الثقافة والحضارة بين فلسفتي القيم الثابتة و المصالح الدائمة

0 6

الثقافة والحضارة بين القيم الثابتة والمصالح الدائمة: قراءة مختزلة

د. جمال الهاشمي

ما يزال هذا الموضوع من أهم المواضيع النقدية للحالة العربية السياسية والمجتمعية المعاصرة، حيث يشخص الحالة من منظور القواعد الحضارية وكيفية الصعود الحضاري، والذي لا ما زال حتى الآن يشكل جدلا بين الحضارة الفرنسية والثقافة الألمانية، ورادف المتخصصون والفلاسفة بينهما مع اعتبارات عرضية وصفية ونقدية.

وما وجدت كتابا يتحدث عن الثقافة إلا ووجدتها يربطها بالحضارة والعكس صحيح، في روابط متماهية ومتداخلة، وهذا من اللغط المنهجي، ومعية التقليد الراكع.

لن يسعني المقال في سرد الاستدلالات العلمية لإثبات فرضتي الفصل، والأصل، ولكنها بالنسبة لي تشكل نظرية حضارية عميقة شرعت بها وما هذا المقال إلا خلاصة ما توصل إليها الفصل من الدراسة.

كانت التربية المكية متمكنة في منظومتها الأخلاقية والمنظومة الثقافية، وكانت الحضارة المادية من أهم أعمدة بناء القيم العربية المشهورة برموزها قبل التاريخ وما تزال حتى اليوم تطرب مسامعنا في مضارب الأمثال: كرم حاتم وإطعام الحجيج ووفاء السمؤال، وحلم أحنف وحياء عنترة وإقدام الصمصام.

هذه القيم في الجاهلية كانت ثنائية في معاييرها الأخلاقية فهي تستخدم المتناقضات الثنائية المتقابلة لتحديد معايير الثقافة السائدة والثقافة التابعة، وقد تكون القيم مفردة والفرد عند العرب من ليس له ند مماثل ولا مقابل لأن المفاهيم المتقابلة تعني حضور منهجية القياس:

ومن الثنائيات الثقافية القديمة المحددة لمكانة القبائل العربية والجهوية : الهامة واللهزام، والبطون والأطراف، الأكبر والأصغر، العزيز والذليل، الزمعات والذوائب، والوفي والخائن، والجواد واللئيم، الخير والشر.

ومن ثنائياتها المفردة ” العظمى، السؤدد، الرياسة، المتغلب (المستضعف)، والمنزل، والمجمع، الغطريف، الموصى، والهاشم، السمح (كناية عن العفو المبالغ فيه من طرف واحد وهو الذي يغفر زلات الآخرين دون اعتذار) العمامة الفردة، والمطعم (لا يسمى المطعم إلا الذي أطعم الإنسان والحيوان والطير في السنين العجاف وفي الصحاري القاحلة).

ومن ثنائيتها الوصفية، لا حر بوادي، وأبو اللواء، منتهى الأحياء، حامي الديار، مانع الجار، الندوة، السقاية، الرفادة، المفيض، والحجابة، صاحب النار (كناية على الضيافة غير المنقطعة التي تربط النهار بالليل وخصوصا عند الأزمات).

وغيرها من المفاهيم الثقافية بصيغة المبالغة التي شكلت الشخصية العربية.

لا شك أن هذ المفاهيم العميقة، من المفاهيم الخاصة بسكان لجزيرة العربية، ولم توجد مفاهيم بعمقها وقوة معانيها إلا في بيئة صحراوية أو جبلية، قاحلة ومخيفة وهالكة أو معدمة، مقاوم لهذه الطبائع التي كانت واقعية في الجزيرة العربية، بينما كانت فلسفة مثالية لدى المجتمعات الحضارية على أطراف الجزيرة العربية، ومدرسة مثالية تناقض المدرسة الواقعية في مناهج الفلسفة الغربية.

فالجواد وفقا لمعاني العربية هي صفة للشخص الذي لا يبقي له شيئا مع شدة حاجته إليه وانقطاع أمله عن بديل يشبع حاجته، أو الذي يعطي ولا ينقطع عطاؤه؛ فالأولى صفة إنسانية تتخلق قدر الاستطاعة بالصفات السماوية، والثانية صفة إليهيه.

أما الكريم فهي مرتبة من مراتب العطاء وكانت العرب في أغلبها متساوية، وتتفاوت صفة الكرم، فليس الكريم الذي يعطي وينتظر أو يستغل، أو يجمع مالا من غلول وحرام لينفقه. والموضوع متسع.

كان ميلاد الإسلام وحضارته الثقافية منفصلة عن الحضارة المادية، حيث لم ينشغل الصدر الأول وتابعيهم بالعقارات والمجامع التجارية إلا عندما انفتحوا مع عوالم الحضارة المادية في الشام والعراق ومصر ومن خلفهم.

ومع هذا ظلت هذه القيم تقدم النموذج الثقافي ولم تنتهي إلا بسقوط الدولة العباسية، واستمرت الجزيرة العربية على حالها فقيرة لهذه المظاهر ولم تعتمد نظام الأسواق المفتوحة.

التربية الأخلاقية هي التي تشكل النظرية الثقافية، وكانت مقدمة أولية لميلاد المجدد الأول في تاريخ الإسلام الحضاري مجدد الحنفية الإبراهيمية ببيئة جديدة مختلفة عن البيئات الأخرى، تختلف في اقتصادها وثقافتها وأخلاقها، ولم تكن سوى قرية تحتضن الثقافة والفكر والأصالة، ولم يكن الأسواق فيها ألا بتسمية الأيام، إذا عوز الجار عن حاجته استدان من جاره، وكانت هذه المعاملات على بساطتها تحافظ على ما تبقى من قيم تبددت بالحضارة المادية المعاصرة.

وصف النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة بالصادق والأمين، والعرب عندما تعرف الاسم المعرف فإنها تقصد النموذج، والأحادية المفردة في مجتمع يتنافس على هذه القيم، وسيقال كيف ذلك؟.

لو قمنا بتحليل مفردة الصادق كقيمة نموذجية مفردة، من الناحية اللفظية نجدها من المعارف المعرفة وزيادة التعريف لا يقابله النكرة، فهو مطلق لفظا كلفظ “الله” التي أصلها إله وهو اسم معرفة، فلما تعرفت أصبحت أعرف المعارف لفظا ومعنى.

كان المجتمع القرشي صادق والحكم الثقافي في سوق عكاظ، والفرد فيهم صادق، أما الصادق فهو النموذج لعدة أسباب أهمها:

  • ان الصادق لا ينقل الخبر، لأن الخبر قد يحكم عليه بالصدق والكذب، وبني على هذه القيمة الخبرية أحكام وصفية ، يسمى ناقل الخبر غير المستيقن منه (فاسق)
  • أن الصادق لا ينقل خبرا صحيحا يضر بالوشائج الاجتماعية ويوسع بالشقاق الاجتماعي والفردي، والناقل هنا يسمى مغتابا.
  • أن الصادق يترفع عن قول الفكاهات والتفاهات المضحكة.

وبعد معرفة المعايير الثقافية بالفصل عن مفهوم الحضارة تبين أن الأمة العربية كانت أمة ثقافية وما الحضارة إلا وسيلة ليست مساوية، وهذا يفسر مدى سرعة الصعود الحضاري الإسلامي في ذلك الوقت من الثقافة إلى الحضارة والعالمية.

في المقابل فإن الثقافة الأوربية والغربية عموما تطورت تطورا عكسيا من الحضارة إلى الثقافة عبر الاستعمار ونظام السوق والعولمة ومن ثم تطورت ثقافتها عن حقوق الإنسان والمرأة والطفولة وحرية الأقليات والحقوق السياسية.

والقاعدة هي الأساس التي تتحكم بالعلاقات مع الآخر، وانطلاقا من ذلك فإن حقوق الإنسان والمرأة والطفولة إذا هددت الحضارة المؤسسة لها يضحى بها لصالح الحضارة وتتراجع القيم الإنسانية عن قيم الحضارة، ومن ثم إشباع الحضارة من الصعوبة بمكان، لأنها تتسع كلما طال الزمان واتسع المكان.

إذا نظرنا قياسا إلى حقوق الإنسان الدولية التي دافعت عن حقوق الإنسان السياسية، سنجدها مبنية على نظرية حضارية بدلالة إهدار الحقوق الضرورية الإنسانية في العراق بعد سقوط صدام واليمن بعد سقوط صالح وليبيا بعد سقوط معمر، ومصر بعد سقوط مبارك، وحقوق الإنسان الدائرة في سوريا، وحقوق المهاجرين الذين تحولوا إلى من قضية حقوقية إلى قضية أمنية، وصراعات سياسية.

وفي الوقت ذاته نجد اهتماما متصاعدا بقضايا حقوق الإنسان في دول أخرى، تتأرجح السلوكيات في الدفاع عنها حسب المصالح الدائمة.

على العكس من ذلك فإن الثقافة العربية الحضارية حققت الأخلاق المثالية في الواقع قبل صعود الحضارة الإسلامية وفي دائرة الإسلام واستطاعت الثقافة الإنسانية الإسلامية أن تصل إلى مشارق الأرض ومغاربها وما تزال بعض من قيمها الثقافية من المفاهيم الإنسانية التي تتبناها الحضارات الغربية سياسيا وتؤسسها عبر وسائل التربية العميقة في جامعاتها ومدارسها ومؤسساتها الإدارية.

وهنا نجد عند المقارنة أن قاعدة الحضارة الغربية والعالمية الأخرى “توجد مصالح دائمة ولا توجد مبادئ دائمة”

فالأصل وفقا لهذه القاعدة أن المبادئ متغير تابع للقيم المادية الحضارية.

بينما القاعدة العربية وفقا لفلسفة الحضارات فتقول ” بوجود قيم ثابتة، ولا توجد مصالح دائمة” “وتلك الأيام نداولها بين الناس”

ولكن زمان ومكان المقال مختلف جدا، إذ أن المقارنة بين زمنية كانت، وزمنية كائنة، أما كينونتنا العربية فليست سوى مظهر من مظاهر الحضارة الغربية، ومظهر من مظاهر الثقافة العربية بمعنى أننا دولا ومجتمعات نعيش في ظلال المظاهر، ولسنا منها أو في زمانها.

بمعنى أن شخصيتي العربية اسم بالعادة عرفا وليس اسما له معنى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.