الاتجاهات المعاصرة المفسرة لجائحة كورونا

0 6

الاتجاهات المعاصرة المفسرة لجائحة كورونا

د. جمال الهاشمي

ظهرت عدة توجهات لتفسير جائحة فيروس كورونا العالمي عدو البشرية، وكل مدرسة تنتسب لمرجعية مختلفة تستقي منها المبادئ العامة لتفسير هذه الجائحة:

أظهرت المعتقدات الدينية أن فيروس كورونا ليست سوى رسالة إلهية لمعالجة الفساد الناتج عن الفعل البشري الإنساني تراجعه عن القيم الدينية ويفسرون على أن هذا الوباء ليس سوى إرهاصات لتحولات أكثر عمقا تستهدف النوع الإنساني بالدرجة الأولى، وترى هذه المعتقدات أن التغيير الذي تعطل في ضمير الإنسان، تسبب بتغيرات كونية لمعالجة الخلل الداخلي، وتتوقع هذه النظريات أن هذا الوباء يحتاج إلى حركة بشرية نحو تتجه تنقية الضمير الإنساني من اللوث الفكري وإظهار الفساد …

وتأتي طائفة أخرى من الطبيعيين الذين يرون أن هذا الوباء من فعل الطبيعة وأنها بطبيعتها عادلة تسعى لإبقاء من يستحق الحياة وتتطهر من الضعفاء ليبقى الأقوى الذي هو أقرب في النظريات التأليهية لصفة الطبيعة وينسجم معها بقوى عقلية طبيعية تتعامل مع الظواهر بنفس مكونات ومقومات الطبيعة، ويفسر فريق من الطبيعيين أن فعل الطبيعة القاتلة إنما تكون جزاء بينما يرى الآخرون أن هذا الفعل يعكس رحمة الطبيعة، والقتل الرحيم الذي يخلص الإنسان من المعاناة ، ويعود معتقدات التأليه الطبيعي إلى العصور القديمة في الصين  مثل الطاوية، وفي العالم الغربي يعود إلى عصر الحكماء السبعة، وبصورة أكثر حضورا مع الفيلسوف اليوناني المشهور بنظرية المثل “أفلاطون”

وهناك المعتقدات العلمية وهي نظرية قديمة لكنها تشكلت كفلسفة مع الفيلسوف التجريبي “سيمون” وتنسب هذه الجماعة العلمية القوة الإلهية للعقل الإنساني الذي جعل من الطبيعة معطى بينما العقل إله والعلم دستورا مقدسا، وأنه يساوي تعاليم الوحي الكنسي المقدس أو يتفوق عليه، ويسعى كثير من هولاء بممارسة العلم التجريبي على مقاومة الطبيعة التي هي مجال معطى من معطيات العقل الإله الذي سينتصر في النهاية ويستندون في مقاومة الظواهر الطبيعية على المناهج التجريبية، ولا يقين غيبي خارج هذا الموضوع.

وهناك المعتقدات العسكرية تقوم الكثير من هذا المعتقدات على الفلسفة الصراعية حيث يرون أن الصراعات تتنوع إلى صراعات نووية وكيميائية أو بيولوجية حيث انخرطت الكثير من البحوث العسكرية على تطوير الأسلحة الجرثومية، وتتنوع المعتقدات العسكرية إلى دينية وطبيعية وتاريخية، ويعتقدون جميعا أن نظرية البقاء للأقوى والغاية تبرر الوسيلة من المقاييس العسكرية التي تستخدم، وأن إعداد القوة من أهم وسائل بقاء الدولة وحفظها من التهديدات المباشرة أو تهديد مصالحها.

وهنا يظهر أن الفعل قد يكون سببه تطور هذه البحوث وأمثالها وهي أكثر ما تهدد العالم، وقد ورددت نصوص دينية تتحدث عن وباء عالمي سيجتاح العالم ويقضي على ثلثي أو ثلاثة أرباع سكان الأرض ليعم السلام.

وهذه المعتقدات من النصوص التوراتية والتلمودية ومن نصوص الفيستا والفيدانتا وغيرها من الكتب الدينية القديمة التي تتوقع بمثل هذه الآوبئة سواء كانت جرثومية أو نووية وأنه سيكون فيها خوارق مدمرة، لا تقضي فقط على العصاة وإنما سيقضى على كثير من المؤمنين ثم يعيشون في ملكوت خالد ويعيش البقية في مدينة دنيوية خالدة يعم فيها السلام.

وهناك المعتقدات السياسية، حيث يميل هولاء على اتباع فلسفتين أحدهما الفلسفة الحضارية والتي تسعى إلى إثبات الذات في مواجهة الآخر وتعتمد المعتقدات السياسية المعاصرة غير ثابتة أو قائمة على مبادئ واضحة فهي تتنقل من المعتقد العسكري إلى الديني إلى الطبيعي فالعقلانية والعلمية وكل هذه المعتقدات تشكل عقلية السياسي التابع لفلسفة الأقوى.

هذه الثقافة سادت بريطانيا وفرنسا خلال الثورات التي صححت مسارات التخلف نحو الإصلاح حيث انتهت فرنسا بإزالة الملكية واعتماد الجمهورية بينما استطاعت بريطانيا فرض الملكية الإسمية وإلغاء الملكية المطلقة.

كانت هذه التحولات هي نتيجة إرهاصات وثورات متعددة أخذت عدة صور دينية وطبيعية وإنسانية وعلمية، وقد وحدت الثورات المجتمعية حينها بين تيار الدين والملكية وعندما بدأت البروتستانتية تتبنى الحرية وترفض الوصاية الدينية وجدت استجابة شعبية ولكنها فشلت في بناء دولة على النطاق الأوربي، فاعتمدت الهجرة واستطاعت أن تؤسس على معتقدها الولايات المتحدة الأمريكية.

بينما استطاع الدينيون المتحررون من التقاليد الكنسية كاليسوعية أن يدمجوا بين مبدأ الرحمة من خلال الجمعيات الخيرية الطبية وجمعية الغذاء وظفوا العلمية لمقاربة الديني بالعقلي والتجريبي واستطاعوا من خلال هذه الموازنة التوسع في أكثر من ثلاثين دولة، وكانوا في الأساس المقدمة الأولى لظهور البروتستانتية.

أثبت عدد من الدراسات الغربية أن النظريات العلمية يعود لها الفضل في تشكيل دولا مؤسسية في الغرب استطاعت هذه العلمية أن تحول قرار الفرد إلى قرار علمي مؤسسي يضم العقلاء وأهل التخصص في جميع ومختلف التخصصات العلمية والإنسانية وحتى الدينية التي تعتمد المنهجية العلمية في مقارباتها الدينية.

وتذهب هذه الدراسات إلى أن من اهم أسباب الجمود المؤسسي وجمود المؤسسات العسكرية في الدول الثيوقراطية يرجع إلى تسلط شخصية فردية لا تؤمن بالنقد، بالإضافة إلى حضور مجتمعات نشأت على ثقافة الإله المخلص أو الكاريزمية، أو توظيف المال والمعتقدات في صناعة الشخصية واصطناع الأعوان، وربما أن هذا التوصل ليس جديدا فقد سبق ذلك ابن خلدون في قوله أن العرب لا ينقادون إلا لولي أو نبي، حيث كان هذا الوصف يحدد طبيعة المجتمعات العربية حينها، بعد ضعف ونهاية الدولة العباسية، وكانت رؤيته استقرائية متتبعة لعدد حالات المهدية وانتشارها.

يبقى عملية التوصيف الدقيق بين هذه التوجهات عملية صعبة ونكتفي بالقول أن المعتقدات السياسية والعسكرية مؤسسات دمجية متحولة تتأقلم مع طبيعة الفكر السائد المؤثر على الساحة الشعبية الأوربية هذا بالنسبة للمجتمعات الغربية.

وفي المقابل فإن المعتقدات السياسية العربية والأسيوية تعمل على صناعة الفرد المجتمعات وفق قراراتها وآرائها و في الوقت ذاته تتبع المعتقدات السياسية الدولية وتترابط معها باستثناء القليل من الدول التي لديهم قناعات حضارية كالصين واليابان وغيرها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.