا أتلفقي من إحراقها بالجمر بعد أن خدعتها وقربتها من البيت.

قيمة المثابرة والعزيمة: مما تتحلى بها المرأة الأمازيغية في الواقع أو في الحكايات الشعبية قوة العزيمة والإرادة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأسرتها. ومن ثم يحضر الصراع بين الزوجة والحماة في الكثير من القصص. ومن القصص الأمازيغية الرائعة والتي ترجمت إلى لغات عدة، قصة “تتبيرت تاورغت” يعني الحمامة الصفراء، وتحكي قصة فتاة تزوجت من أمير لكن أمه تحاول التفريق بينهما بحيل عدة. فواجهت تتبيرت ذلك كله بالصبر بالعزيمة والإرادة القوية إلى درجة أن غيرت جنسها من الإنس إلى حمامة طائرة، وأن تطير من العالم السفلي الشرير إلى العالم العلوي الآمن (السماء السابعة) حيث ستقبل بالزواج من عفريت والعيش معه فقط لأجل إنقاذ حبيبها وإلحاقه بالعالم العلوي حيث الخير والنماء وإبعاده عن العالم السفلي عبر خاتم سحري. وقد حققت تتبيرت الهدف بعد عمر طويل وجهد جهيد. مما يؤكد أن العزيمة القوية والإصرار يحققان الأهداف وإن طالت المدة وكثرت العراقيل والمحن.

هذه فقط بعض القيم الحضرية التي تتضمنها الحكايات الشعبية الأمازيغية وغيرها كثير لا يسمح المقام بسردها كلها، وهي تحكي الواقع بأسلوب فيه التشويق والإثارة والتصوير لكن أيضا فيه الواقع حيث التربية الحسنة والأخلاق والأصل، مما جعل المرأة وهي أساس المجتمع تتسم بالقيم الإنسانية الأساس، بعيدا عن الزيف الذي صار يطبع المجتمعات، حيث طغى العالم الافتراضي على العالم الواقعي، والمصالح الذاتية الشخصية على المصالح العامة التي كانت تمثلها القبيلة. فهل حان الوقت لنستفيد من التراث الشفوي في مراجعة القيم والرجوع إليها بعد أن طغت الرقمنة وسيطرت على العالم؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.