السعودية بين طموحات التنمية وتحديات المخاطر الأمنية

0 9

السعودية بين طموحات التنمية والتحديات الإقليمية

د. جمال الهاشمي

تعد دبي نموذجا للحداثة الغربية في العالم العربي، وقد نشأت في فترات ناعمة كان العالم مستقرا  أو كانت الأزمات تحيط بها ولكنها لم تكن جزءا منها، ولأجل ذلك نشأ هذا النموذج واستقر فيه أثرياء العالم، وقد كانت الكثافة السكانية والقدرة المادية لسكان الشرق الأوسط من أهم عوامل نجاح هذا النموذج، إضافة إلى القدرة الأمنية المتكفية مع القدرات النفطية والمساحة الجغرافية.

إلا أن السعودية بقدر ما تمتلك من الإمكانيات والمقومات والطموحات  تحيط بها الكثير من المخاطر الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية، وهي أكثر حضورا وتواجدا في الأزمات الإقليمية المحيطة بالدولة، بل هي واحدة من أهم أطرافها الرئيسيين والمحوريين وتعد قطبا إقليميا، إضافة إلى التحولات والتحديات والمتغيرات الدولية التي يشهدها العالم، والسعودية مع كونها عنصرا محوريا في أزمات الشرق الأوسط  وواحدة من أهم اللاعبيين الدوليين.

وتعمل السعودية حاليا على دائرتين أساسيتين؛ وهما من أهم الدوائر الأمنية اللتان يمثلان مقدمة من مقدمات ضمان التنمية واستمرارها، حيث تتجه الدائرة الأولى راسيا من خلال استحضار وجودها في اللعبة الدولية التي توجت بزيارة بايدن للسعودية.

ومجرد الزيارة سواء كانت دبلوماسية أو استخباراتية أو إكراهية فقد ساعدت المتغيرات الدولية على إكراه الرئيس الأمريكي واجباره على الزيارة والقبول بفروض الأمر الواقع ، ولا شك أن هذا التنازل لم يكن تكتيكيا وإنما كان مدروسا بحسب المتغيرات الدولية، وأشبه بزيارة هنري كسينجر للملك فيصل بن عبد العزيز وبنفس الأسباب لكن بمضامين ومتغيرات مختلفة.

تتشابه النفسية وقد تكون البيئة والعلاقات واحدة من أهم أسباب تكوين النفسية والعقلانية السياسية مع آخذ الاعتبار النظر في اختلاف التوجهات بين الملك فيصل والأمير محمد بن سلمان، فالنفسية العربية لها إرادة صلبة وتغامر في التحديات وتدفع المال ثمنا لهذه الكرامة وهذه الصفة العربية ما تزال من أهم محددات دراسة التوجهات السياسية لهذه الدول، وتعمل العادة والمبادئ والقيم على تشكيل هذه الصلابة العقلية العربية.

إن حكام الجزيرة العربية لهم خصوصية مختلفة في العالم، فالكرم لديهم طبيعة وجبلة والوفاء أصلا، ولذلك لا يقبلون المريب، ولا يخافون التحديات، ولا ينظرون للهزائم الإعلامية، ولأجل ذلك تشكلت الدائرة الثانية التي تتجه نحو العمق الوطني الشعبي، وهذا التوجه من أهم مقومات قوة الحكام الخليجين والسعودية خصوصا، ذلك أنه كلما ارتبط الحاكم بالقوة المجتمعية كانت قوته الأمنية المحلية أعمق، وهذا العمق واحد من أهم القدرات السياسية الفاعلة إقليميا ودوليا.

اتخذ الأمير محمد بن سلمان من النموذج الإمارتي واحدا من أهم النماذج الذي قد يهدد مركزية الإمارات في المنطقة، وهو أشبه بتحولات العالم نحو عالم متعدد القطبية إلا أن مقومات وإمكانيات السعودية ستجعلمن المنطقة قطبا عالميا ومركزا دوليا في حال دعمت هذه الرؤية بقدرات عقلانية سياسية، وتسعى السعودية في مشروع “نيوم” نحو مسابقة الزمن واستدراك ما فاتها من فرص كامنة.

قد يكون التسارع تحديا في حد ذاته نظرا لالتهاب الأزمات في الجنوب والشرق، وفي العمق أيضا أزمات كامنة تحركها الرمال الدولية والإقليمية إلا أن مقومات وجودها ما تزال تعمل في الوسط الاجتماعي، وكل هذه الأزمات لا تهدد التنمية والاستقرار في المملكة العربية السعودية وإنما تهدد استقرار المنطقة العربية برمتها، ويعد هذا من أكثر المخاطر تهديدا للمشاريع التنموية في المستقبل، ولضمان التنمية فإن لها ثلاث ضمانات رئيسية، إذا اختلت في واحدة منها،  بالضرورة تتأثر بها، وتتركز في البعد الأمني المجتمعي وأقصد بها العقلية المجتمعية ومدى قدرتها في التعامل مع الآخر، والقدرة الأمنية  وهذه تحتاج إلى تحالفات دولية ومحلية تضمن استقرار الأمن في المنطقة.

هذا على المستوى الإقليمي لاسثمار الحلول من خلال خلق نوافذ تواصل مدروسة مدعومة بضمانات دولية ، أو على المستوى الدولي باعادة اعتمال الصيغ السابقة القائمة التحالفات و التي ساهمت في استقرار المنطقة خلال الفترات الماضية، وكان من نتائجها ترك المنطقة مكشوفة بعد استلاب القدرات الأمنية للدول وابعادها عن ممارسة السيادة والاستقلال في القرارات إلا في إطار المركزية الدولية للقوى الحليفة.

ولكن هذه الأخيرة ليست دائمة،  بينما الحلول الجذرية واعادة نظرية الدولة القومية ونظرية الاعتماد المتبادل  على مستوى الإقليمي هي الأكثر ديمومة وهي من أهم المقاييس الاستراتيجية. أما الثالثة وهي تهيئت لها الظروف والسياقات الدولية والمحلية وتتركز على العقلانية الإدارية وهذه العقلانية ترتبط بمقومين: المقومات الإقليمية، ومقومات القدرات الذهنية.

وهنا تتشكل فرضية العلاقة المنهجية بين ثلاث متغيرات: الإمكانية  والتنمية والقدرة الاقتصادية، مع العلم أن المتغير الأول يندرج تحت مضامين الاستثمار، والتنمية تندرج ضمن العملية والقدرات التحديثية، بينما القدرات الاقتصادية هي الدائرة المتصلة التي تربط بين المكنة والتنمية وهنا تأتي عمليات التدوير.

يعد التدرج في الاستثمار وخصوصا مع ارتفاع المخاطر والتحديات الأمنية من أهم قيم المسؤولية، كما أن التمرحل في التنمية قد يساعد في عقلنة التنمية وإعادة تدويرها أو تحويلها نحو الواقع، ذلك أن التنمية شرط من واقعها وبيئتها وخصوصياتها التاريخية والثقافية، والتنمية في السعودية وفقا لطموحاتها ليست جزء من وطننتها، وإنما أيضا  تخضع لاشتراطات ومقومات الإقليمية والدولية، مما يجبرها على اتخاذ قرارات متوزانة بين خصوصياتها وبين الخصوصيات الأخرى، وهنا تأتي فلسفة الانفتاح، وليس الانفتاح التقليدي، والفرق بينهما في أن الأول تؤسس المنهجية، بينما الثاني يفرضه تقليد المغلوب للغالب بحسب النظرية الخلدونية وفرضياته التجريبية.

كما أن من أهم شروط التنمية تمكين القدرة المجتمعية، والتركيز بشكل رئيس على رفاهية المواطن لخلق نموذج وطني آن وقادر على نمذجة الثقافات المحلية والتقاليد التاريخية في أنساق وقيم حضارية يستسيغها الإنسان بمختلف خلفياته ومرجعياته، فليس كل التقاليد تتناسب مع  أذواق العالم، وإنما التقاليد الناعمة التي تتعمق في الوجدان الإنساني.

لا يخفى على العالم الغربي أن أنظمة الخليج العربي جز ء من إرادة وطموحات شعوبها، وأنهم أكثر انتماء للأصالة والمواطن الخليجي، وفي تنافسات تقدمية مع العالم المحيط والعالم، وما سعي الأمير محمد بن سلمان نحو  تأسيس مدينة تنقل الغرب الحضاري المادي إليها في إطار القيم والثقافة الحضارية المعتدلة، والانفاق المجتمعي على الأفراد والتعليم ودعم المشاريع المجتمعية إلا من دلائل الانتماء الوطني، وتبيئة التنمية في السعودية يعد من أهم التحديات والطموحات، والتي تتطلب ارادة مجتمعية داعمة ومتماهية ومنسجمة مع الإرادة السياسية، وهذا يعد من أهم مقومات النجاح في المشاريع التنموية.

وفي المقابل فإن من  أهم مخاطر الدائرة الأولى، تناقض القيم المحلية بين الليبرالية وتيارات الصحوة، ولهذه التناقضات أبعاد وحضورا في السياسة العالمية والدولية؛ إذ كانت الليبرالية السعودية في مرحلة الاستضعاف أمام تيارات الصحوة وكانت السياسة الدولية تتخذها مدخلا للدفاع عن حقوق الإنسان وصناعة التحديث في دول الخليج، لكنه وفي الآيام الأخيرة وصل الليبراليون إلى السلطة وأصبحوا من صناع القرار وفي المقابل انحسرت تيارات الصحوة، وأصبحت هذه التيارات المستضعفة واحدة من أهم ملفات التدخل الدولي لحقوق الإنسان والحريات في السعودية ودول الخليج.

هذه السياسات والتناقضات والتحولات  المجتمعية من أهم مستقطبات التدخلات الدولية، ولا شك أن هذا يعد من أهم التهديدات الكامنة، وهي من أهم السمات العربية التي تجعل من الانتماء شرطا من شروط الولاء، وهذا يحد من القدرة السياسية التي تعد ضمانا لحفظ واستمرار وبقاء القدرتين الاقتصادية والعسكرية، إذ تزاوج القدرة السياسية بين الإكراه والترغيب، والليونة والتأديب، ومن أهم أدواتها الرقابة والمحاسبة والتغيير، وهنا مجامع الحكمة، وأن من الحكم السياسية معرفة الذات معرفة حقيقية، ومعرفة الواقع على ما كان ويكون وسيكون عليه، ومعرفة الآخر معرفة فعلية، ليس من من خلال الصحف والتصريحات والتوجهات السياسية وإنما بمعرفة العمق. وهذه المعرفة لا تكون ذات قيمة ما لم تكن حكمة وقدرة وفعل.

فالتصريح ليس ذات أهمية ما لم يولد نتائج عكسية أو توافقية على المدى البعيد، لأن من سمات الخطاب السياسي أن يكون جزء من تصور المستقبل، وأن لا يكون له ارتباط  بالواقع، وهنا تأتي لغة التحليل السياسي .

أما الدائرة الثالثة وهي بين الدائرتين، وأسميها بالدائرة المحورية أو المتغير الوسيط بين الدائرة الدولية والدائرة المحلية، وهنا مكمن القدرة السياسية، وتعترضها أزمات متخللة، ويرجع   ضعف التعاطي مع هذه القدرة إلى ارتباط صناع القرار بالإعلام والجدليات اللاوعية والشعبوية، وهذا يصرف القادة عن تقدير المخاطر المستقبلية، وهو أشبه بالأساليب التي استخدمتها الدول العربية القومية في ترحيل الأزمات، وتهدئة الرأي العام واشغاله باهتمامات تخديرية تصرفه عن احتياجاته واهتماماته الرئيسية.

وهذا في نظر الفكر الغربي يخلق وجوها متعددة للسياسة العربية بمعنى عدم الثقة بها، وهو ما يؤدي إلى التعامل معها في إطار التكتيك الدؤوب دون أي مخططات استراتيجية، ذلك أن التخطيط الاستراتيجي يعني القدرة على تقدير المخاطر في  ضوء الاحتمالات  وعلى مستوياتها الزمنية المرتبطة بمساحاتها المكانية.

ولعل أكثر الأزمات التي تهدد استقرار التنمية في المنطقة العربية التطرف الفكري والتطرف العسكري والتطرف الاقتصادي، وهذه تتنوع بحسب مرجعايتها  إلى كامنة وملتهبة، إلا أن فشل مشروع الدولة في اليمن والعراق وسوريا، وضعفها في فلسطين والأردن وغيرها من أهم تحديات التنمية والاستقلال والسيادة في الحاضر والمستقبل وكلما طال أمد الحلول توسعت دوائر الأزمات أكثر، ونعزو أهم عقدها الإشكالية التي تزيد من تعقيداتها تداخل القيم المجتمعية مع القيم الاقتصادية والدينية.

ويعد الملف اليمني من أهم الملفات العميقة في المنطقة، كما أن ضعف الشرعية وعدم أهليتها للقدرة والقيادة والتأثير وصناعة الرأي من جهة وعدم قدرتها على وضع ملامح واقعية لمشروع الدولة اليمنية المستقبلية من جهة أخرى، واستبدادية المشروع الحوثي البيولوجي وعسكرته للمجتمعات وتجهيل المعرفة، إضافة إلى عسكرة المجتمعات تحت مشاريع النفوذ داخل الشرعية وخارجها  من جهة ثالثة يجعل من اليمن مهددا للتنمويات في منطقة الخليج العربي ومهددا لأمنه واستقراره وبؤرة خصبة للإرهاب التطرف الطائفي والدولي ، وقد تكون من ضمن استراتيجية دول الخليج فرض سباسة الاحتواء على اليمن إلا أنها في أفضل الحلول هذه سيجعل منها أداة من أدوات استتنزاف القدرات الاقتصادية والنفقات على الأمن والقدرات الدفاعية والأمن المجتمعي، وقد يؤدي الى فوضى مجتمعية، تزيد من معاناة الدول المأزومة ولن تسلم منها دول المحيط بما في ذلك تلك الدول البعيدة عن مناطق الأزمات، وإن كانت قد تغيبت نظرية الاعتماد المتبادل لدعم الاقتصاد ، فإني اقترح نظرية التأثير المتبادل في التعاطي مع الأزمات الدولية والاقليمية.

ويحتاج كل ملف من ملفات المتغير الوسيط (اليمن، سوريا، العراق) دراسات أكاديمية متعمقة أكثر من كونها مقالات صحفية أو مساحات جدلية، ذلك أن العمق المؤسسي لا يبنى لا عمق معرفي منهجي.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.