السياسة علم أم فن ؟

0 5

د جمال الهاشمي

يرى الغربيون أن السياسة فن الممكن وقد جعلوا المصلحة القومية هي المعيار الثابت التي تتحكم في السياسات الدولية والقاعدة السياسية الغربية تقول: ليس هناك مبادئ ثابتة وإنما هي مصالح دائمة، وبعد استقراء التجربة السياسة الغربية على امتداد الثلاثة قرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين سيجد هذا المعيار هو الثابت الذي أوجده أول انحراف عن السياقات الدينية التي كان معمولا بها في خلال الحروب الإسلامية البيزنطية، وواقعنا لمن يرى التاريخ متجددا أو يعيد ذاته هو الوليد الشرعي للحروب الصليبية..  هذا على مستوى العلاقات الدولية.

أما العلاقات المحلية الغربية فهي وليدة الدولة الاندلسية العربية من حيث التجسيد لأنها التصور الفعلي القريب والمحسوس لمفهوم بناء الدولة الحديثة، ووليدة المثالية الأفلاطونية من منظور الفلسفة النظرية وعقلانية الفلسفة التشريعية القانونية للرومان وعبر هذه السياقات العقلانية تولدت المقاربات الأمنية من أجل بناء سياقات الدولة العقلانية وحفظها من التدخلات الخارجية.  

على العكس من ذلك تولدت الدول العربية خلال هذه القرون عبر سياقات مختلفة عن تاريخها الحضاري وعملت على تشكيلها الثقافة الصليبية التي عبر الملامسة حولتها من دولة حضارية إلى دولة أمنية نظرا للخيانات الداخلية وطموح الحكم والصراع على السلطة، وهو الموروث الثقافي الذي كان سائدا لدى الإمارات الغربية المتحدة تحت شعار الحروب الصليبية.

دعونا نفسر الانسياب الثقافي خلال تلك الفترة هل بدأ التحديث الثقافي خلال فترات الصليبية فأحدثت تبادلا قيميا وأخلاقيا عبر أسنة السيوف.. يقول البعض بهذا المنعطف، وهو مصطلح ديني، تأطر ليكون مصطلحا سياسيا متدينا.. ومن ثم بدأت فلسفة المفاهيم تتقعر البحوث العلمية وتتعمق الثقافة الشعبية والقومية وصارت دستورا ماركسيا لكثير من دول العالم العربي، فالتاريخ يتجدد أو يجدد ذاته من المفاهيم القدرية لأن التاريخ وعاء في الأصل لا يتجدد ذاتيا إذ هو متغير تابع وليس مستقل بذاته.

بدأت مرحلة الفصل بين القيم الحضارية العربية العالمية عبر تحولات الثقافة السياسية، وهي الثقافة التي امتلكت قوة الفعل السياسي، وانتجت هذه قوة الفعل السياسي المعارض ومن ثم نشأ الصدام بين السلطة والشعب وكانت البيئات المناسبة لنشوء ذلك “التعليم الذي أوجد الظاهرة التعليمية وهي صورة مهذبة للجهل، والأخلاق الذي انتجت الفنون وهي صورة مهذبة للرذيلة، والمادية التي ابرزت فنون التسوق، وهي صورة مهذبة للغش والحيل والشطارة ومفهوم البنوك الإسلامية الربوية.

كل هذه القيم المادية الإمبريالية الخفية وجدت لها تشريعات قانونية، وجعلتها الدولة من صور التنمية.. ومن صور الاقتصاد.. فالدولة القائمة على السياحة والبورصات وأسواق الترانزيت دون استدراكات العقل التنموي المتنوع أصيبت بأزمات اقتصادية حادة وليست قادرة على إكفاء شعبها من حبوب القمح، وبما أنها دولة إلا أنها تستجدي المساعدات الدولية، وبهذه الوقفة تفقد الدولة والنظام الشرعية والمشروعية لأن الأصل في التنمية أن تكون منظمة من الداخل وليست معتمدة على الخارج وخصوصا فيما يتعلق بالضروريات الدائمة.

عندما خاضت روسيا سلسلة من الحروب الجغرافية بعيدة المدى كانت لها ثلاث إدارات متوازنة وفق برامج علمية شمولية وفقا لمنهجية الدولة الشمولية:

الأولى: الإدارة العسكرية وتنفذ الخطط والاستراتيجيات الحربية وفقا للمبدأ والرؤية السياسية وليس بعيدا عنها وهنا يجب التركيز بصورة رئيسية على أهمية الدور السياسي.. وهو الذي طبقته روسيا وهي تحارب المجتمع الدولي العالمي الإسلامي والنصرانية الغربية.

الثانية الإدارة التنموية: وتنفذ الخطط الاقتصادية برؤيتها الشمولية من منظور الفعل السياسي في إدارة التنمية وحفظ التوازن والتماسك الاجتماعي كأهم عامل استراتيجي لحفظ الأمن القومي والقوة الفعلية لاستمرار الحروب

الثالثة: الإدارة الثقافية: وتنفذ القيم الأيدلوجية في مساراتها الحربية والتنموية والاجتماعية وغيرها من المعايير التأسيسية لمفهوم العمق الحضاري..

كل هذه الثلاثيات الرئيسية تجسد مفهوم الإدارة السياسية.. وهذه مفهوم ثابت متطور وغير متغير. أما الذهنية السياسية فهي من المتغيرات المستمرة التي تتلاءم مع متغيرات الواقع.. والعلاقة بين هذين المفهومين علاقة أصل بفرع ونظرا للأزمة المنهجية في حقل العلوم السياسية في الجامعات العربية حدث توائم بينهما وربما اعتمد الفرع وألغي الأصل فأدى إلى تعدد وتولد الأزمات السياسية والتنموية والاجتماعية في البلاد العربية..

أوجدت الحروب الصليبية بعد سقوط علم السياسة العربية الفنون العسكرية وعنها تولد مفهوم أن السياسة فن الممكن، وتأصل في الثقافة السياسية والشعبية، ومن ثم تأصل مفهوم الشطارة في نظريات السوق وحرية التجارة والعولمة الاقتصادية، وهو المفهوم المرذول في الثقافة العربية الجاهلية والذي كان يطلق على قطاع الطرق والغششة والحيل وقد كتب ابن تيمية وغيره من علماء الإسلام عن علم الحيل وحدد مداخله وذرائعه الفقهية عبر قواعد فقهية تتناقض مع الأصول الإسلامية الثابتة.

فن الممكن في علم السياسة وهو العلم الذي استطاعت الدول ممارسته على شعوبها لكنها وقعت ضحية فن الممكن الغربي لأنه مفهوما دوليا. أما في واقعنا فهو مفهوم محلي صراعي جدلي تدميري ومن فروعه علم الاقتصاد الحربي، والتجنيد الإعلامي، والحزبي والطائفي. ومن ثم أصبحت الوسيلة مستقلة عن المقصد وتبريرها بمفاهيم الأسلمة من الحكمة السياسية أو السياسة الشرعية أو الطرق الحكمية وهذا كله يتنافى مع موروثنا الحضاري. وقد ظهر مع الدولة القومية العربية مبدأ غربيا جديدا نقلوه عن ميكافللي “الغاية تبرر الوسيلة” لهذا النظم الحزبية والسياسية تتعامل مع هذه الموروث الثقافي.. فالتحالفات العربية مؤقتة ومصلحية وترتبط بمصالح مؤقتة وغير استراتيجية ومتقلبة ومن أراد الاستيضاح أكثر فعليه بمنهجية الاستقراء في تتبع الحربين الخليجيتين والثورات العربية الربيعية وتغير الولاءات الحزبية والطائفية… كل هذه السياقات الثقافية الموروثة أوجدت اضطرابا في القرارات السياسية لا سيما وأن لهذه المتغيرات العربية المحلية أبعاد خارجية حاكمة ومسيرة لتوجهاتها.

السياسة العملية لا تعني الانتصار المطلق ولا السيطرة المطلقة فذلك من السياسات القبلية التي أوجدت لنا شخصيات فردية مريضة ترى أن رفع الصوت والخروج على النظم السياسية من الفتوات الأخلاقية، ونجد الصحافة العربية توسع الفتنة البسوسية بدلا من السياسات الإصلاحية وأصبح فنون العلم شهرة وليس علما ومصلحة. لأن العلم قرين المصلحة والفعل فإن فارق العلم شقه الثاني في التطبيق أصبح سفسطة..

الفتوة المعاصرة مذهب التافهين وليس فيه للعقلاء مذهبا .. والعلة أن تتحول السياسة إلى صحافة وضمن حقول تدريسية جامعية فذلك من الأزمات المنهجية الفعلية

دعونا لنقرأ سياقات التأثير الإعلامي على علم السياسية وعند المقارنة يجب التمييز بين علم السياسة وحقولها وبين الصحافة والإعلام كأسلوب تغذية ثقافية وتعبئة شعبية باعتباره الصورة الانعكاسية لعلم السياسة. أما أن يتغذى علم السياسة من الصحافة ويستقي النهر من الجدول فذلك أزمة في المنهج والسياسات الإدارية.

فمن الأزمات الظاهرة أن كثيرا من الكتب المتخصصة بعلم الاجتماع والسياسة التي كتبها علماء من الغرب قبل عقود، ثم يروج لها في الصحافة على أنها من علوم النبوات فيتلقفها الساسة والأكاديميون المتخصصون في هذا العقل ويتناولونها كعلم فذلك من الأزمات الحضارية التي تعاني منها الأمة العربية.

وخلال تتبعنا لكثير من المؤلفات الغربية التي نؤمن بأنها من علوم التجربة الناجحة ليس لأن العقل الغربي يتميز بفطنة تتفوق على العقول العربية وإنما لعدة أسباب تميزهم في صناعة المعارف المنهجية القادرة على التعاطي مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ..

  • التخصص العلمي من مدخل القيم الحضارية، وهذا من أهم مميزات الباحث الغربي.
  • العمق البحثي من مدخل الوظيفة المؤسسية، وهو ما يمنح الباحث حق الإطلاع على الإجراءات التي تمكنه من التنبؤ بحال المؤسسة الحضارية أو الدولة وتبيين مثالبها وهفواتها ويتوقع انهيارها من مدخل القيم الحضارية وبعد عقدين أو ثلاثة تكون الدولة قد أعادت تصحيح ذاتها من خلال النقد المنهجي للباحث المسؤول ويتم نشر الكتاب بعد تصحيحات تناسب العقلية الاجتماعية ليتحول إلى ثقافة شعبية تؤسس لثقافة التكامل وتحذر من انهيار الدولة. ثم يتلقفه العالم الثالث نقدا وأمنيات وتوقعات ويبنوا عليه البناءات المفلسة والسيناريوهات المنحولة بعضها من بعض، في أكبر معوق أصاب الذهنية العربية المعاصرة.
  • العمق الاجتماعي: عندما يتقدم عالم اجتماع بدراسة حول قياسات الرأي حول الانتخابات ينطلق لبناء توقعاته من عدة معايير علمية واقتراحات منهجية تجريبية ويتم قياس الرأي قبل إعلان الانتخابات وذلك من خلال تتبع العوامل الداعمة لذلك ولديه من البيانات المفتوحة التي تؤهله لبناء توقعاته الدقيقة والقريبة منها وهذا موضوع مستقل ليس هنا مجال ذكره.

وتعتبر هذه العناصر الثلاثة من أهم مؤشرات العمق السياسي المؤسسي للدول الحضارية المعاصرة.

أما الباحث العربي فهو صدى الآخر لا ينقل إلا ما نقله وكتبه الغرب وفي أكثر الحالات استقلالية يتحول إلى فلسفة جدلية كالردود التي تلقاها كتاب صدام الحضارات ونهاية التاريخ وجندت لأجلهما أطروحات ومقالات وندوات كلها انصبت لخدمة الكتاب مع العلم أن الفرق بين ترجمة الكتاب الى العربية واصداره باللغة الإنجليزية ما يقارب العقدين. أما الفارق الزمني بين اصدار الكتاب وكتابته فهو موضوع آخر.. إذ أن من السياسات الغربية ألا تنشر بحثا يتعلق بسياساتها الدولية وحضارتها واقتصادها إلا بعد أن يتم تحويله إلى قرارات وتصحيحات مؤسسية ومن ثم يبقى الكتاب قيمة منهجية وثقافية.

ويمكن التمييز بين فكرة الأمن المعلوماتي الغربي والأمن المعلوماتي العربي إذ يتميز الأول بعملية التدوير بينما يتميز الثاني بالصمت والتقية والكتمان .. ومن هنا يجب معرفة منهجية التدوير كآلية أمنية للمعلومات وهو الذي به يحفظ الأمن القومي وهذا إجراء مؤسسي عميق في بنية الدول الحضارية.

أما الأمن المعلوماتي العربي فهي أزمة ثقة وخوف وخارق لأنظمة القانون ومن أهم بواعث الأزمات المحلية لأن الأزمة في المعلومات ليس في حفظها وإنما في كيفية تدويرها ولا يكون التدوير إلا من خلال العقلانية والقيم المؤسسية وليس في هياكلها.

لهذا فإن أكثر الدول انكشافا معلوماتيا واستخباراتيا هي الدول العربية، بينما توصل الغرب الى صناعة أجهزة قياس الكذب، وهذا القياسات بنيت عبر معامل علم النفس وعلم الاجتماع كعلمين أساسين لخدمة النظام والقانون والأمن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.