الصراع السعودي الإيراني بين استراتيجية أمريكا و التحولات المستقبلية القادمة.

0 5
الصراع السعودي الإيراني بين أمريكا واستراتيجية التحولات القادمة.

د. جمال الهاشمي .

رئيس مركز الاصباح للتعليم والدراسات الحضارية والاستراتيجية

يؤكد “ماكس” –أحد باحثي مؤسسة هودسن-على مشروع التجزئة وأهميته في دعم الدول الإثنية والطائفية؛ وإعلان المنطقة الشرقية ذات الأغلبية الشيعية في السعودية جمهورية إسلامية؛ لضمان إخراج النفط عن الأصولية السلفية، كما يؤكد على أهمية إعادة خلق نموذج الأسد الذي مارس دمويته في مذبحة حماة كأهم نموذج فعلي لإضعاف القوى المعارضة أو الرافضة للوجود الأمريكي واستخدامه لضمان احتلال آبار النفط في المنطقة وحماية تدفقها بسلام إلى العالم الصناعي المتقدم وفقا للشروط الأمريكية.

في الجانب الآخر تجمع القوى الدولية على اختيار التصوف كديانة عالمية متعددة الطرق ومناهضة للعنف في دوائر الحضارات الكبرى، وكبديل إسلامي معتدل بعد أحداث 11 من سبتمبر الذي كان أغلب منفذيه سعوديين وهو الحدث الذي أدخل السعودية ضمن  محاور القطبية العالمية لمحور الشر وأحد منابع  الإرهاب التي تهدد القيم الديمقراطية والسلم العالمي، وليس هذا كأحد القضايا التي تحدد الاستراتيجية الأمريكية بل أصبحت من أهم مداولات المجتمعات الأمريكية والأوربية ومن أهم قضايا الرأي العام الأمريكي، والذي ترتب عليها تغيير مضامين الاتفاقيات التي كانت بين حكام الملك العربي عبد العزيز آل سعود  و “روزفلت”، وبناء عليه تبنت السعودية تقريب الإسلاميين المعتدلين، وقدمت إصلاحات ثقافية وقلصت من نفوذ الأصولية السلفية وقبضتها الاجتماعية وفي مؤسسات التعليم ومراكز الإعلام الاجتماعي.

مما يميز الولايات المتحدة الأمريكية قوة مؤسساتها البحثية وقوة برامجها التنفيذية وقدرتها الدبلوماسية في اختراق شعوب الدولة المستهدفة، مما يعني استراتيجيتها بعيدة المدى، فهي تستخدم الحلفاء لإضعاف الخصوم ومن ثم تفكك منظومة الحلفاء ببعضهم وتدمر آخر دولة حليفة بتفكيكها ذاتيا كما تتمحور ثقافة الحروب الأمريكية على فكرة القرصان الذكي الذي يسرق الثروات من القراصنة المحاربين أو يستخدم الصراع بين الفرقاء الأيد لوجيين من أجل أضعاف أحدهما بالآخر وأخر الحلقات تسقط  بفعل المعارضة الاجتماعية والطائفية والجهوية

ومن أهم الاستراتيجيات التي تستخدمها أمريكا أسلوب المراوغة والمزاوجة وتعاقب السلطات الديمقراطية لضمان استحداث البدائل الرباعية بين سياستي العزلة والانطواء أو سياسة التدخل المباشر والحروب العسكرية، ومن أجل ذلك وضعت السعودية بين طرفين متصارعين داخل السلطة الأمريكية أحدهما يرى ضرورة فرض إصلاحات جذرية في بنية التعليم والبنية الاجتماعية والدينية وهذه تسمى السياسة المرحلية وأول أدواتها لتفكيك الدولة من الداخل بقوة السلطة السياسية، ثم يأتي الطرف الثاني ليكمل الدور في التهديد وضرورة فرض العقوبات وقطع العلاقات معها وإدخالها في صراعات محلية وإقليمية لإضعافها وتفكيكها من الداخل أو استنزاف ثرواتها بالقوى الطائفية المحيطة وأيضا بالقوى الحكومية العربية المتربصة التي تسعى لإصلاح شؤونها بابتزاز الآخر.

حيث يطغى على دول العالم العربي والإسلامي الثقافة البراجماتية وثقافة التربص القاتل أو ثقافة التبني (إنا معكم) والتولي (تولوا).

وما تزال الكتابات والمقالات الأمريكية تربط بين التطرف الوهابي(السلفية) بزعمها والدعم السعودي والتنظيمات الإرهابية، كنوع من الحرية الذي صرح به النظام الأمريكي أكثر من مرة وهو نفس التصريح الذي مارسه مع صدام حسين بين آليتين أحدهما تارسه سلطة الإعلام كنوع من ممارسة التهديد والتخويف والضغط، وبراجماتية السلطة التنفيذية المؤقتة بأربع سنوات لابتزاز الحلفاء بتهديدات الإعلام، والرأي العام.

ويعتبر المجتمع في الحقيقة جزء من سياسات التعبئة الشعبية لمراحل قادمة ستقودها أحد السلطات السياسية التعاقبية على الترشيح والحكم لممارسة الضغوط الدائمة والمستمرة على السعودية وإعادة تدجينها وتوظيفها في المنطقة وتدمير البنية الثقافية الأولية ومن ثم تفكيكها بالضغوط الاجتماعية والجهوية والطائفية.

ولإخماد هذه الحملة الإعلامية قدم الملك عبد الله ملك السعودية مبادرته التاريخية مع اليهود غير أن الفكرة عن الإسلام لم تكن مرتبطة بقضية التقارب  أو بناء العلاقات السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية، كما ذكر “لويس” لأن وسائل التقية التي مارسها الملك عبد الله لكف الأذى الأمريكي لن تمحي كراهية المجتمعات المسلمة لليهود، والتي هي أعمق من أن تحلها السياسة؛ لأن الكراهية  حاضرة في فنون العرب، وكتاباتهم وفي الدوائر الأكاديمية وعند أصحاب المهن الحرفية، وفي ذاكرة الشعوب؛ مستثنيا من ذلك العسكر ورجال الأعمال والساسة العرب الموالين لليهود والذين يتبنون عقيدة الأنسنة ويسعون بهذا التعاون لضمان استمرار وجودهم بالسلطة؛ حيث تتداخل الثقافة الفردية في تركيبات معقدة تسيطر عليها مجموعة المعتقدات المقاومة للتغيير، وهذه الصياغة مسؤولة عن تحديد الشفرة الإجرائية لشخصية الأمة، وتتضمن هذه النظم: المعتقدات الفلسفية حول الطبيعة السياسية والصراع، والمعتقدات الدينية واستراتيجيتها البديلة لتعزيز مصلحة الفرد؛ وتعد صورة العدو مكونا مهما في العقيدة والمبادئ الاجرائية، إضافة إلى المخططات المعرفية في الأدبيات الحديثة والكلاسيكية.

وقد صاغت دراسة “جيرفيس” (المعنونة بـ الإدراك وسوء الإدراك في السياسة الدولية) مفهوم النموذج المعرفي لتحليل السياسات الخارجية، والنماذج النفسية وتفسير روح المؤسسات والسياسات الداخلية، كما وظف علم النفس الاجتماعي لإدراك التحيزات والمكونات المعرفية والعوامل العاطفية.

فالسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط بنيت على قراءات علمية أكاديمية، ودراسات واستقراءات واقعية، وما السلطة التنفيذية وتعاقبها ديمقراطيا إلا من أدوات الفطنة الرومانية في التعامل مع المجتمعات المحلية أو مع الآخر وكل تصرفات الرؤساء المرشحين صنعوا لأداء دورا مهما مطروحا مسبقا، فإن وجد مناهضة شعبية وأكاديمية يغلق دوره بعد ذلك وينتهي دوره بالانتخابات التالية لتبدأ سياسة مكملة أو سياسة تمارس نفس الدور أو مثيله بطرق مختلفة، ويذهب الرؤساء وتبقى السلطة العميقة والمؤسسية القائمة هي الأساس في صناعة التنظير ووضع القواعد الرئيسية للسلطة.

فمثلا تمكن تقرير راند والمجلس الأمريكي للاستخبارات القومية في عام (2004) من التنبؤ بوصول الإسلاميين للسلطة في(2015)، ومن ثم ركزوا على جذب المعتدلين الإسلاميين، وإعادة هندسة التغيير السلمي للثقافة والسياسة بالتركيز على العامل الاقتصادي والمدني والاستخباراتي، وتبني مشروع دولة قطر لرعاية الإخوان المسلمين بدلا من استخدام القوة العسكرية، وتنميط النموذج التركي الإسلامي في المنطقة كنموذج يدافع عن سياسة الاتحاد الأوربي والديمقراطية والتعدد والعلمانية والعولمة ويتنكر لمبدأ الحاكمية الإسلامية؛ انطلاقا من قرينة موجودة تقول بأن  مسلمي الترك يدافعون عن المبادئ والسياسات الدولية والديمقراطية والمفاهيم الغربية ، ويرفضون الأصولية السلفية خلافا للأصوليين العرب الذين يتبنون المفاهيم الإسلامية ويسعون لإحلالها وتعميقها في سلطة الدولة. وأن النموذج أو المشروع الذي تتبناه كل من قطر والسعودية سيكون مهما في المرحلة القادمة لإسقاط فكرة النموذج ومن ثم تهيئته للتنازل والتقارب في منافسة علنية تسابقية بين تنازلات السلطات الحاكمة والإسلام السياسي المعارض لأنظمة الحكم، وأن هذا الصراع سيرفع مكانة إسرائيل ويجعل منها الوجه الناعم مقارنة بالوجوه الخشنة أو وجوده الصراع المتعدد بين السياسي والإسلامي والديني – الديني.

ومما يثخن الأزمات بمزيد من الأزمات تناقض السياسة الإيرانية مع دول منطقة الشرق الأوسط في الوقت التي تتوافق مع روسيا في منطقة دول شرق آسيا، وترمي مجتمعاتها العقائدية من أجل تقريب توجهها مع السياسيات العالمية في أتون الحرب على الإرهاب من أجل استقطاب التأييد الأمريكي واستخدامه لمواجهة الأصولية السلفية في شبه الجزيرة العربية والمملكة العربية السعودية، وأيضا لمواجهة تركيا التي تسعى لزعامة الإسلام الإسلامي وتبنى النموذج الإخواني؛ حيث تقدم دعمها لشيعة العراق على السنة في الوقت التي تتقارب مع تركيا لمواجهة التصلب الأمريكي.

ويشكل التقارب الروسي-الإيراني في سوريا تحديا أمنيا لدول الخليج، وأن هذا التقارب أسهم في توسيع دائرة الأزمة وتحويل مركزيتها من كابل بعد ضمان سيطرة حلفاء الدولة الإيرانية على الساحة الأفغانية إلى قلب الشرق الأدنى في مناطق الأحزمة الأمنية لدول الخليج، وتستثمر إيران تحالفها مع الروس للتمدد الجيبوليتكي الطائفي جنوب العراق، واستثمار هذا التحرك لإشغال الرأي العام عن تخضيب اليورانيوم ومن أجل تفعيل قنبلتي المشروع النووي بالإرهاب والقضايا الطائفية في الوقت التي تتوسع طوائفها العسكرية – السياسية على الأرض في كل من اليمن وآسيا الوسطى ولبنان، ودعم استراتيجيتها وتفردها في إدارة قوس الأزمات بميليشياتها العقائدية.

سبق واستغل آية الله خامنئي ومحمد خاتمي إرهاب تنظيم القاعدة في أحداث سبتمبر للتقارب مع أمريكا، وتحالفوا معها في الحرب على طالبان والعراق، وهو ما دفع بدول الخليج المتجزئة لمعالجة خلل التوازن العسكري مع إيران في المنطقة عبر آلية تشكيل قوى ردع وطنية وتبدو هذه بطيئة وجاءت في وقت أصبحت الأزمات ناضجة، وأخرى دولية ضمن تحالفات عسكرية تندرج تحت استراتيجيات جديدة لمعالجة الأزمات بقيادات دولية مجردة عن فكرة العمق والمجتمع العربي ومنطق التفكير الاستراتيجي.

ورغم تجديد العلاقات السعودية مع أمريكا وإدارة ترامب إلا أن  أحداث11 من سبتمبر أضعفت العلاقة السعودية مع نظام واشنطن وستظل أحد أدوات السلطات الأمريكية والأوربية للضغط على النظام السعودي الذي بدأ وحيدا في مواجهة إيران وتوسعها بل وبسبب عزلتها دوليا لا سيما  وقد حاولت الرياض  التقارب مع  روسيا العدو التقليدي بزيارة الملك عبدالله في 2003م  إلا أن هذا التقارب يخيف موسكو لا سيما مع  بروز تيار سني معادي لها في سوريا قد يكون مركزا للتأثير على الأقليات الإسلامية في آسيا الوسطى وإعادة تجربة الخندق الأفغاني الذي فكك الإمبراطورية السوفييتية

وهو ما دفع حينها دولة الرياض إلى معالجة هذا التخوف بإعلانها عن جبهة النصرة كمنظمة إرهابية، ومع هذا تعتبر روسيا كل من قطر والسعودية قوى راديكالية داعمة للتنظيمات السلفية والإخوان خلال الحرب في أفغانستان وهذه المبادئ الثابتة في السياسة الروسية لا يمكن مطلقا صنع هذا التقارب وإن تحقق ويبدو هذا مستحيلا فسيكون مؤقتا ومحددا ورغم ذلك تحاول السعودية أن تفك الرباط والتعاون بين روسيا وإيران بينما تستخدم روسيا إيران كذراع لها في سوريا ولبنان والعراق واليمن.

ولن يكن موقف السعودية سهلا في ظل هذه التحولات إلا أن تضع استراتيجيات عميقة وأخرى تكتيكية تعمل عليها في جميع الاتجاهات وتتبنى سياسيات واعية (ليس هنا محل عرضها).

ستبقى السعودية هدفا أمريكيا كما أنها في الوقت ذاته لن تكون بعيدا عن الهدف الرئيسي كآخر حلقات منظومة الشرق الأوسط ولكنها تُسبق بأهداف أخرى ستكون جزء منها ضمن سلسلة تفكيك الحلقات؛ حيث أشاد “ستيفن شوارتز” بالتشيع والتصوف وأهمية توظيفها لتفكيك التسنن ومحذرا من خطر السنة أوتصلب الوهابية التي لا تختلف عن أيدلوجية النظم العربية الرسمية الإرهابية ويقع الحديث تحت إطار النظرية الثيوية التي يتبناها الثنيويون الأمريكان الجدد بين أمريكا والإسلام، كما يؤكد “بات روبرتسون” بأن المسلمين أخطر من النازية وحروبها العنصرية، ويرى “دانيال بيبس أن الصراع مع الإسلام وجودي؛ يهدد بقاء الغرب في العالم، وأكثر تحديا من الشيوعية.

وتحاول مؤسسات القرار الامريكية تجنب المواجهة الرئيسية مع الإسلام بكامله أو إثارة العواطف الدينية العامة وخصوصا المجتمعية التي تتعاطى مع جميع القضايا الإسلامية، ومن ثم فإن استراتيجية التصنيف وإعلامية التوصيف غيرت سياستها الأولى مع القومية العربية وذلك بإحلال الصراع القطري التي كانت تفكك منظومة القومية العربية العامة بصراع عقائدي قطري وإثني وسياسي لتفكيك منظومة الإسلام من الداخل بين مكونات الإسلام الثوري والسياسي من الداخل.

وتؤكد  التقارير الأمريكية في أهم مؤسساتها البحثية  أن السعودية دولة سلفية وفيها  مؤسساتها تقليدية مناهضة للقيم الديمقراطية، وأن إصلاح الوعي الاجتماعي السعودي لا ينتظم إلا عبر وسائل التعليم والتربية وهو ما أخضع السلطات السعودية  للإملاءات الأمريكية في تغيير المنهج الدراسي من الابتدائية وحتى الثانوية، وفرضت عليها فرض برامج لإصلاح التعليم عبر فترات متفاوتة ومتدرجة؛ لإرخاء قبضة المؤسسة الدينية التي تعيق تحديث الثقافة الغربية في التربية والتعليم، والمجتمع والاقتصاد والثقافة وفي الوقت ذاته يرى النظام السعودي أن هذا سيسهم في نهضة العقلية السلفية وتأدية دورها مستقبلا وليس هذه التحولات يعني معارضة المبادئ الإسلامية وإنما هي فسحة الاختلاف في الفروع.

لم تفرض هذه الضغوط الأمريكية والعالمية على السعودية بطلب سعودي أو تماهيا مع السياسة العالمية وإنما لأن السعودية أيضا تتعرض إقليميا ومحليا لسلسلة من التهديدات والمصالح المتعارضة داخل المنظومة السياسة العربية والدينية أو الإثنية والطائفية والأيدلوجية عابر القارات أو الحروب بالوكلة عبر ميلشيات طائفية واقتصادية وأيدلوجية.

إضافة إلى أن السعودية ليس لديها استراتيجية ثقافية قابلة للتصدير مما يعني هشاشة مجتمعاتها وضعف بنيته الثقافية في التعامل مع المتغيرات المحلية والدولية وشعور المجتمعات السعودية بالاغتراب داخل المجتمعات العربية شكلتها عشوائية استقدام العمالة العربية أو الأجنبية السابقة دون أن تعي مؤسستها التعليمية والثقافية أهم العامل الثقافي في تشكيل النموذج الذاتي للشخصية السعودية.

ويرجع ذلك إلى أن النظام السعودي لم يؤطر لهذه الاستراتيجية وهو ما يعني طغيان الثقافة القبلية أو العلاقات القبلية داخل المجتمع السعودي وعلاقته مع دول الجوار وخصوصا اليمن التي كانت تترجم العلاقات وفقا للنمط القبلي حيث لم تدرك السعودية خلال الفترات السابقة عوامل التحولات المجتمعية وانتشار المنظمات الاجتماعية المعارضة للنمط التقليدي القبلي.

كما أن الاستراتيجية الإعلامية والثقافية داخل المملكة العربية السعودية ليس له رؤية بعيدة المدى أو أهداف غائية بقدر ما هو حالة عاطفية تتعامل مع الظواهر الحيطة سلبا وايجابا، على الرغم من أهمية موقع السعودية وإمكانياتها التي قد تؤهلها لتكون من أهم الفاعلين الحضاريين عالميا، وهنا يجعل السعودية أمام تحديين رئيسيين:

أحدهما الانكفاء على الثقافة التقليدية وممارستها سياسة الانطواء والعزلة الثقافية في ظل العولمة والانفتاح وبروز المجتمعات والأفراد كفاعلين دولية إضافة إلى دور الدبلوماسية الشعبية كأهم أدوات الضغط على النظم السياسية.

وثانيها الانفتاح والتعبية للثقافة الغربية مع تلميعها بصيغ وطنية على غرار الطريقة الإماراتية وهو ما سيولد مجتمعات هجينة منفصمة شخصيا قد تؤثر على الأجيال القادمة وتوسع الفجوة بين السلطة السياسية والنظام الاجتماعي وتفكك الترابط الاجتماعي مع بعضه.

وفي الممارستين السابقتين فإن مكانة السعودية في الرأي العالمي لن يختلف وإنما سيخضع لسياستين أحدهما سياسة التفكيك المرحلي أو سياسة المواجهة. وبالنسبة للسياسة الأولى وهي التي يعمل بها حاليا فيعني استخدام السعودية كأداة من منظور حماية مصالحها وسياستها الدفاعية عن أمن واستقرار المملكة وستخضع للتفكيك بحسب قوتها الاقتصادية التي هي معلومات سرية تحتكرها الشركات المسيطرة على الثروات النفطية.

أما الثانية وهي مستبعدة الحياد مع الوجود الأمريكي مما يجعل السعودية في مواجهة مباشرة مع إيران التي يمكن أن تحقق نجاحها بسبب اتساع نفوذها الجغرافي الطائفي أو ميلشيات التجنيد بمقابل.

غير أن هذا أيضا يحتاج وفقا للرؤية الأمريكية إلى اتخاذ برنامجا سياسية يعمل على تفريغ الميلشيات من قوتها بحروب مستمرة وإضعاف القوى الممولة لها بهذا الدعم مما يسهم في تهميش المجتمعات وضعف الدولة الاقتصادية ومن ثم قيام ثورات محلية وحركات انفصالية وبروز أقليات وخصوصا في المناطق التي تمثل أهمية حيوية للمصالح الأمريكية.

كما تسعى لإدخال القوى الإقليمية في سلسلة من الصراعات وتفكيكها من الداخل عبر سلسلة من الحروب بعيدة المدى إلا أن الموقف مع إيران يختلف حاليا وذلك أن الدبلوماسية الروسية تعمل بنفس دبلوماسية الولايات المتحدة في حربها على السوفيت في الخندق الأفغاني وهو ما يدفع بروسيا إلى دعم إيران وسوريا واستغلالهما لإضعاف النفوذ الأمريكي وإضعاف قوته الاقتصادية المحلية بقطع إمداد اقتصاده الحربي لا سيما وأن دول أوروبا بدأت ترى أن أمريكا استغلت دول مجلس التحالف الاطلنطي لخدمة مصالحها في العالم المتوسط.

وباستراتيجية الحذر والنفس الطويل تضع واشنطن شروطا ثقافية على السعودية لإدخال المرة ضمن القوى الضاغطة على السلطة الحاكمة وذلك من خلال الدعم الأمريكي الغربي لمبدأ مساواتيه المرأة للرجل من جهة باعتبار المرأة أهم عنصر مدافع عن القيم الثقافية الغربية وفقا لنظرية برنارد لويس التفكيكية.

وادخال التعليم الغربي في مؤسسات التعليم السعودية على النمط العلماني واصلاحات سياسية واقتصادية تعمل على فرض مبادئ النظام الديمقراطية من سلطة تشريعية وتنفيذية ومنظمات ونقابات وأحزاب على المستوى السياسية وحرية وحقوق وممارسات على المستوى الاجتماعي وذلك بدعم ثلاثة أنماط نموذجية يبدأ الأول بتطبيق النموذج السياسي الغربي، والثاني النموذج الاجتماعي الغربي والثالث النموذج الفردي الغربي.

ترتب عليها دعم الملك عبد الله صراحة وليس من وراء الكواليس شريطة أن ألا تكون لأمريكا نوايا سيئة تجاه القيادة السعودية وألا تتبنى مواقف وسياسيات يهدد استقرار المملكة، وبناء الثقة بالآخر من أهم ارهاصات التدمير الذاتي حيث يجب على النظام السعودي الشروع في تنفيذها ضمن استراتيجية عشرية تعالج التوقعات الكارثية وتتبنى سياسة الاعتماد على الذات، وتؤسس لثقافة النفس الطويل واستراتيجية العمق. وهذا يحتاج إلى أن تدرك القيادة السعودية أهمية ما يجب أن يكون ومعالجة ما هو كائن ليس من الذكاء سرد ذلك في مقالات مكتوبة؛ فالاستراتيجية المكشوفة تصبح مقالة صحفية لأن مفهوم الاستراتيجية أكبر من أن يكون مجرد إشارات تعبيرية.

وتتعارض السعودية مع سياسة اليمين الـأمريكي وخصوصا اللوبي المتطرف؛ وفي المقابل تتبنى دعوات أخرى الجرب على إيران مما يعني وجود سياستين مختلفتين في أولوية التقديم والتأخير مع اتفاقهما في الكليات. أحدهما يتبنى إضعاف إيران ونفوذها القومي المبني على الثقافة الشيعية والثقافة التاريخية الفارسية والثاني يتبنى تدمير السعودية باعتبارها مركز القطب الإسلامي التاريخي والعالمي وأيضا فصلها عن التنظيمات الإسلامية وخصوصا الإخوانية والثورية وذلك أن ارتباطها بهذه التنظيمات سيجعلها على غرار القوة الإيرانية في المنطقة إلا أن الإخوان في الحقيقة تنظيمات تستغل إمكانيات سلطة دولتها وليس لديه تنظيمات مستقلة على غرر التنظيمات المرتبطة بالشيعة.

وعلى كل فإن الصراع بين الطرفين سيصب في مصلحة القطبية الأحادية مما يعني تحطيم الصخرتين بقوى بعضهما وليس هذا فحسب بل واستغلال السيولة النقدية بإخضاع إيران لشروط الهزيمة وشروط الحماية الأمريكية لدول الخليج إلى جانب تحييد روسيا أو إطالة أمد الصراع والتفكيك ما لم تستعجل إيران في مواجهة مباشرة وهي بذلك تستخدم الشرعية الأمريكية دوليا وأرى أن إيران لا تحاول التسريع بالحرب إلا عبر منظماتها أو خارج دائرة سلطانها دولتها، وهو سيجعل سيدفع أمريكا إلى استراتيجية النفس الطويل وإضعاف البنية الاقتصادية لإيران والذي سيترتب عليها  تفعيل دبلوماسية الثورة الشعبية والحقوق لتغيير النظام من داخله وتفكيك قوى النفوذ الفاعلة في السلطة والتي ستزول بعد تدمير مؤسسة دولة الفقيه الحاكمة والمرجعية السياسية والشعبية في الدولة.

ومن الذين يتبنون فكرة التقارب السني الغربي لمواجهة النفوذ الفارسي الباحث “ماك” والذي أشار إلى  استراتيجية الاعتماد المتبادل والمصالح المتبادلة بين دول الخليج و دول الإنتاج وذلك بدعم إقليم بلوشستان والدفاع عن الوحدة اليمنية ودعم الشرعية حتى لا يتعرض باب المندب للإغلاق وتهديد ملاحة البحر الأحمر، وهذا سيعتمد على تكريس استراتيجية الحوار بين دول المجلس من جهة وأمريكا وحلفائها الأوربيين من جهة أخرى من أجل تطوير القوات العسكرية المشتركة بين الجانبين لحفظ الامن ورفع مستوى الجاهزية للمواجهة التحديات الأمنية والاستفادة من تجربة الغزو العراقي. وقد هيئا التقارب الإيراني مع الهند لأمريكا الدخول معهما في علاقة نفعية، تتقارب أحيانا وتتباعد أحيانا أخرى. لا سيما وقد تقاربت وجهات النظر في منطقة أواسط أسيا والشرق الأوسط، لا سيما وأن علاقة إيران والعراق بالهند ذو أبعاد عرقية وحضارية وعقائدية وتاريخية.

ولهذا فإن أمريكا تعتبر أكثر الدول المسيطرة على المجال الحيوي لشبه الجزيرة من جهة الشرق والجنوب والغرب وكانت قد أدخلت إيران في الشراكة الاستراتيجية ابتداء بغض الطرف عن سيطرتها (الأحواز) رغم مخالفته لأحد معايير النظام الدولي، وقرار ويلسون الدولي في حق تقرير المصير. وتجاهل احتلال إيران لجزر الخليج الثلاث مع كونه يخالف قواعد الحدود الدولية في البحار، وساندتها في حربها مع العراق في على شاطئ البصرة، وفي المقابل دعمت إيران الخمينية القوى الدولية لاحتلال العراق والشام بمشاركة كل من مصر والخليج، في الوقت الذي أهمل العرب قضية الصومال والقرن الأفريقي الذي أصبح مركز للعديد من القواعد الأجنبية والتي منها ضرب العمق العراقي، واحتوت اليمن وسيطرت على جميع منافذه الملاحية والاستراتيجية.

وسيطرت القوى الدولية والإقليمية حاليا على  جميع المجالات الحيوية التي كانت متنفس للجزيرة العربية وتحولت من دول مستقرة إلى  مناطق صراع حضاري ملتهبة شمالا وشرقا وجنوبا، إضافة إلى انتشار القواعد البحرية في المحيط الهندي، والبحر الأحمر، والقواعد العسكرية في الخليج، والعراق والشام، وتركيا، وآسيا الوسطى، والبحر المتوسط والمحيط الهادي، وتهدف هذا القواعد في الفكر الجيوسياسي الغربي إلى: فصل العالم العربي عن العالم الإسلامي. وفصل تركيا عن شبه الجزيرة وآسيا الوسطى. وفصل باكستان عن آسيا الوسطى والمحيط الهندي. فصل الشام عن شبه الجزيرة العربية وهذه عن القرن الأفريقي.  ومصر والعراق، تفكيك اليمن وفصله عن السعودية والخليج وفصل هذه عن السعودية وإلغاء فكرة التحالف العربي، فصل منطقة الحجاز عن المنطقة الشرقية ومنطقة نجد، وإضعاف إيران وفصلها عن القوقاز وآسيا الوسطى ومنطقة العراق والشام. تقسيم العراق، وفصل النفط عن النفوذ السياسي والعشائري لا سيما وأن النفقات الأمريكية العسكرية تكاد تستنزف ثروات النفط في منطقة الخليج والعراق، وأهم أهداف الاستراتيجية الغربية مواجهة الأصولية الإسلامية من مناطق التماس واجتثاثها من العمق لا سيما بعد تمركز القواعد العسكرية في منطقة الخليج وجنوب الجزيرة وبحارها واكتشافها جزيرة العرب المجهولة بواسطة التكنولوجيا والتحالفات العسكرية وسيطرة النخب الغربية على أنظمة التسليح العسكرية وقرارتها، وانتشار العمالة، وسيطرة النخب الوافدة على الاقتصاد وإدارتهم للمراكز الثقافية والإعلامية، والجامعات والمراكز البحثية، ومن خلال دور العبادة والتنظيمات المدنية، وقد تطورت معالم الاستراتيجية الدولية لتغيير الأصولية السلفية من خلال:

  • دعم الصوفية كنموذج بديل عن السلفية والإسلام السياسي وفرضها على النظم السياسية العربية، ودعم الشيعة لمواجهة النفوذ السلفي
  • أضعاف النظم السياسية بالديمقراطية والمعارضة، وتوسيع الفجوة بين الإسلام السياسي والسلفية العلمية، والحركات الجهادية، والسلفية الجديدة، والصوفية السياسية الجديدة.
  • اختراق المجتمعات المحافظة بتوسيع الفجوة بين النظم، والمعارضة، والطوائف و بعضها، والشعب والبطالة، والمرأة والتحرر، وتوسيع الفجوة الطبقية والإثنية والعرقية والطائفية.
  • دعم الإثنيات والجهويات والطوائف؛ لاستنزاف موارد النفط، والموارد البشرية، وإضعاف قوة الدولة والمقاومة.
  • تمكين الشيعة وطوائفها والإثنيات من تشكيل كيانات جغرافية إثنية مستقلة ومتعارضة وفصل المركز العربي في العراق عن مراكز فارس الأصولية، وإعاقة استقلال الإثنيات في دولة واحدة قوية كتلك التي يطمح لها أكراد تركيا وفارس وإيران والعراق وأذربيجان.

وتبقي الدول الكبرى بعضها ضمن دائرة الدولة لاستغلال تبعية الدولة للخارج كالقومية الأمازيغية، واستغلالها للصراع بين دولتين، ومنع وحدة الامازيغ قوميا، وقد يكون في بعضها دعم الاستقلال كما في جنوب السودان ودارفور، وكل هذه الأزمات منشأها تعارض الإرادات بين الفرد والمجتمع والسلطة؛ فالسلطة تريد من الفرد الخدمة والطاعة؛ بينما يريد الفرد منها أن تكون في خدمته، مما عطل التفاعل الحيوي بينهما، وأعاق التطور الاجتماعي والعلاقات الإنسانية، مع أن الإنسان عند نيكسون يمتلك الحلول وبيده القدرة على معالجتها وهو ذاته سبب للأزمات وتعقيدها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.