التربية والتعليم هناك كنز في الداخل

0 5

 أ.د قاسم المحبشي

أستاذ الفلسفة بكلية الآداب في جامعة عدن

إن نظرة متأملة في تراثنا التربوي التعليمي العربي الإسلامي التقليدي تجعلنا نؤكد بأن الأطر القيمية التربوية والتعليمية المعرفية والذهنية التي كانت ولا تزال سائدة في حياتنا الراهنة لم تعد قادرة على القيام بوظيفتها أمام تحديات ومتغيرات الحياة الراهنة بل غدت عديمة الفائدة وشديدة الخطر بما تحمله من قيم تربوية وتعليمية عفا عليها الزمن .إذ ما زالت المدرسة عندنا عبارة عن مصنع لإنتاج البضاعة ذاتها منذ أبو الحامد الغزالي وسفينة الصحراء – أي إنتاج المجتمع القديم ذاته لان نٌظمنا التربوية والتعليمية هي لم تتغير لتواكب متغيرات الحياة النامية باستمرار  ولم تفسح المجال للتلاميذ والطلاب في أن يفهموا ما يعرفونه جيدا. إن كل شاب مجبر خلال عشر أو عشرين سنه  من حياته على البقاء جالسا في أحسن وقت من يومه في قاعة مكتظة اكتظاظا شبه دائم أمام الوح الأسود لكي يتابع دروسا فرضتها عليه إدارة بعيدة عنه  ولا تمت بصلة تذكر إلى اهتماماته السيكولوجية والثقافية والفكرية والاجتماعية  والبيولوجية أو حتى الاقتصادية والبيئية- في هذا التعليم الذي لا يعني شيئا للتلاميذ والطلاب يجعلهم يلجؤون إلى الحلم والشرود الذهني أو النوم، إذ نجدهم ليسوا حاضرين حقا وفعلا  في قاعة الدرس الا بأجسامهم  أما حضورهم الذهني فلا يكون إلا بمعدل دقائق في اليوم، لحظة دخولهم القاعة وخروجهم منها فقط. غير أن هدوءهم وخجلهم المصطنع في مقاعد الدراسة خوفا من العقاب فضلا عن كبت فضولهم واسئلتهم ورغباتهم مجبرين لا مختارين يتحول فيما بعد الى “غبا ارتكاسي” وسلوك منحرف وجنوح خطر إذ إن طاقة المراهقة فيهم وقد كبتت وتركت دون رعاية وتنمية وتربية، تجعلهم يصرفون النظر عن الثقافة الجادة لحساب ثقافة تحتية أو سلبية عنيفة كما تشهد بذلك نتائج التعليم التقليدي الراهنة في حياة مجتمعاتنا العربية واجيالها الشابة. وتجدر الإشارة الى أن التربية السليمة لا تقوم في تكوين بشر بحسب أنماط جاهزة ونماذج مشتركة ومسبقة التصور والتصميم ، بل تكمن مهمتها الأساسية في الإفراج في كل طالب وطالبة عما يحول دون أن يكون ذاته/ ذاتها الإنسانية الناضجة، وفي أن تخوله أن يحقق ذاته بحسب خصائصه الفردية وقدراته واهتماماته ومواهبة الشخصية العميقة التي تختزنها ذاته/ ذاتها في أعماقها وكل ما تحتاجه هو منحه الفرصة والحريّة الكافية للتعبير عنها وتنميتها، وعندما نبلغ أعمق ما في الذوات  الفردية للناشئة فإن ذلك العمق هو بذات هو ما سوف يكون بنائيا خلاقا وناميا وجديرا بالقيمة والتربية والتنمية نحو الأفضل نفعاً وعدلا وجمالا وخيرا وكمالاً. وحينها تستطيع الجامعة أن تحقق مثلها الأعلى في تنمية وتنوير العقول إذ أن المثل الأعلى للجامعة لا يتمثل في منح الطلاب المعرفة بقدر ما يتمثل في منحهم القدرة على فهم واستخدام المعرفة التي اكتسبوها في سنوات حياتهم العشرين الأولى وبذلك تكون وظيفتها الجوهرية – الجامعة – هي العمل على تحويل معرفة الاولاد والبنات؛ التلميذات

والتلاميذ إلى قدرة الرجال والنساء المعول عليهم في بناء وتنمية المجتمعات.

في حين أن نظام التربية والتعليم التقليدي بمناهجه وأدواته وقيمه البالية هو من يعمل على هزيمة الاهتمام والفضول والدهشة والرغبة في المعرفة والانتباه وإحباط فطرة الإنسان في حب الاستطلاع والتساؤل والحلم والخيال والتخييل ومثل هذا النمط من التعليم الذي يقوم على الحفظ والتلقين لا ينتج إلا أناسا ممتثلين أو متمردين أو منحرفين خطرين على ذواتهم وعلى أسرهم وعلى مجتمعاتهم وعلى التعليم ذاته ويعمق الغربة والاغتراب بين الافراد وحياتهم وعصرهم وزمانهم . وحين نضغط على الأطفال التلاميذ والطلاب والطالبات أو نثقفهم بثقافة الطاعة والسكون والأدب يبقوا صامتين منفذين للتعليمات بروح سلبية لا مبالية بدلا من تشجيعهم على طرح الأسئلة وتنمية قدراتهم ومواهبهم بحرية وهنا يتحول الفضول الطبيعي إلى سلبية ورغبة في تجنب الآخرين، كما يتعود الأطفال على تخطي واهمال أسئلتهم وأجوبتهم النابعة من ذواتهم الحرة وبدلا من ذلك يسعون إلى توجيه الاسئلة والاجابات التي يعتقدون إن الآباء والامهات وكبار السن والأساتذة  يودون سماعها منهم، وما أن يصلوا مرحلة الجامعة حتى يكون الطفل الموجه داخليا قد أصبح البالغ الموجه خارجيا وهكذا يحل الحذر والسلبية محل الفضول والرغبة في التساؤل، كما يحل تدوين ملاحظات افكار الآخرين محل التفكير النابع من الذات، كما يحل التقين محل التفكير. وحين نرهق الولد بمتاع لا يجيب عن أي سؤال يعنيه ويهمه، وحين نتخمه بغذاء لا يسد أي رمق أو لا يشبع جوع، أو يبل عطش، وحين نخنق تلك الحاجة العجيبة لذا التلميذ إلى المعرفة والفهم والاستكشاف والنشاط واللعب، أي بكلمة حين نخنق الحاجة إلى أن ينمو، أي يصير انسانا، لا طفلا كبيرا- والشرير هو طفل كبير أسيئت تربيته- وقد أكدت الدراسات العلمية إن كبت الحاجات الفطرية للفضول والتساؤل والفهم والاكتشاف عند الأطفال والمراهقين حد اختفاءها الظاهر لا يعني محوها واختفاء أثرها من حياتهم الراشدة بل يعمد اللاوعي الى تأجيلها أو إزاحتها واستبدالها وتمظهرها على نحو لا إرادي جملة من مظاهر السلوك الشاذ أو غير السوي  كحلم اليقظة والشرود الذهني، والانحرافات الشاذة، والمشاغبة واللامبالاة والكسل والتسيب والتسرب والخوف والاتكال والكذب والنفاق والجبن والتهور واللا انضباط والعنف والغش والجنوح والإدمان والتطرف والسطحية والابتذال وازدواج الشخصية واضطرابها  وغير ذلك من الأفعال وردود الأفعال غير السوية الضارة بالحياة الاجتماعية. وهكذا يجب أن نعي ونفهم إن سيكولوجية الولد المكبوته تثأر لنفسها بطرق ووسائل سلبية وخطيرة، كما تفعل دينامية الاقتصاد المكبوت في الدول الشمولية في ازدهار السوق السوداء ومنافذ التهريب والرشوة والفساد. يقول عالم النفس: ” كارل ساغان”. ” أن كل فرد يولد مزود بحب الاستطلاع والدهشة مما حوله، غير أن المجتمع يتولى هزيمة ذلك في نفسه… فالأطفال الصغار الذين سيكتشفون العالم المحيط بهم ببطئ ويوجهون التساؤلات البريئة، حول، مثل لماذا لون العشب أخضر؟ أو اين الله ومن هو الله؟ ومن اين ولدت؟ وكيف ولدت؟ يواجهون بردة فعل غاضبة وصارمة وزاجرة كائن يقال لهم لا توجهوا أسئلة غبية؟ أو أستغفر الله العظيم! أو تسخر منه أو تحملق في وجهه أو تضربه.. الخ. وهذا ما يعيق تفتح فطرته الطبيعية ونموها وتنميتها عقلانيا وإنسانيا. ومعوم إن الكائنات البشرية تولد بغريزة فطرية بالفصول وحب الاستطلاع والتعجب والدهشة والتساؤل المؤدي إلى الاستكشاف والمعرفة والفهم وتقوم التربية السلمية على تنمية هذه القدرة الفطرية وتهذيبها. يقول جون هوليت:”ليس علينا أن نجعل البشر أذكياء، فهم يخلقون كذلك بالفطرة وكلما علينا أن نفعله هو التوقف عن تربيتهم وتعليمهم الغباء الذي نحمله”!

ختاما نكرر التأكيد إن التغيرات المتسارعة في مختلف مناحي حياة المجتمع اليوم تجعل مفاهيم التربية والتعليم التقليدية موضع تساؤل : إذ كيف نعلّم التلاميذ بينما هناك نظريات ومناهج وموضوعات يكون قد عفا عليها الزمن قبل أن يترك التلاميذ مقاعدهم في المدرسة ويضيف أننا نعيش لحظة تاريخية فارقة تجعل التغييرات في الأشخاص عاجزة عن ملاحقة سرعة التغيرات الاجتماعية والثقافية والعلمية المتسارعة في العالم المعولم الذي يشهد انفجار الثورة العلمية والتقنية الرقمية على نحو لم يسبق له مثيل من آدم حتى الآن أقصد إن المعارف العلمية والقيم التربوية في عصر العولمة وانكماش الزمان والمكان. عصر العلم والميديا الجديدة تعيش حالة من التغيير والتبدل بوتيرة متسارعة في بضع ساعات فقط. وهذا يعني إن تحديات الحياة المعاصرة لا يمكن مواجهتها الإ بالاستجابة الإيجابية الفعالة وتلك الاستجابة لا يمكنها أن تكون إلإ بتغيير جذري في أدوات ومحتويات ووسائل وطرق التربية والتعليم العتيقة. فمجتمع الغد أما أن يكون في الروضة والمدرسة أو لا يكون. وهكذا يظل سؤال التربية الملح كما كان في كل العصور. ماذا نريد أن نكون؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.