المرأة المعاصرة بين ارتباك الكينونة وتبدد القيم

0 6

د. أسعد عبد الرزاق الأسدي- أستاذ الفكر الإسلامي في جامعة الكوفة – العراق

يواجه الباحث في شؤون المرأة مشكلتين، تتمثل الأولى بالتيار النسوي باتجاهاته المتعددة والذي يفرض المشكلات على واقعنا, وتتمثل الثانية بفهم المسلمين للدين,  الذين يكتفون بعرض المنظومة الدينية كما جاء بها القرآن الكريم والسنة ويلتزمون الصمت تجاه الواقع وممارساته, لذا يضطر الباحث إلى تجشم العناء في انتقاء ما يفكر فيه تبعا لاستحقاقات المرحلة بعيدا عن الترهل في الطرح.

من غير اليسير اليوم اجراء موازنة بين مكتسبات واستحقاقات المرأة من جهة ومسؤولياتها ودورها الحضاري من جهة أخرى, فقد تعقدت قضية المرأة عبر محطات فكرية مختلفة من قبيل وضعها التكويني ومكانتها في الديانات ومشكلة التمكين على مستوياته الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية, وبقدر ما تشغله المرأة من أغلبية المجتمع بقدر ما كانت مشكلات المرأة غير حاضرة بنحو كاف في مدونات التحليل التاريخي والسياسي, وهي مشاركة بنحو أساس في كل ما يجري من أحداث سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

كذلك من غير اليسير التفكير حول ابتعاث المرأة حضاريا واستنهاض دورها في غرس القيم, بسبب الإشكاليات العالقة عبر التاريخ حول وضع المرأة واستلابها الفكري والجنسي والاقتصادي.., فمن شاء أن يتحدث عن مسؤولياتها ودورها لم يشأ يكون بمنأى عن تساؤلات (قضية المرأة), وإذا كانت ثمة أطر دينية للقيم التي ينبغي أن تتحرك من خلالها, فلن تخبو الإثارات والتساؤلات حول مكانة المرأة في نفس تلك الأطر الدينية, وكيف خوطبت في النصوص الدينية, وماهي طبيعة النظرة إلى المرأة في الفكر الديني, وهل ثمة إعادة نظر في فهم بعض تلك النصوص وما تستتبعه من تشريعات سلوكية تتعلق بالمرأة.

لذلك فالحديث عن المرأة شائك بالقدر الذي يحتم على دائرة البحث أن تستجلب كل ما له علاقة بوضع المرأة سواء دينيا أم سياسيا أم اقتصاديا, لأن التداخل قهري, والارتباط أمر واقع.

لكن ذلك لا يجعل من الموازنة بين الحقوق والمسؤوليات أمرا مستحيلا, كما لا ينبغي أن يجعل من الموازنة أمرا مؤجلا أو مسكوتا عنه, والجدير بالمنظومات الفكرية أن تعي حجم الأثر الذي تتركه مشكلة المرأة في المأزق الحضاري.

والمرأة المعاصرة مرتبكة الكينونة, وتعاني أزمة الذات, بفعل تبدد القيم, والتبدد لا يعني الزوال هنا, بقدر ما يعني التشتت والتبعثر في أولويات القيم من جهة, واختراقها من جهة أخرى, ذلك أن الذات الإنسانية لا يمكن أن تعي هويتها مالم تتوفر معايير حاكمة على الواقع بكل ما يتضمنه من سلوك ونشاط بشري, فمالم توجد قيم لا يمكن أن تتشكل الكينونة, لأن الكينونة لها أساسها القيمي, ومن دونه تبقى مرتبكة أو مضمحلة.  

الذين يسلبون المرأة بفكرهم وتفسيرهم للحقائق يعتقدون بثبات الواقع والمرأة من جهة, وثبات القيمة والحقيقة من جهة أخرى, والذين على الجانب الأقصى ممن يهدر كرامة المرأة بمفاهيم الميوعة والخلاعة يعتقدون أن كلاً من المرأة والقيم في تغير من دون ثبات, إن التغيير من سنن الكون والحياة, والتطور سمة التاريخ البشري, لكن ثمة أطر ثابتة, فلم يكن تاريخ القيم متغيرا عند البشر, مهما تبدلت القيم أو تبددت, فمازال هناك  الثابت العقلاني الذي يقيس مدى فاعلية القيم في حياة المجتمع, نحن كبشر عقلاء, لا يمكن أن تتغير معاييرنا بل تتطور في حدود معينة, لذا عندما نحكم في قضية ما, فلابد من ثابت ننطلق منه, وإلا زالت مشتركات الحوار الانساني وزال بزوالها الحوار..

 باتت المرأة بين مطرقة الاضطهاد واستلاب الحقوق من جهة وسندان القيم وأزمة الكينونة من جهة أخرى, فثمة جدلية بين حل مشكلة المرأة ورصد المرأة المشكلة, فلابد من رصد المرأة المشكلة, المرأة التي تمثل النموذج السلبي, النموذج الذي يصادر كيانها وهويتها,  لقد عانت المرأة كوجود وكيان مستقل عن الرجل واقعا مريرا عبر التاريخ, فكل منعطف اجتماعي او سياسي نجد ألما ووجعا في نصف الأكبر من المجتمع (النساء), وبقدر ما يسعى المفكرون إلى حل مشكلات المرأة وما تعانيه, يحاول الكثير منهم انقاذ المرأة من مشكلات الكينونة والذات, التي ترتبط بسلوك المرأة ووضعها في ظل متغيرات الواقع وانحسار القيم.

إن ارتباط قضية المرأة بالأسرة هام إلى حد كبير, فلم تختلف المنظومات الفكرية أيا كانت على أهمية دور الأسرة في البيت ومالها من أثر هام في تربية الأبناء, عبر ثنائية الأب والأم, التي تمثل أهم مصادر إدارة السلوك للفرد قبل بيئة الدراسة والعمل والبيئات الثقافية الأخرى ووسائل الإعلام, وفي ظل تطورات العصر, تعددت مصادر الوعي بنحو معقد خلق حالة من التناقض في القيم, والمرأة اليوم تعيش ذلك الانشطار بين موقفين:

الأول: موقف اثبات الذات وتحديد الموقع من خلال استثمار فرص الحضور في المجتمع خارج المنزل, وشغل الوظائف والمشاركة في فعاليات المجتمع, على حساب وظيفتها في المنزل أحيانا, وهو تحد واضح تعانيه المرأة في الظروف المعاصرة.

الثاني: موقف الحفاظ على سلطتها ومكانتها في المنزل ووظيفتها في إدارة سلوك الأبناء وصناعة الإنسان الذي يتحرك وفق القيم العليا..

بين هذا الموقف وذاك تتضح معالم المشكلة, في تجاذب مستمر بين مسؤولية التربية من جهة وصخب الشارع الذي يدعو المرأة الى التحرر من قيود المنزل من جهة أخرى, إن إدراك وظيفة المرأة في المجتمع يحتم على الجميع تحديد الأولويات والتفكير بقدر عال من المسؤولية والواقعية, وعلى الرغم من اختلاف المدارس والاتجاهات بين منظومة الدين ومنظومات فكرية متعددة حول وضع المرأة أضحت المرأة في دوامة من التصورات المختلفة حول تحديد هويتها الفاعلة وتسمية دورها الحقيقي في المجتمع على مستوى الاسرة وخارج الأسرة, فمن الثابت أن دور الاسرة في صناعة الفرد لا يستغني عن المرأة المربية, تجتاح الواقع الأسري جملة من التحديات التي تذوب كيان المرأة في الأسرة مما يؤدي إلى غياب واضح لأثرها الإيجابي في إدارة السلوك, وهنا تبرز مشكلة القيم, القيم الحاكمة على وضع المرأة, بين قيم تدعو الى تحررها من وظائفها الأزلية في شغل البيت وتربية الأبناء, وأخرى تدعو إلى عزل المرأة عن البيت ورميها في أحضان المجتمع تحت ضغط من عناصر كيانها البيولوجي التي تحدد من ظهورها بالنحو الذي يظهر عليه الرجل مما يزيد في حدة المنافسة مع الرجل باتجاه اثبات الذات والقدرة على مجاراة الرجل في نشاطه خارج المنزل.

إن أهمية حضور المرأة في الوضع الأسري لا تلغي أهمية حضورها ومشاركتها في الوضع الاجتماعي خارج الأسرة, وهو ما يستدعي حالة من التوازن بين متطلبات الظرفين (الداخل والخارج) وحالة التوازن هذه تمثل تحديا آخرا أمام وعي المرأة المعاصرة, بسبب فقدان مصادر وعي قادرة على رصد وتشخيص التوازن بصيغة عقلانية بعيدة عن مؤثرات التشدد الديني من جهة, والتطرف الذي انتجته بعض النزعات النسوية التي أصبحت تعمل على مسخ بعض عناصر كينونة المرأة, وتتمثل المشكلة في الجانبين عبر الأنموذج الذي يقدمه الجانبان, فالأنموذج الديني المتشدد منه يتمثل بالمرأة المحرومة من التعليم والمعزولة عن تطلعات الحياة, في حين يتمثل الأنموذج الذي تقدمه بعض حركات النزعة النسوية بالمرأة التي تتجاوز أطر الأنوثة باتجاه التميع والانخراط في بيئات الفساد المرئي على مواقع التواصل الاجتماعي, فبين هذا وذاك أجد من الصعب أن يبرز خطاب معتدل, يستند إلى العدالة لا إلى المساواة, لأن الأخيرة لا يمكن قياسها في ضوء معايير قيمية واضحة, لم تكن المساواة تساوق العدل دائما, لذا ينبغي تحقيق المساوة من خلال العدل لا بصيغتها المجردة عن العدل, ومهما تم تحري العدل ومراعاته كانت المساواة العادلة في ضمنه وتحت إطاره.

 لقد كان من الضروري أن تنعقد الحلقات العلمية الجادة في اتجاه تحديد أولويات الأنموذج النسوي ورسم محددات الهوية النسوية على مختلف الصعد, في ظل واقع يشهد تبددا في القيم وأزمة حقيقية في معايير السلوك وفقدان الفضيلة بجوهرها الحقيقي, وحتى تزييف القيم ومسخ جوهرها, وضياع أصلها, كل ذلك يعبر عن مشكلة حقيقية تكتنف الواقع الاجتماعي العربي بين تجاذبات فكرية تشحنها نوازع سياسية وإقليمية, ليست محلا لبحثنا, لكنها ذات الأثر الواضح في ارتباك كينونة المرأة وضمور دورها الحضاري, وبدلا من أن تكون المرأة أحد مفاتيح الحل أصبحت في قلب المشكلة المعاصرة, فما زالت المرأة تدفع ثمن أنوثتها إلى ما ينتج عن أقصى اليمين وأقصى اليسار..

وآخر ما يمكن قوله هنا هو ضرورة إعادة فهم المنظومات الناظرة في شأن المرأة سواء كانت دينية أو وضعية بشرية, وإشراك المرأة في عملية الفهم, وتمكينها فكريا من وعي حقوقها ومسؤولياتها, على أنني أدعو إلى الانتقال في التفكير من حقوق المرأة إلى وعي المرأة بالحقوق ومن تمكين المرأة إلى وعي المرأة المتمكنة, ومن المساواة إلى العدالة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.