التعليم الحضوري والتعليم عن بعد، سؤال الجدوى والفاعلية

0 6

د. رشيد لعلالمة

جامعة محمد الخامس-الرباط- المغرب

مما لا مجال فيه للشك أن جائحة كورونا-كوفيد19- قد خيَّمت بظلالها على أغلب مناحي الحياة إن لم نقل كلّها، وأثرت بشكل كبير على جميع المجالات بما فيها الجانب التعليمي. ونحن على مشارف بداية الموسم الدراسي الجديد مع ما يحمله من إكراهات وتخوفات سواء من قبل الوزارة الوصيّة أو آباء وأولياء المتعلمين أو الأطر الإدارية والتربوية العاملة بالقطاع، خصوصا بعدما تم وضع أولياء أمور المتعلمين أمام خيار صعب يتمثل في اختيار النظام التعليمي المناسب لهم. أو بمعنى آخر اختيار نظام التعليم الحضوري أو نظام التعليم عن بعد؟ سواء تعلق الأمر بالقطاع العام أو القطاع الخاص.

وهنا أطرح السؤالين الإشكاليين الآتيين:

  • هل التعليم الحضوري أجدى وأنفع، وما شروط تحقيق هذه النفع؟
  • هل التعليم عن بعد مفيد خصوصا في الظرفية الاستثنائية؟ وكيف يراه أولياء أمور المتعلمين على وجه الخصوص؟

سبقت الإشارة إلى أن العالم اليوم يعيش تحت وطأة انتشار فيروس كورونا الذي فرض نظاما خاصا على الجميع، وأوقف عجلة الحركة في أغلب القطاعات، والقطاع التعليمي بدوره عانى كثيرا من تبعاته خلال الشهور المنصرمة ولا زال يصول ويجول.

إن الحديث عن جدوى وفاعلية التعليم الحضوري والتعليم عن بعد حديث يطول لعدة أمور:

أولها: اختلاف الوسط المدرسي (عام أو خاص).

ثانيها: الإمكانيات المرصودة لأجل تحقيقه.

ثالثها: ظروف أسر المتعلمين المتباينة على جميع الأصعدة.

لأجل ذلك سأتحدث عن النظامين التعليميين حسب ما توفر لدي من معطيات، وحسب تجربتي البسيطة التي راكمتها خلال هذه الفترة، والتي عاش فيها أبنائي النّظامَيْنِ معاً.

المحور الأول: جدوى التعليم الحضوري وفاعليته:

لا غرو أن العلم يؤخذ من أفواه الرجال، وأن التعليم في حقيقته تربية قبل التعليم، وهذه التربية على القيم والأخلاق الرفيعة مكانها الحجرة الدراسية لا محالة، وأن الأستاذ الذي يشرح لمتعلميه الدروس المبرمجة يخاطبهم، ويتفاعل معهم، ويعرف احتياجاتهم، ويناقش معهم ما يجدون من صعوبات وتعثرات سواء تلك المتعلقة بالدرس نفسه، أو بمشاكل أخرى تحول دون تحقيق الكفايات المتوخاة من ذلك الدرس.

لذلك يجد العديد من أولياء الأمور أن التعليم الحضوري ذو منفعة كبيرة للمتعلمين، حتى في ظل الجائحة، على أن تتخذ بطبيعة الحال جميع الإجراءات الصحية الوقائية لفائدة المتعلمين، وكذا الأطر الإدارية والتربوية، لأنهم كلهم إيمان بذلك التفاعل والتواصل الإيجابي بين المعلم والمتعلم، وما يمكن أن يتركه في نفس المتعلم من أثر على المدى البعيد، خصوصا إذا كانت العلاقة التي تربط الطرفين مبنية على الاحترام والتقدير.

المحور الثاني: جدوى التعليم عن بعد وفاعليته:

بعدما انتشر فيروس كورونا في العالم وكثر عدد المصابين به، اضطرت كل المؤسسات التعليمية إلى إغلاق أبوابها قبل نهاية العام الدراسي حفاظا على سلامتها متعلميها وأطرها الإدارية والتربوية، وهذا لا شك مطلب شرعي مؤكد، فحفظ النفس مقصد عظيم من مقاصد الشريعة.

وكان لزاما على هذه المؤسسات أن تكمل برنامجها التعليمي حتى لا يضيع المتعلمون فيما تبقى لديهم من دروس، فهنا بدأ التفكير في الصيغ الممكنة من قبل الوزارة الوصية أولا، ثم من قبل المسؤولين عن المؤسسات التعليمية الخاصة والعامة لأجل استكمال الزمن المدرسي. بدأ الأمر في بداياته معقدا وشبه مستحيل لعدة أسباب أجملها في الآتي:

  1. عدم توفر المؤسسات التعليمية على وسائل تكنولوجية يمكن من خلالها التواصل مع المتعلمين.
  2. عدم توفر الأطر الإدارية والتربوية على الخبرة التقنية الكفيلة بتحقيق المراد.
  3. عدم توفر أغلب المتعلمين على أجهزة إلكترونية تمكنهم من التواصل مع معلميهم.
  4. عدم وجود توصيل بشبكة الأنترنيت لأجل استعمال التطبيقات التي تسمح بهذا النظام التعليمي.

هذه أغلب الإكراهات التي واجهها الجميع في بداية الجائحة، رغم استطاعة البعض متابعة دروسهم لكن بنسبة قليلة على كل حال. وعند الحديث عن جدوى التعليم عن بعد فيرى البعض أنه كان حلا جيدا بالنسبة لأبنائهم في ظل هذه الظروف الراهنة، خير من ذهابهم إلى المدرسة وإصابتهم بالعدوى التي يمكن أن تعجل بوفاتهم لا قدر الله.

ثم إن من أولياء الأمور من وجد هذا الضرب من التعليم يصلح لطبقة معينة ولا يمكن تعميمه على كل شرائح المجتمع على اعتبار قلة ذات اليد، ومنهم من لديه متعلمين أو ثلاثة، كيف يستطيع أن يوفر لهم هذه الوسائل التقنية لإكمال تعليمهم؟ بل إن منهم من فقد عمله جراء انتشار هذا الوباء.

خلاصة:

يبقى الحديث عن جدوى وفاعلية التعليم الحضوري والتعليم عن بعد محل اختلاف بين من يرى جدوى الأول مقابل الثاني أو العكس في ظل الظروف الراهنة، غير أن الأمر يتعدى أولياء أمور المتعلمين أو الأطر الإدارية والتربوية أو حتى الوزارة الوصية. إذ لا يمكن في نظري تحقيق نظام تعليمي جيد تراعى فيه شروط المساواة وتكافؤ الفرص بين الجميع بدون تظافر جهود كل الفاعلين. سواء تعلق الأمر بالنسبة للتعليم العمومي أو الخصوصي أو في الحواضر والبوادي.

فالتعليم قبل كل شيء لأن به تقاس المجتمعات المثقفة من غيرها، وأقول إن اختيار التعليم الحضوري أو التعليم عن بعد في هذه الظروف اختيار صعب رغم اختلاف وجهات النظر عن جدوى وفاعلية كل واحد عن الآخر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.