الدخول التربوي الجديد بالمغرب بين الالتزام المدرسي والتخوف من آثار جائحة كورونا

0 6

د. الحسن بنيعيش / أستاذ باحث ـ المملكة المغربية

           يكتسي الدخول التربوي لسنة: 2020/2021 طابعاً خاصّاً في ظل الظرفية الصحية التي يعرفها العالم ، والمغرب ضمنه، من انتشار فيروس كورونا المستجد على أوسع نطاق والفتك بعدد غفير  وحصد أرواح بالآلاف في مجموع القارات، الشيء الذي حدا بوزارة التربية الوطنية إلى إصدار بلاغ  22 غشت 2020 القاضي بإشراك الأسر في اتخاذ القرار التربوي الملائم  والحاسم لأبنائهم في ظل هذه الوضعية الاستثنائية، عبر تعبئة استمارات خاصة بذلك الشأن. وفي الحسم تحمّل كبير للمسؤولية من قبل آباء وأمهات وأولياء أمور المتعلمين. وبعد هذا  القرار، تمّ تنزيل مذكرة وزارية بتاريخ 28 أغسطس 2020 تحت رقم:20 /039 حول تنظيم الموسم الدراسي في ظل جائحة كوفيد 19 مراعية مختلف فرضيات تطور الحالة الوبائية بالمغرب، هاجسها تأمين الحق في التعليم والتكوين معتمدة ثلاثة أنماط تربوية:

1 ـ التعليم الحضوري

2 ـ التعليم بالتناوب ( الحضوري والذاتي)

3 ـ التعليم عن بعد.

          وهذه الأنماط التربوية الثلاثة لا تعتبر قارة وثابتة؛ بل يراعى فيها تطور الوضع الوبائي إيجاباً وسلباً، فيعتمد النمط المناسب لكلّ وضعية وبائية مستجدّة.  

        يبقى التعليم الحضوري هو الشكل الأمثل  والطبيعي للعمل التربوي والتكويني ، غير أن الخوف من تردي الأوضاع الصحية باختلاط المتعلمين والطلاب سواء داخل الفضاءات التربوية أو خارجها يلقي بظلاله على اختيار الأسر حتى في ظل تطبيق البروتوكولات الصحية بصرامة، لأن عملية التباعد الجسدي  ـ وهي جزء من هذه البروتوكولات ـ تقتضي تأهيل البنى التحتية للكثير من المؤسسات المدرسية والجامعية بما يتيح هذا التباعد بشروطه الصحيحة، والحال أن المدارس والجامعات تعرف اكتظاظاً ملفتاً مع نقص واضح في الأطر التربوية والإدارية…ونفس الضوابط الصحية والوقائية ينبغي مراعاتها في النقل المدرسي والجامعي وكذا مراكز الإقامة…

          التعليم بالتناوب في شقّه الحضوري يبدو آمناً وذا جدوى في ظل توفير الشروط الكاملة الخاصة بالتدابير الوقائية والاحترازية، ووجود كفاءات جيّدة من رجال ونساء التعليم الذين برهنوا منذ بداية الوباء عن حسّ وطني صادق ، وعزيمة تكاد لا تعرف الملل ؛ بينما الذاتي منه ( أي التعليم الذاتي) والذي ينجز في البيوت فيطرح الكثير من الإكراهات الأسرية اقتصاديا نفسياً اجتماعيا وتربويا.. ممّا تنعكس نتائجه سلباً على المتعلمين والطلبة، سيما عند سوء التدبير.

       إنّ  التعليم عن بعد  لن يؤتي بعضاً من أكله، إلا بتوافر عدّة مادية ولوجيستيكية  (وسائل اتصال إلكترونية، وربط بشبكة الأنترنيت وتوفير صبيب عال)، وموارد بشرية مؤهّلة في تشغيل هذه الآليات، الشيء الذي يضطر لضرورة عقد تكوينات في هذا الإطار ويبقى المستقبِل  (متعلماً أو أسرة ) في حاجة إلى مثل تلك  التكوينات  أو على أقل تقدير معرفة استعمال معطيات التعليم الرقمي في حدودها الدنيا توخيّاً لتواصل مفيد.

  بعض الاقتراحات لضمان سلامة المجتمع المدرسي والجامعي:

ــ اعتماد النمط التربوي المناسب جهوياً لا مركزياً، اعتباراً للتفاوت الحاصل في الحالة الوبائية جهوياً ( المناطق الموبوءة  متفرقة على مستوى التراب الوطني) ؛ ما يجعل الأكاديميات الجهوية ورئاسات الجامعات عبر مجالس الكلّيات  تتدبّر هذا الشأن بحسب المعطيات الصحية  داخل النفوذ الترابي التابع لها. ومعلوم أنّ للعالم القروي خصوصياته ماديّاً وبشريّا واقتصاديّاً…

ـ تعزيز الوزارة الوصية قطاع التعليم بالأطر والموارد البشرية والمادية الكافية.

ـ تقليص معدّل المتعلمين والطلبة بالفصول الدراسية.

ـ الاشتغال في فضاءات تسمح بتطبيق الإجراءات الاحترازية والوقائية على الوجه الأمثل.

ـ العمل بالتفويج : تلتحق أفواج من المتعلمين والطلبة بالمؤسسة التعليمية بالتناوب يوم بعد يوم تفاديّاً للتجمّعات والاكتظاظ إما بحسب المستويات الدراسية أو بأية صيغة تضمن ذلك؛ مع تقليص الحصص الدراسية والإبقاء على المواد والتّعلّمات الأساسية، كما  الحال بالنسبة للتعليم الفنلندي  الذي يعتبر أنموذجاً حيّاً لهذه التجربة والتي تتمحور حول الطالب واكتشاف مواهبه حتى خارج الفضاء التربوي.

            وأمام التخوّفات العالمية من موجة ثانية لانتشار الفيروس خاصة في ظلّ التقلبات المناخية  في شهري شتنبر وأكتوبر، واعتباراً لما حدث لدول ذات منظومة صحية جيّدة التي أعادت إغلاق المؤسسات التعليمية بعد أن كانت فتحها حيث توسعت رقعة انتشار الوباء؛ يجمل أن يتم إرجاء وتعليق الدراسة حضوريّاً بشكل استثنائي تفرضه جائحة كورونا، ويفرضه الاعتناء بالصحة العامة للمواطنين بالدرجة الأولى، مع تتبع جديد الحالة الوبائية وتوصيات وتقارير اللجنة العلمية المختصة والاستشارية الخاصة بمكافحة فيروس كورونا المستجد/ كوفيد 19.

         إنّ تأمين حق الطلاب والمتعلمين في التربية والتكوين، يدعو إلى جعل التعليم قاطرة للتنمية ورافعة لكل نهضة حضارية منشودة؛ لأنّ كلفة الجهل جد باهظة، من ثمّة الاهتمام ببناء الإنسان وبعث منظومة القيم المرجعية، بعيداً عن منطق التبعية الخارجية والإملاءات الأجنبية التي رهنت حياة أجيال عديدة من الطلبة والمتعلمين في دوّامة من التقليد والجمود والانحطاط.

          ولا شكّ أنّ تعزيز ثقافة حب الوطن والعمل من أجل نهضته ورقيه وتشجيع الكفاءات الوطنية من أساتذة وأطباء ومهندسين وباحثين … والرفع من الميزانية الخاصة بالبحث العلمي، كفيل  بوضع الأمور في نصابها واستشراف غد أفضل يكون فيه القطاعان المهمّشان في الوطن العربي ـ  الصحة والتعليم ـ على رأس كلّ الأولويات. وهو أعظم درس لقّنه فيروس كورونا لكل الشعوب والبلدان. وكوكب الأرض بأكمله لازال  تحت رحمة جبروته وسلطانه القاهر، لا يستطيع التنبّؤ بما يحبل به القادم من الأيام والليالي!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.