الشرق الأوسط الجديد واستراتيجيات القوى الدولية الحضارية

0 6

د. جمال الهاشمي.

رئيس مركز الإصباح للتعليم والدراسات الحضارية والاستراتيجية

تتمدد إسرائيل في مناطق الأحزمة والأطراف وهي تلك المناطق الجيوعسكرية شديدة الحساسية والعمق في الاستراتيجيات الحربية التاريخية والدولية حيث تشمل كل من سيناء، الجولان، والقرن الأفريقي وجزر البحار المحيطة بشبه الجزيرة العربية حرسها الله  من الشرق والغرب والجنوب إضافة إلى احتواء  لبنان، وطموحها الاقتصادي في منطقة الخليج، كما أنها تعتبر من القوى الدولية الملاحية في مياه البحر الأحمر الذي كان خلال العصر الأموي بحيرة إسلامية مغلقة وكان ذو أهمية جيواستراتيجية بحرية جعلت من دولة بني أمية أول دولة استراتيجية ثقافية وعسكرية وتعتبر امتدادا للفكر العمري الراشد.

كما تتواجد القوى الإسرائيلية  البحرية في المحيط الهندي ولها قواعدها الاستراتيجية في كل مناطق دول القرن الأفريقي بما فيها الدولة الحديثة في جنوب السودان، حيث تتنافس مع إيران عسكريا بينما تتنافس مع تركيا اقتصاديا، ومن خلفها تتواجد القواعد العسكرية الأمريكية أكبر حلفاءها الاستراتيجيين والعقائديين في المنطقة والتي تتمدد على خارطة قوس الأزمات الإسلامي الملتهب بالصراعات العرقية والطائفية، بينما نجد النفوذ الروسي يساوم بسوريا كخيار استراتيجي لمواجهة الحضور الأمريكي في منطقة أوروبا الشرقية ولتعويض خروجه من العراق وليبيا لصالح الوجود الأمريكي ونفوذه مما يجعل من روسيا أكثر تمسكا بسوريا لضمان بقاءها في منطقة الشرق الأوسط ومن ثم اتخاذها من طرسوس قاعدة جديدة للتوسع القادم.

كما تتواجد كل من الصين، الهند، اليابان، وبعض دول أوروبا؛ في مناطق مختلفة لا سيما في البحار الدولية والإقليمية المحيطة بالمنطقة، وهذه المؤشرات تشير إلى ظهور  فاعلين جدد داخل منطقة الشرق العربي مما قد يحولها إلى حروب حضارية- وفقا للاستراتيجية الثانية التي أشار إليها هنتجتون في كتابه صراع الحضارات -مما يعني اخراجها عن صبغتها السياسية، وتضمينها في المناطق الجيبوليتيكة بين القوى المنافسة تحديدا منطقة الهلال والخليج والجزيرة، العربية وحتى أفريقيا كمناطق ارتطام يجعلها ضمن محاور الصراع الدولي الذي يعمل على إعادة ربط أوروبا بأمريكا عبر ابتعاث روسيا والصين كقوى إقليمية تهدد المصالح الغربية في منطقة الشرق الأوسط.

وأن وجود الصين في مناطق الملاحة العربية والشرق الأوسط يصنف كأحد الأهداف الساعية لفك استراتيجية الاحتواء الأمريكي في منطقة الشرق الأقصى وتمدد قواعده في كل من تايلاند واليابان وحلفاءه في دول شرق آسيا وبعض جزر المحيط الهادي.

لهذا تبدأ سياسة أثننة الشرق الأوسط من خلال صراعات داخلية محلية مدعومة خارجيا، وقد يتخللها حروب حضارية مباشرة تحت إطار استراتيجية العقدين القادمين الموضوعة لتقسيم خارطة الشرق الأوسط على أسس إثنية تهدد القوى الإقليمية الكبرى بنفس خيوط التقسيم لدولة العراق.

وستبدأ استراتيجية التفكيك للقوى الكبرى (إيران، تركيا، السعودية، مصر) بإنهاكها أمنيا ومجتمعيا وتدمير بنيتها الاقتصادية في صراعات عبثية طويلة المدى تؤدي الى استنزاف الثروات وخلق ثقافة التوحش بين المجتمع والفرد من جهة والسلطة الحاكمة وعسكرها من جهة ثانية، كما ستؤدي الى خلق سعار سلطوي بين قوى النفوذ المحلية الإثنية والجهوية والحزبية والثقافية والطائفية والدينية.

وستكون إيران ذات التمدد الطائفي من أبرز الضحايا في المنطقة وقد تلحقها تركيا، ومصر ثم السعودية ذات الهدف الاستراتيجي، أما باكستان المتذبذبة فقصتها محسومة بوجود الهند إضافة إلى أزماتها الاقتصادية وتعدد إثنياتها ومعتقداتها الدينية؛ فالتاريخ الذي كان يعمل باتجاه عقارب الساعة وصولا إلى نهاية أيدلوجيا التاريخ القومي عند منظري الزمنية، بدأ اليوم يعمل عكس اتجاه عقاربها عند منظري الأصولية، وقضية فلسطين التي كانت محل إثارة قومية، أصبحت اليوم من أهم قضايا التباين والصراع بين القوى التي تتبنى القيم الإسلامية.

ويبدو أن هناك مذاهب شتى بين الدول الإسلامية ذات المشاريع الإقليمية لقوى العالم الإسلام فلكل منها رؤية مستقلة؛ أعيدت ثقافة النزعة القومية وابتعاث العمق القومي بمنظورات إسلامية مختلفة متصارعة ومتعارضة وغير متوافقة أو منسجمة أو متكاملة حول معنى الأمن العام لجيوسياسي الإسلام أو جيولوجيا العالم العربي. وذلك بسبب النزعة القطرية وثقافة أنا الوحيد من يستحق البقاء وثقافة البراجماتية الطاغية على العلاقات العربية – العربية وارتباط الدول باسم الإسلام في خلق ثقافة الخوارج لزعزعة استقرار النظم العربية القائمة وتدمير بنيتها الاقتصادية على غرار بقية الدول التي تحررت من نظمها بفوضوية مدمرة للنسيج العائلي والاجتماعي والقيم الاجتماعية العامة.

أيضا تبني الدول الإقليمية ابتعاث حضاراتها القومية بقوالب إسلامية طائفية مختلفة، حيث تتجه باكستان نحو عمقها الأسيوي الذي يحركها جيبولتيكيا نحو البنجاب وكشمير. أما تركيا فتتوجه نحو عمقها الجيوسياسي باتجاه منطقة الشرق الأوسط وأطرافها في آسيا الوسطى. وتتحرك إيران نحو عمقها المتغلغل باتجاه القوقاز وآسيا الوسطى وأطرافها في منطقة الشرق الأدنى. بينما تحاول أثيوبيا استعادة عمقها في السودان الممزق ومصر وأطرافها في منطقة القرن الأفريقي باتجاه صنعاء، ثم دولة الكيان اليهودي ومحاولته توسيع عمقه بالسيطرة على سوريا الكبرى وعمقها في العراق وأطرافها الأمنية في آسيا الوسطى كما تتجه نحو منطقة الحجاز وصنعاء وفقا لاستراتيجية الأسفار المقدسة.

ودوليا تتجه الحضارة السنسكريتية نحو المشرق العربي باتجاه النيل ومكة انطلاقا من أصولياتها التاريخية، ويساعدها في ترجمة أفعالها وجود العمالة الهندية التي هي من أقوى الجاليات العالمية في المنطقة، ولها امتداد عرقي تاريخي مسيطر على رأس المال في مناطق أطراف الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي؛ والبعض منها ذات أصول شيعية وأخرى هندوسية، وترتبط ارتباطا مهديا بالعقيدة البرهمية.

وتحاول الصين ابتعاث الارتباطات الثقافية القديمة مع منطقة الشرق العربي وفيها بعض الجاليات التي يعود بعضها إلى المشرق العربي ولها ميراث حضاري في المنطقة منذ مئات السنين لا سيما توظيفها لتركستان الشرقية كأحد وسائل الاتصال بالمشرق وتتبنى نموذجا إسلاميا جديدا لمنطقة شرق آسيا وتعمل على تدويله عالميا على غرار الإسلام الأوربي التي يهندس له أئمة المساجد الذين يسيطرون على الأقليات الإسلامية المهاجرة كنموذج عالمي يصنع الإسلام المتطرف بسبب التناقض القائم بين الثقافة الإسلامية وقيم الحضارية الأوربية، وبين الهوية الأصلية لدولة الأم والهوية الفرنسية المكتسبة، وبين رفاهية أوروبا ومتاعها واستبدادية النظم العرببة، وقد أدت تلك التناقضات إلى سقوط القيم العربية والإسلامية داخل المجتمعات الأوربية نتيجة لارتباطها بالقيم المادية البحتة وبسبب الأمية  الدينية وانتحال الأئمة من تخصصات مختلفة لثقافة المشيخة، إضافة الى التنافس والصراع بين هولاء الأمة بسبب الجهل الحاصل لخطبائها وافتقارهم للأصول العلمية.

ولهذا تؤسس المساجد التي شهدتها على ثقافة التعصب والشدة والحيلة وتشهد التجربة المعاصرة أن أكثر ثقافات الأقليات في بلدان أوروبا مبني على ثقافة الجهاد واستغلال العاطفة الدينية ويغلب عليها الطابع السياسي والتحيز الطائفي أو الخوض في نقاشات فلسفية وأراء غير مبنية على أدلة علمية والبعض قد يكون سطحيا يتقمص ثقافة التهويل والتهبيل ومنهم من يخوض في مسائل عقلية جدلية لا تفهمها العامة، مما خلق نموذجا للفرد المسلم في أوروبا بثقافة لصوصية وفوبيا مضطربة وشقاق دائم بين أفراد الجماعات بل وبين فريق العمل الجماعي في المسجد الواحد.

وترتبط روسيا بالشرق الأوسط ارتباطا أصوليا أرثوذكسيا وتمتد حتى مصر والحبشة، وترى أن دول آسيا الوسطى، القوقاز، إيران ضمن أحزمتها الأمنية، ومناطق سيادية بالنسبة لمركزيتها الحضارية، وأن الشام، والعراق والخليج من أهم مجالاتها الحيوية الجيبوليتيكة. بينما تؤكد دول الاتحاد الأوربي ارتباط الغرب بالجغرافيا المقدسة، ومدينة الألفية وأن دول شرق أوروبا، وتركيا والمغرب العربي يكونون جغرافيا ضمن أحزمتها الأمنية والسياسية؛ وأن الشرق الأوسط من أهم مجالاتها الحيوية تارة، وضمن أحزمتها تارة أخرى.

وفي المقابل تتمدد الصين في المحيط الهادي وتتربع قواعدها على جغرافيته البرية والهند الصينية في ثقافة جديدة لإحياء مبدأ التمدد العضوي للدولة التي وضعت أول خطواتها التنفيذية على القاعدة الاقتصادية، ولها قواعدها العسكرية في باكستان؛ مما يُدخل المنطقة ضمن أحزمته الأمنية بحيث تكون منطقة الخليج من أهم مجالاته الحيوية للطاقة إلى جانب آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز. وتأتي الهند لتؤكد أن أحزمتها الأمنية التاريخية تبدأ من الهند الصينية وحتى الخليج العربي ودول المحيط الهندي باتجاه قلب الجزيرة العربية.

بينما تتجه دول منطقة العالم الإسلامي والدول العربية نحو صراع الداخل دون وضع برامج إصلاحية فعلية مبنية على دراسة علمية وفريق علمي متميز من أبناء المنطقة نفسها ووفقا معايير علمية أكاديمية، ولهذا نأمل أن تتشكل هذه النخبة العلمية الأكاديمية وفق ارتباط فعلي متعلق ببقاء ما استبقي من دول قائمة والحفاظ عليها وتغليب المصلحة على الفوضى والتكامل على الشقاق والتعاون مع السلطة على معارضتها ومن ثم العمل على اصلاح ما أفسدته الثورات العربية على مستوى الاقتصاد والتعليم والأخلاق والتدين والثقافة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.