المرأة من وجهة نظر فلسفية: ابن رشد نموذجا

0 8

د. عمر حجام

باحث في الفلسفة من جامعة محمد الخامس الرباط/ المغرب

لم تكن فكرية أهمية ودور المرأة في بناء المجتمع، ومساهماتها التاريخية في بناء الحضارات الإنسانية قد ظهرت مع الغرب –كما يعتقد- لحظة بزوغ الفكر التنويري والحداثي – وفكر ما بعد الحداثة الذي أعلن موت الرجل- الحامل لقيم ومبادئ الحرية والمساواة، والمطالبة بإعادة الاعتبار للمنسي والمهمش، وإنما نجد بذور هذه الفكرة، قبل تلك المرحلة،  ترعرعت بداية، وازدهرت في البيئة العربية الإسلامية. ويعتبر الفيلسوف أبو الوليد ابن رشد أول من اهتم بمناقشة موضوع المرأة أكثر مما ناقشه أفلاطون في “الجمهورية”، وأرسطو في كتاب “السياسة”. يقول ابن رشد: «يصح أن تقوم النساء في المدينة بأعمال هي من جنس الأعمال التي يقوم بها الرجال أو بعينها، فيكون من بينهن محاربات وفيلسوفات وحاكمات وغير هذا… إن النساء من جهة أنهن والرجال نوع واحد في الغاية الإنسانية، فإنهن بالضرورة يشتركن وإياهم في الأفعال الإنسانية، وإن اختلفن عنهم بعض الاختلاف. أعني أن الرجال أكثر كدا في الأعمال الإنسانية من النساء، وإن لم يكن من غير  الممتنع أن تكون النساء أكثر حذقا في بعض الأعمال، كما يظن ذلك في فن الموسيقى العملية. ولذلك يقال إن الألحان تبلغ كمالها إذا أنشأها الرجال وعملتها النساء»[1]

                تتميز  وجهة نظر ابن رشد  الفلسفية إزاء قضية المرأة في كونها نظرة توفيقية؛ فكما أنه في “فصل المقال ما بين الحكمة والشريعة من اتصال” حاول أن يوفق فيه بين الشريعة والفلسفة، وأن يجعل الواحد منهما مكملا للآخر، نجده أيضا يستثمر هذه الفكرة  في مجال تدبير الشأن العام؛ حيث ستشغل المرأة لديه نفس المكانة التي يشغلها الرجل في كافة المهن المؤسساتية، والثقافية، والاجتماعية.  فكل من الرجل والمرأة يشتركان في بناء التاريخ والحضارة من خلال الأفعال التي يقومون بها داخل المجتمع لكونهما تجمعهما ملكة واحدة وهي العقل، لأن العقل هو الفاعل الأساسي في التقدم الإنساني.

                ابن رشد أول من دشن مشروع المساواة بين الجنسين في تاريخ الفكر، ودعا إلى تحرر المرأة من قيود الهيمنة الذكورية التي رسخت ثقافتها التصورات العامية لمفهوم الدين، والتي جعلت من المرأة العربية وعاءا لإنجاب الأطفال، وعبدا لرعايتهم فقط، دون مراعاة الجوانب  الأساسية التي يمكن أن تقوم بها المرأة داخل المجتمع.  وحديث ابن رشد عن تحرر المرأة، لا يعني خروجها عن القاعدة الثقافية التي تمثل هويتها، كما لا تعني تلك الحرية التي نتصورها لدى المرأة في الغرب حيث يطغى وهم الحرية لصالح الشركات الاقتصادية الكبرى  التي أصبحت تتاجر في جسد المرأة، وجعلت حريتها موردا من الموارد الحيوية للربح الاقتصادي، وإنما تتجسد فكرة تحرر المرأة عند فيلسوفنا في مدى إمكاناتها وقدرتها في الانخراط الفعال في المهام المجتمعية، والقيام بدورها كمرأة في بناء ما يخدم الأخلاق الإنسانية وتقدمها. ولعلنا نذكر في تاريخنا العربي بعض النماذج الحية للمرأة العربية التي بصمت الحضارة الإنسانية في شموليتها، وأخص هنا بالذكر  فاطمة بنت محمد الفهرية التي أسست جامعة القرويين بفاس/المغرب سنة 859 ميلادية،والتي تعد أول جامعة في العالم تدرس فيها العلوم بمختلف مشاربها. كما أذكر أيضا المهندسة المعمارية العراقية زها حديد التي تركت أثار تصاميمها المعمارية والهندسية في مختلف البلدان العربية والأوروبية. وهذا إن دل على شيء، إنما يدل على العبقرية  الذهنية التي تتصف بها المرأة العربية، التي قدمت إضافة كبيرة للتاريخ الحضاري-الإنساني إلى جانب التاريخ الفكري الذكوري.

                يجب أن نؤمن إذن بما آمن به ابن رشد في أن للمرأة دورا محوريا في الخدمة الاجتماعية، وذلك لما لها من مواهب مختلفة تمكنها من إضافة أشياء جديدة على الواقع الحضاري، والفكري، والاجتماعي .  


. ابن رشد أبو الوليد، الضروري في السياسة، نقله عن العبرية إلى العربية، أحمد شحلان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998، ص 124.[1]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.