المرأة بين إنسانيتها وقيمها الحضارية

0 8

د. جمال الهاشمي

رئيس مركز الإصباح للتعليم- فرنسا

ما انتعلت أمة نسائها إلا انتعلتها الأمم.. انطلاقا من هذه القاعدة الإخبارية قمنا باستقصاء القيم الحضارية وتحديد منزلتها بين الرفعة والسقوط والترقي والانحدار..

وكتخصيص النموذج في قراءة الفكر الحضاري أنطلق من دويلة أثينا اليونانية في تصور إلياذة هوميروس الذكورية كأسطورة ملحمية أو نوعا من الآلهة.. آلهة القوة أو آلهة الخصب.. (النسل).

بهذه الصورة النمطية الثقافية لم تكن المرأة حاضرة على الساحة الإثنية إذ صفة الإثم أو العار أو اللاعقل، كانت قبل أن تتأسس نظرية اقتصاد العبيد مع أرسطو أول نظرية الاستغلال الذكوري .. اقتصاد منزلي- متعة- خادمة..

وتبعا لهذه الدونية لم تكن الأم والعائلة جزءا من هذا النسيج الأبوي المتناقض بين قيم الشرف والعار وسُقطة المتعة والانحراف، بمعنى إلغاء مجتمع الأمومة، وفصل الطفل عن أمه عند سن السابعة.. بالمفهوم المعاصر إلغاء حضانة الأم بتشريعات الذكورية.

بهذه الفكرة وصف “ثيوكديس” مزرعة الإقطاع النسوي للإنتاج والخدمة” كأول إقطاع اقتصادي عبر التاريخ حسب علمي يقوم باستغلال النساء، كزيجات مسجونات أو عاهرات ممتعات.. إذ يقول:”وأن يجبس اسم السيدة المصونة كما يحبس جسدها” وتبعا لهذه الفلسفة الإثنية تعطلت مدركات المرأة؛ العقلية والنفسية وتبعا لها سقطت عنها المسؤولية أو احساسها بالإنسانية..

وبالمقارنة الرأسية مع العهد اليوناني الممزق بالعودة إلى عام 2009 تحديدا وجدت إحصائية عن منظمة اليونسكو الدول حسب ولوغها[1] في تجارة الرقيق الأبيض القائمة على القسر والإكراه وكانت الدراسة مخصصة لاستكشاف طبيعة الدول العربية التي تتميز بمرجعية مقدسة تنهى عن الإكراه «ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء”  

فوجدوا انتشار ذلك في دول كثيرة بصورة مقننة، ومن ضمنها ثلاث دول عربية قبلية عشائرية أخذت الصدارة والصفوف الأولى في تجارة الرقيق.. هذا وفقا للمتستر المفضوح أما المتستر المكتوم فأبعد من ذلك بكثير..

واستعادة لقيمنا الإثنية اليونانية في دولنا العربية المعاصرة لم تكن أثينا مملكة منظمة بل كانت عشائرية فوضوية وحدودها متأرجحة وملتهبة كثيرا ما تقع تحت أقدام مملكة اسبرطة وكلتاهما وقعتا تحت أقدام مقدونيا التي انتعشت فيها كرامة المرأة كأطر مرجعية لحريتها والفرق أكبر من أن يستوعبه الباحثون عن الحرية تحت جلباب الكرامة، أو الكرامة تحت دعاوي الحرية.. إذا أن العلاقة بين الحرية والكرامة بأولوية التقديم والتأخير يتغير المعنى جذريا..

 بدأت كرامة المرأة في مقدونيا دولة الإسكندر ومركزية الاستعمار القديم.. النموذج اليوناني القديم في أعظم تاريخ للجندية اليونانية بعد أن كانت اليونان دولة معسكرات منضوية في ممالك مشتتة شبية بجيتيوها النساء المتحيزات في أجنحة العزل العائلي أو اللاعائلية.

تشكل مع ثقافة الجندية نموذج المرأة والفرد والثقافة وكانت المرأة في هذه الدولة قدوة  النساء اللواتي بدأن بالتحرر من قيود الذكورية مما سهل من سقوط ممالك أثينا السفسطائية تحت أقدام الفلسفة الواقعية ومع هذا ظلت أثينا منبوذة لأنها كانت أكثر المجتمعات حينها تقليدا وانحطاطا.. وسلوكا وتلقيفا.. دولة الظاهرة الصوتية، والمرآة المقعرة كحالنا المعاصر تماما.. المأزوم فردا وجماعة ومؤسسة ودولة.

هذه الممالك المشتتة عشائريا شبيهة بممالك فقهاء الفلسفة وزواج القاصرات.. ممالك التجهيل وحرمان المرأة من التعليم والمعرفة.. إن لم يكن تجهيل الفرد وفقا للنظرية السياسية القديمة التي قام بتطبيقها آخر ملوك السلالة الألبانية في مصر فانهار نظامهم.

كان أله الجمال في تلك الممالك المتصارعة هو المعبود الذكوري وهو وإعلام المرأة كحالها في عالمنا العربي المعاصر.. تبحث عن جمالها للذكورية المريضة ولا تبحث عن عقلها لنفسها أو للرجل لهذا وفي كليهما تخلفت..

كثيرا ما تتشابه النظريات في أسمالها البالية قديما وحديثا× إذ أن تجهيل المرأة ترويضا لها على العبودية وليس تنشئتها على الحوار والمعرفة لتنمية عقلانية التمييز

والفرق بينهما أن الأولى تروضها فتجعلها مطواعة والثانية تحاورها فيجعلها طائعة.. في الآلية الأولى دليل على ضيق مدركاتها وفي الثانية دليل على سعة إدراكها، وانطلاقا من العائلة تختفي نظرية الاستبداد “ما أريكم إلا ما أرى”. وعلى أساس التناقض بين الضعف والسعة تتحدد مستويات الوعي النسوي والعائلي والسياسي والأممي..  فالأم أمة وإمام وآم إذا صحت وهي الهاوية إن فسدت .. وفسداها مفتعل بفعل الذكورة وصحتها منشأ للحضارة “إن إبراهيم كان أمة”.

قد يتبادر إلى الذهنية الذكورية أن التعليم العربي المعاصر أسهم في تمرد المرأة وتدمير العائلة .. وهنا تأتي إشكالية الخف الذكوري أقصد به أن الرجل يستخف عقله وفيه معنيان:

  • يستخف عقله أي يستجهله ” فاستخف قومه فأطاعوه”
  • يستخفه بمعنى يجعلها خفا فينتعله ..

وسواء كان استعماله بالأولى أو بالثانية فكلاهما يزري العقل ولا يرزيه ..

فالأزمة التي تعاني منها الفلسفة الذكورية الموجهة ضد تمرد المرأة هو في انتحال الصفة الرجولية كتغيبها للعقلانية المنطقية .. وعند النظر الى طبيعة الذكورية المؤسسية والجامعية من جهة، وطبيعة المحتوى والمؤسسات التعليمية سنجد أن المرأة العربية في تلك المؤسسات تتعرض لعدة أزمات منها:

  • أزمة الذكورية التي تتعامل مع المرأة كمتاع جسدي؛ إذا لا تُرى إلا حديقة أو مسرحا للحضور الأكاديمي.. (وقد رأينا آذان الذكورية ونظراتها).
  • الأزمة المؤسسية وفلسفاتها التقليدية دون اعتبار لاختيار المرأة كعقل إنساني مفكر وجزء من خطاب الوحي..
  • أزمة الاستبداد وقد يكون استبدادا ناعما أو استبدادا ممتهنا؛ وسواء كان هذا أو ذاك فهذا يدل على انتشار وباء الذكورية وتفشي جينات العبودية الذكورية.. التي لا تُستنبت إلا في مستنقعات الرذيلة.. جينات تربوية بمقصودي وليست جينات عرقية بمفهومي.

وهناك مؤشرات كثيرة لمثل هذه النوعية الذكورية، منها التعلق بالمادة حد التأليه، وقد تشكلت هذه القيمة الذكورية مع اليهود اذ يتزوجون المرأة لمالها، ومع النصارى إذا يتزوجنها لجمالها، وهاتين القيمتين يندرجان تحت فلسفة المعتقدات الطبيعية التي أنشأت مع حضور نساء ميدا في اليونان آلهة الجمال وتماثيل الآلهة من النساء..

وقد ذكر ابن الجوزي صفات هذه التألهات الذكورية في كتابه ” ذم الهوى”

وانطلاقا من عادتنا الرديئة المتشابهة مع ممالك اليونان المشتتة، والتي ظلت فيها المرأة نواة المحور الأول من اقتصاد العبيد بين أن تكون .. موزعة بين امتهان الحرف اليدوية أو الأعمال الزراعية أو أن تكون جزء من متاع الوراث..  ومن تلك الامتهانات المذلة لكرامة الإنسان جاءت تسمية المهنة ..

 وبناء على تلك السلوكيات الذكورية أو بسبب سيطرة التافهين على المؤسسات التعليمية والإدارية أضاعت المرأة اليونانية كرامتها كما ضاعت في غيرها من الحضارات المتهالكة بسبب إذلال المرأة في :

  • كرامتها الأدمية  التي دافعت عنها القيم المقدسة آخرها ” ولقد كرمنا بني آدم”
  • إلغاء عقليتها التميزية وعقلية الاختيار وجعلها كمتغير تابع للسلطة الذكورية في الذوق والتفكير في الخطأ والصواب في الانحراف والاستقامة، وقد تميزت بحريتها في نصوص القيم الإلهية “كل امرئ بما كسب رهين” “والمؤمنين والمؤمنات” “وما يعقلها إلا العالمون” كل هذه النصوص تساوي بواو العطف بين المرأة والرجل في التكليف وتلغي نظام الوصاية العقلية .. بعد اكتمال ثقافة التنشئة والتربية والتعليم.. كجزء من المسؤولية الحضارية .
  • أمتهان حريتها الجسدية إذ أنها  لم تجد نفسها إلا متعة تباع في سوق الرقيق أو تسجن في مهن العبيد ” وفي القرآن كرمها بالمجادلة والمحاكمة وحرية الرفض والقبول والاختيار..
  • حرمانها من التعليم: فقد حرمت التقاليد اليونانية على المرأة التعليم إلا فيما يتعلق بالخدمة المحددة، أما من اشتهر من النساء فلم يكن سوى راقصات أو مغنيات وفي فنون التراجيديا التي كان الهدف منها اشباع النفسية الذكورية أو ذكورية القوة العسكرية وقد تحدثنا سابقا عن سقوط الحضارات بسبب طغيان القوة الجاهلة المنبوذة المشهورة بثقافة العسكر وليست ثقافة الجندية. وفي طلب العلم لم تجعله الكتب المقدسة حكرا على الرجل دون المرأة والله يقول: “كلما دخل عليها زكريا المحراب “.

المؤرخ اليهودي الإنجليزي الأمريكي “برنارد لويس” الذي اشتهر بعقليته الفكرية المتتبعة للمتغيرات الحضارية من منظور ما وراء الحدث وليس في إخباره .. هندسة الحدث وليس وصفه ، استراتيجيته وليس مبكياته كمقارنة مفارقة بين نزهة التاريخ عند مؤرخة العرب ، واستراتيجيته وصناعته عند العجم؛ يرى أن سقوط الحضارات وخصوصا العربية يعتمد على تعميق ثلاث آليات:

  • تعميق ثقافة العسكر لابتعاث صراع الإثنيات – ثقافة المتعة الإثنية القديمة أو المانوية الفارسية .
  • تعميق ثقافة الجهل لاستغال المعارف الناقصة أي تحويل المؤسسات التعليمية والعلم إلى ظاهرة مؤسسية وإدارية وسفسطائية، ثقافة استهلاك المرأة كزينة ومتع وأثاث.
  • تعميق ثقافة التقاليد والقبلية لإضاعة حقوق المرأة، وإعادة تدويرها بفلسفة النموذج الغربي المغاير للخصوصية.. ثقافة ابتعاث العار المستتر بحرية الاختيار المنكسر.

اعتمدت هذه النظرية على فرضية الكبت والحرمان وتعسير الحلال وتبدأ ثقافة التقاليد العربية بتعسير المهور أي بيع المرأة وليس تزويجها، انطلاقا من هذه الفرضية فإن ولي المرأة هو أول من يتاجر بها.. ويلغي قرارها وعلى إثرها ألغي في الشريعة قيمتان :

  • قيمة التيسير لحفظ المجتمعات
  • قيمة الاختيار بتعطيل العقل بالاختيار الذي جعله الله تعالى مناطق الاختيار في الدين “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” ولا أعلم دليلا من القرآن والسنة يحض على تزويج الصغيرة؛ وإن كان لا يقبله العقل لعدة أسباب أهمها: أن الصغير يحتاج لطفولته وليس للمتاجرة به بدليل أن تركة الميت لا توزع حتى يبلغ الصغير رشده، ومن الجريمة أن تغتصب القاصرة الصغيرة بقيمة اجتماعية ليست من الدين تحت شرعية خشية الولي غياب.. لا أدري غياب الذكر أم غياب الرجل.. وما المقاييس المتبعة في تحديد جينات الذكورية الأنثوية عن الرجولة القيمية.

 انطلاقا من دور المرأة كقيمة حضارية في التاريخ تتبعنا واقع الحضارات وقوتها من داخلها وكان من تتبع ذلك أن الدولة الأخمينية التي كانت تكرم المرأة تمكنت من انتعال تلك الإمارات اليونانية الذكورية أي مجتمعات اللذة بوصولها إلى مقدونيا.. وفي المقابل تمكنت مقدونيا الإسكندر من انتعال الفرس بإعادة دور المرأة الحضاري في الوقت الذي سقطت مكانة المرأة في بلاد الفرس بمعتقدات المزدكية والمانوية.. وقياسا عليه تشكلت مجتمعات المتعة اليهودية كما تشير إلى ذلك مخطوطاتهم المحرفة بالتورات والتي ارتبطت بمانوية المحارم اقتباسا من الحضارات الفارسية المتهاوية، كما سقطت حضارة النصارى بمعتقدات الجمال الإثني .. أما اليوم وقياسا على وثننة المرأة واستغلالها فإن العالم العربي لا يختلف عن تلك المجتمعات المتناقضة المتأرجحة بين نقائض القيم بين الحرية والعبودية، الشرف والمتعة، الرجولة والذكورة، العار والشريعة..

ثم يأتي التساؤل عن خصوصية الرؤية العربية والإسلامية للمرأة.. بعد توكيدنا أن نظرة العرب المعاصرة للمرأة اليوم مبنية على نظريات الانحطاط الحضارية التي أشرنا إليها في التاريخ اليوناني والفارسي ولم نتطرق لكل الحضارات لضيق المقام..

لكن الإشكال الثاني سيكون موضوع حلقتنا القادمة عن قيمة المرأة الحضارية في الإسلام كقيمة مرجعية، ومكانتها في الجاهلية كقيمة تاريخية. وللتمييز فإني اعتمد فلسفة القيم الحضارية في مقالي وليس عن مفهوم الدور لأن الدور ناتج عن قيمة والقيمة كإطار تحدد مكانة الدور وبهذا اكتفي بتعميق الأصول كقيمة منهجية أو أحول الثقافات البارزة إلى إشكاليات تساؤليه.


[1]  الولوغ  ترتبط بصفة مشبهة لحالة الاستكلاب  فيقال استكلب الرجل أصبح يتصرف تصرف الكلاب فهو يتضمن قيمة الكلب في جوهره وليس في هيئته .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.