القدس بين قدسية اليهود والقدسية في الإسلام

0 11

القدس بين أساطير اليهود والمكانة في الإسلام

أ.د عبد الصمد بلكبير

كاتب ومفكر وأستاذ جامعي

إذا اعتبرنا أن اليهودية هي بالذات عقيدة أو شريعة موسى المتمثلة خاصة في التوراة وليس في التلمود الذي هو فقط شرح بشري لقول إلاهي، فقد اختلط الأمر من الناحية التاريخية وهذا مصدر التحريف، بين كلام الله وكلام المفسرين، لا يميز اليهودي اليوم ولا حتى بالأمس بين كلام الله وبين شروحاته في التلمود، وبالطبع فضلا بأنه مكتوب بلغة ليست هي لغة الحياة اليومية، فالمرجع لديهم هم الأحبار على خلاف ما وقع في القرآن.. ما قبل موسى منذ إبراهيم لا نعرف عنه الكثير، الموثق والمؤكد هو التوراة الموساوي، فموسى حسب كل التوثيقات التاريخية وبالخصوص “فرويد” في كتابه العظيم “موسى والتوحيد” نزل عليه الوحي في مصر، فهو مصري وليس عبراني، وسبب الالتباس الذي وضّحه فرويد بشكل جيد أن العبرانيين نزحوا إلى مصر وقطنوا بقرب القصر الملكي الذي يقطنه الفرعون أخناتون، وفي تقاليد البيعة لدى مصر الفرعونية كان رجال الدين عندما يموت الفرعون، يخرجون ويدورون في المدينة ثم يقصدون على سبيل الصدفة ـ هكذا تبدو ـ شخصا معيّنا ويبايعونه كملك، وبذلك يوحون بأن الفراعنة هم أبناء الشعب وليس أبناء الفرعون السابق. ماذا نتج عن ذلك؟

أن القصر الملكي الفرعوني كان حينما يولد له الطفل الذي سيصبح ملكا يلقيه في النهر ويعاينه رجال الدين عن بُعد، وعندما يصل إلى يد – وهذا ما وقع لموسى بالضبط – الأسرة التي تحتضن الطفل، ويبدو للأسرة ولمحيطها أن ذلك الطفل مبروك، لأنه تتغير أحوالهم المادية، فمثلا إذا كان الأب فلاحا أو تاجرا يقبلون على الشراء من عنده إلخ.. حتى يوفروا للطفل شروط تربية شبه ملوكية رغم أنه في وسط شعبي، وبالطبع هذه الأسرة والعائلة والجيران يهتمون بهذا الطفل لأنهم يعتبرونه مباركا، وبعد ذلك يأخذه القصر على أنه خادم ويعود إلى أصله، خلال ذلك وحين يموت فرعون يبادر رجال الدين إلى مبايعته وكأنه ابن الشعب والحال أنه ابن فرعون..

إذن هذه حالة موسى، موسى مصري مرّ من هذه المراحل ثم التحق بالقصر وتدرّج في الجندية إلى أن أصبح ضابطا كبيرا وكانت الديانة الأخناتونية ثورة في تاريخ الأديان، لأنها أول موحد للدين وأول موحد للأمة، فتعدد الأديان يعكس تعدد المصالح وتعدد الجهات، وحدة الأديان تعني وحدة الجهات وتوحيد الأمة، أخناتون هو أول موحد في تاريخ البشرية، لذلك هناك اتجاه الآن أنه يعتبر من بين الأنبياء، طبعا لأن لدينا 100 ألف نبي، لا نعرف منهم إلا القلة التي ذكرها القرآن في حين أن أخناتون في الغالب نبي من أنبياء الله، أخناتون هذا الذي وحّد الله ورمز له بقرص الشمس، اعتبر ثائرا ومنحرفا بالنسبة لرجال الدين المشركين، ولذلك قاموا بالانقلاب عليه وقتله، نتيجة ذلك أحس موسى بالخطر لأنه هو الذي كان سيخلفه ولكنه هو موحد، كان متأثرا بأخناتون ولذلك هرب إلى قبيلته التي ظنّ أنه منها، والحال هو ليس منها وهاجروا جميعا من مصر، لذلك هناك التباس كبير في هذا الشأن.. وهكذا فالعبرانيون الذين أتوا إلى مصر من خارجها سيعودون بعقيدة أخرى جاءتهم من مصر، كان يتركهم ليناجي ربه ثم يعود ويجدهم عادوا إلى عبادة العجل إلخ..

والتاريخ يبين أنه لم تكن لهم علاقة بفلسطين إلا لاحقا، وعندما التجئوا إليها كانوا ـ حسب التوراة نفسها – غازين فاتحين مُهجّرين لأصحابها الأصليين، وخلال ذلك حاولوا أن يقيموا لأنفسهم ملكا في القدس، وهذا استغرق حوالي أربعة قرون أو أكثر قليلا، نحن نعرف منهم سليمان أو داوود، ولكن في هذا الصدد علينا أن ننتبه إلى مسألة فيها التباسات كثيرة، لأنه إذا اعتمدنا على التوراة وعلى التلمود سنتوهم بأن الأمر فعلا يتصل بملك عضود وبدولة ذات إدارة وجيش وأمن إلخ.. والحال أن هذه أساطير لا علاقة لها بالتاريخ ولا علاقة لها بالواقع، هي أساطير وخيالات تماما كما يمكن أن نلاحظ ذلك في الإليادة والأوديسا بالنسبة لليونان القديمة أو بالنسبة لقصص العصور الوسطى عندنا حول سيف ذي يزن وعنترة وعلي بني أبي طالب، حيث يغلب البطل المئات…

كل ما في الأمر هم قبيلة أو عشائر محدودة العدد والمجال تخوض صراعات مثل تلك التي ستعيشها في ما بعد قبائل العرب من كر وفر.. يحاولون مُلكا ولا يقوم إلا بصعوبة ثم يندثر، وفي مجال محدد جغرافيا، وفي حدود كما يحدث اليوم في بعض المناطق في الخليج العربي، إذن الصورة المتخيلة أو الأسطورية عن الدولة اليهودية في فلسطين المحتلة حالية وفي فلسطين القديمة مغلوطة، صورة هي أقرب إلى مبالغة الأدب منها إلى الواقع الفعلي.. الأمر يشبه حالة شيوخ القبائل، لم تتأسس الدولة المركزية العتيدة إلا في سيرورة طويلة في جميع مناطق العالم، وأكثر المحاولات انتهت بالفشل، أما المحاولات التي نجحت فهي معروفة في التاريخ مثلا الدولة الآشورية والدولة البابلية والكنعانيين الذين كانوا قبل اليهود في فلسطين والفينيقيين والفراعنة أو في جنوب أوروبا اليونان إلخ.. أما ما يسمى بالدولة اليهودية فهي في أقصى أحوالها محاولات كانت غالبا تنتهي بهزائم وبمآسي، لأنهم كانوا يقطعون الطرق ويغزون ويمارسون درجات عليا من التوحش، والتلمود مليء بهذا.. ويدعون بأن الله يقول لهم اذبحوا ولا تأسروا أسيرا ولا تتركوا شجرة الخ.. وهذا يعني في الأنثروبولوجيا أنه في تلك المرحلة الانتقالية من نضال الهمجية حيث كانت الجماعات البشرية تبادر إلى الغدر وقتل غيرها، لأنها إذا لم تفعل ذلك سيُفعل بها، إذ لم يكن هناك قانون ولا نظام ولا أخلاق ولكن يراد إقامة النظام والقانون، إذن تجارب إدارة الدولة لدى اليهود في فلسطين، كانت مرحلة انتقالية من الهمجية إلى المدنية، وطبعا حين أتوا للقدس وجدوها مدنية، عمرها ستة آلاف سنة، وهم لم يأتوا إلا بعد ألفي عام بعد تأسيس القدس، وانتهى بهم الأمر إلى الفشل والشتات.

إن هذه الجماعة التي تشبه بعض الجماعات في التاريخ لم تستطع أن تندمج في السيرورة التاريخية، لأنها فشلت ذاتيا في أن تأسس دولة وفشلت في أن تندمج مع الأنظمة المجاورة لها، وهذه ليست حالة اليهود فقط، هناك القبائل التي توجد في أوروبا مثل الخيطانوس.. يعني مسيرة التطور البشري آخذة تطورها بتفاعلات وتحولات إلخ وهذه الجماعات تشتغل على هامشها، وهذا ما يسمى في علم الاجتماع الديني وعلم الاجتماع السياسي بالجماعات الوظيفية التي ترفض النظام والدولة لأنها عاجزة عن إقامتهما، ولكنها تشتغل وظيفيا في خدمة النظام والدولة القائمين، وتشتغل في الأعمال التي يُحرمها النظام السائد، مثلا يقام أي نظام على أسس قيمية أخلاقية قانونية دينية، فكل دولة لديها قيم وأعراف وما يسمى بالمقدس والمدنس، هذا جيد وهذا رديء، هذا طيب وهذا خبيث، هذا حلال وهذا حرام، ولكنه يكون في حاجة إلى الحرام وإلى الخبيث، حينئذ يعيد إنتاج جماعات تقوم بذلك نيابة عنه لكي يستمر ضميره مطابقا لعقيدته وفي نفس الوقت يوظف بنية لكي تستجيب لحاجيته، كالعهارة، وما يرتبط بذلك الخمارة والغناء والرقص… المجتمع أيضا يحتاج من يقوم باغتيالات عن طريق التسميم مثلا وغيرها مما يعتبره شرا، إذن المجتمع يحافظ على قيمه فهو ضد القتل والغدر والإرهاب… لكنه يهيئ جماعة لفعل ذلك.. مثلا حالة الشيشان في روسيا، وحالة القبائل السويسرية، طيلة العصور الوسطى كانت مهمتها الأولى الإرهاب، القرامطة عندنا، كلهم مدرسة من المخدرات والتجسس والإرهاب..

إذن اليهود وجدوا أنفسهم في السيرورة على هامش المجتمعات والدول القائمة، يُشغَّلون وظيفيا لخدمة أهداف هامشية يحتاج إليها المجتمع السائد، لذلك نرى أن اليهود يقومون بهذه الوظائف ويسكنون على الهامش في شكل الملاح ويوظفون لخدمة المركز، هذا كان في المجتمع العبودي والإقطاعي واستمر في المجتمع الرأسمالي..

وفي الحقيقة اليهود هم ضحية، ويمكن أن نقول أنهم ضحية مرتين، ضحية للأحبار الذين يجمعونهم في مكان محدد ويغلقون عليهم المنافذ لكي لا يتواصلوا مع الأغيار، وضحية للنظام العام أي الدولة التي تتواطئ مع رجال الدين اليهود لكي يعتقلوا في مكان مُعيّن جماعات اليهود ويوظفهم رجال الدين من جهة ورجال الدولة القائمة من جهة أخرى، لخدمة أهداف لا علاقة لها بمصالح اليهود أنفسهم.. وأكثر من هذا فالتزوير والغش والتجسس والخمر والعهارة والقمار والربا، محرمة في كل الديانات، والأحبار اليهود قالوا أن الله حرم الربا في ما بيننا ولم يُحرمه علينا مع الأغيار، وطبعا هذا تحريف، هم يقولون “نحن أبناء الله”، أما الآخرون فخلقهم الله يشبهوننا لكي نستأنس بهم، وهذه عقيدة وثنية قبلية همجية، لذلك فاليهود كانوا يعيشون في منزلة بين المنزلتين، بين العقائد الأسطورية والخرافية والهمجية والعنصرية التي كانت لديهم قبل أن يخرجوا من الغابة وما بعد خروجهم من الغابة..

أما بالنسبة للمسلمين لا إشكال لديهم؛ لأن الدين عند الله الإسلام، فإبراهيم مسلم، والمشكل عند المخالفين أو الآخر فقط، وهو ما يطرح مشكلا بالنسبة لنظريات العلوم هناك أحكام قيمة وليس وصفا، ما نعرفه اليوم بالفطرة، والذي يتكلم عنه الدين الكريم، الدين فطرة، فالفطرة ليست حدثا طبيعيا ولكن هي حدث إلاهي.. أخذت وقتا طويلا، من أهم لحظاته لحظة يونس ونوح إلى لحظة إبراهيم وموسى، إلى مجيء عيسى، ولذلك حين خرج سيدنا عيسى من بيت لحم إلى القدس، ودخل إلى المعبد وجد أن رجال الدين اليهود ـ وهو يهودي ـ يقترفون جرما على الحمام الذي هو رمز السلام، يذبحونه ويبيعونه للناس، إذن هذا الحرام الأول، الحرام الثاني هو أنهم يبيعون ويشترون في المال بالربا، فقلب عليهم الطاولة وقال لهم هذا بيت الله وليس بيت اللصوص، إذن سيدنا عيسى هو أول من نبه للصوصية رجال الدين اليهود، طبعا حين أحس رجال الدين اليهود بالخطر، باقي الحكاية معروفة ذهبوا عند حاكم الرومان للتحريض على قتله.. والقرآن فيه احتمالين لأنه فيه رفعه ولحظة أخرى يقول توفاه، هذا نقاش كلامي لا يهمنا، الذي يهمنا هو أن الدين المسيحي هو اليهودية مصححة أي اليهودية الأصلية، ولكن اليهودية المُحرّفة استمرت، واستمر الصراع معها، خلال 300 سنة، اليهودية المصححة باسم المسيحية انتشرت في بيزنطة وأصبح المجتمع كله يهوديا أو مسيحيا، في بداية القرن الرابع أتت والدة قسطنطين عنده وقالت له إنك وحدك الذي بقيت وثنيا، كل المجتمع أصبح مسيحيا، فاضطر أن يتبنى المسيحية من أجل تحريفها لأن رجال الدين في المعابد الوثنية أرغمهم كي يصبحوا مسيحيين، فدخل على المسيحية ما ليس منها، مثل الكنيس، فسيدنا عيسى ليست لديه كنيسة، فرجال الدين الوثنيين هم من أصبحوا رهبانا والدليل على ذلك هو التثليث وعبادة المسيح الذي لم يقل أبدا إنه إلاه أو أنه ابن الله، الجميع أبناء الله، وعبادة الرموز “الصليب”، المفروض أن المسيح صُلب، فكيف يوصي بصليبه؟ من هنا جاء الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بإصلاح ديني ولكن من أجل تجديد الدين، لأن أقوال سيدنا عيسى في الإنجيل هي كلام أخلاقي ولأن القرآن جاء بشريعة كاملة متكاملة “إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى”، إذن نحن نقول صراحة بأن الإسلام هو الإبراهيمية، وأن الإسلام هو الموسوية وديانة عيسى.

ولم تكن هذه المصطلحات موجودة، لأن إبراهيم كان مسلما، الديانة الإبراهيمية والموساوية الأصلية هي الإسلام، الذي بقي خارج هذا فلن يُقبل منه بالحوار وبالحُسنى وليس بالعنف، ما الذي يجعل المسلمين يلجؤون للعنف، لأن القادة غير المسلمين لا يؤمنون بالحوار ويمنعون الدعوة، وكيف مارسوا مع سيدنا عيسى نفس العنف ومع أغلب الأنبياء، دائما كان هناك صراع بين المُقدس والمدنّس، والقدس طاهرة نظيفة ولكن غالبا ما يأتيها الغزو من خارجها لكي يفسدها.. واليهودية تقول للناس منذ ولادتهم إنهم مجبرون على سلوكات معينة إلى أن يتزوجوا، أنت لا تستطيع أن توصل خطابك إليهم لأنه ممنوع أن يأكلوا عندك وأن يشتروا من عندك وأن يتزوجوا من عندك.. فعمليا هذه هي البنية التي كانت بالنسبة للبشرية كلها، جماعات مُغلقة تمنع بوسائل رجل الدين الذي يحلل ويُحرّم، وهذا تناقض في زمن الحريات والديموقراطية يفترض أن هذه الأشياء تتجاوز وهذه هي حالة اليهود في نيويورك، هناك لا يوجد ملاح، فاليهود في نيويورك بدأوا بالذوبان في مجتمع، من أراد أن يعتقد اليهودية هو حر لكن البنية لا يمكن أن تفرضها عليه، يسكن في عمارة مع الناس ويمارس حياته العادية بكل حرية، كما يحصل في فلسطين المحتلة وفي الملاحات.

ومن الخرافات لدى اليهود بل من الأساطير، قضية العود، هناك فيلسوف عالم كبير للانثربولوجيا توفي في السنوات الأخيرة، اسمه مرسيا إلياد لديه كتاب بالعربية اسمه “العود الأبدي” في العقيدة القديمة لدى البشر حين كانوا يعبدون آباءهم وأجدادهم كانوا يتصورون أن الحياة فيها دورة تتكرر وبأن الناس يعودون إلى جذورهم، الإنسان الأول كان يلاحظ هذا في الطبيعة مثلا الطيور المهاجرة تعود إلى أصلها، الأسماك المهاجرة.. وهذه تظهر في الحياة مثلا في الحج، جميع الشعوب لديها حج ولذلك المغاربة يهتمون بالحج كما يهتمون بالصلاة والصوم.. لأنهم كانوا يحجون قبل الإسلام، كيف؟ كانوا يعودون لنفس المكان الذي كانوا فيها، إذن نفس الشيء كانت عقيدة نهاية العالم، لأننا نعيش في مرحلة مؤقتة والجميع سيعود إلى ما كان عليه.. وأن هناك شخصا سيأتي ليُنهي الظلم والفساد في العالم ويقيم العدل، وبعده مباشرة يقع الفناء والجميع يعود إلى الجنة أو النار..

فالأسطورة يعاد إنتاجها، ولهذا يقولون بأن المسيح أو المشيح حين سينزل إلى الأرض سينزل فوق سقف لبناء هيكل سُليمان، الذي يضخمونه ويدعون بأنه بني عليه المسجد الأقصى.

هناك أشياء بسيطة لا قيمة لها ولا أثر لها، وقد حفروا ولم يجدوا سوى أساطير الأولين، ويقولون إنه علينا أن نهيئ للسيد المسيح حين يصل مهبطا، هذا يعني بيت المقدس، المجسد الأقصى، إذا هدمت المسجد الأقصى معناه الحرب العالمية، لأنه يستحيل أن يقبل 2 مليار مسلم بهذا، هذا النزوع من جملة أخلاق الهمجية.. النزوع الانتحاري ولذلك سنلاحظ هذه الأشياء لدى داعش وأمثالهم الخيطانوس إلخ.. الاستعداد للموت، سيكولوجية موجودة في أعماق كل شخص، رباعية الإسكندرية للبريطاني لورانس داريل، يُظهر كيف أن قمة النشوة تُفضي إلى الموت، فالموت والحياة في السيكولوجية الهمجية القديمة هي شيء واحد وفرويد حلل هذه الأشياء جيدا.

إذن هذه العناصر شبه طبيعية أنثروبولوجيا وليس تاريخيا.. إذ نلاحظ أن لدى اليهود هذه النزعة نحو الموت، يستعجلون الآخرة ويستعجلون القيامة.. شارون انسحب من غزة فاعتبر كافرا، قالوا له: “لا حق لك في تلك الأرض هي أرض الله وعدنا بها، ليس لك الحق أن تتخلى عنها”، ولأنه بطل قومي حاروا في أمره، الكثيرون لا يعرفوا ما حدث لشارون، لقد تركوه ممددا فوق السرير عشر سنوات إشفاقا عليه من عذاب الآخرة، ولم يحكموا عليه بل تركوا الحكم لله، قالوا هذا في منزلة بين المنزلتين.. لا نعرف هل الله راض عنه أم لا، فبحسب الكتاب المقدس هو كافر.. ولكن بالمقابل قبره غير معروف ودفنوه ليلا في حديقة منزل أخيه لأنه لا يجوز الصلاة عليه. هذا التناقض موجود داخل إسرائيل، على عكس نتانياهو الذي هو صهيوني التوجه يهودي العقيدة، لذلك كان أوباما وترامب يحاربون شارون وفعلا استطاعت أمريكا أخيرا أن تنتصر وأتت بنتانياهو..

حين نزلت الرسالة على الرسول في لحظة احتضاره، في تلك اللحظة إشارة إلى الإسراء والمعراج، وقد أرسل تحت قيادة أسامة ابن زيد – ابنه بالتربية – الصحابة إلى الشام، وذهه بالنسبة للدعوة الإسلامية لا إسلام بدون شام والشام هي القدس، وكان دائما بيت المقدس هو المركز التي عبّر عنها بالرؤية والتخطيط.

نحن نعيش في القرن 21 يجب أن نتصرف تصرف العاقل وفق التحليل العلمي، لأن المهم هو الإسراء وليس المعراج، حيث يقولون إن الحديث عنه موضوع، في الإسراء المقصود هو أنه لا إسلام بدون شام. إذن العاصمة الحقيقية للدين الإسلامي هي الشام، لأنها تاريخيا مركز الدين – إذا استثنينا حلب التي عمرها تسعة آلاف سنة لم يكن الدين بالمعنى السماوي آنذاك – فالذي يملك الشام يملك الدين، إذن فالصراع حول ذلك المكان صراع تاريخي وديني في العمق بالمعنى الذي تكلمت عنه، الدين القويم والدين المنحرف، وطبعا الهمجية تحاول أن تدافع عن نفسها بالسيطرة على رمزية المكان. ولهذا لن تقوم للإسلام قائمة ولن يسود في العالم والدول الفلسطينية المقدسة محتلة من طرف اليهود، واليهود يحسون بنفس الشيء، والأوروبيون الذين يوظفونهم لأهداف منحرفة يعرفون ذلك، ونحن نلاحظ الآن أن الإسلام ينتشر في العالم بالعنف أو بالسلام..

إذن قضية فلسطين قضية كونية ليست قضية الفلسطينيين ولا قضية العرب والمسلمين، هي قضية البشرية كلها، والجوهر في كل هذا هو الربا.. لأن الدين الوحيد الذي يزكي الربا هو اليهودية والربا هو الذي يزكي الفساد..

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.