الأكاديمي بين متداعيات الوعي وتداعيات الدور

0 10

الأكاديمي بين متداعيات الوعي وتداعيات الدور

د. جمال الهاشمي

من الصعوبة مواصلة قراءة هذا المقال حتى النهاية لأنه قد يخلق روحا جديدة في نفوس أولئك العبيد الذين جعلو من النصوص والمعرفة والثقافة والتعليم والنص المقدس شعارات للعبودية المعاصرة في هذا العالم المليء بالتناقضات.

وقد يكون من الممتع حقا أن يتغير الإنسان ليتحرر مما في جعبته من مفاهيم وأفكار وثقافات وتقاليد بائدة، ذلك التغيير حتما سيخلق فيك شخصا مهيبا، وسيضيء لك طرق الهداية ويفتح مغاليق العقل بأنوار المعرفة، تلك القبسات التي حجبتها عن النفس والواقع  بمفاهيم خاطئة ومعتقدات منحرفة جعلت من عقلك المبدع قبرا تُميت وتموت فيه.

إن النور الحقيقي للمعرفة التي ننشدها هي تلك التي  تمضغ ألسنتا وتجب كلماتنا الناقصة حتى تكتمل المعرفة، وينشأ برفقتها الدور، تلك الثمرة اليانعة التي تبعث العقل وتصاحب المعرفة.

الوعي والدور:

إن من صعوبات التعلم ومعوقات الوعي للإنسان انعدام الشعور بالإنسانية ذلك المفهوم الكلي الذي عبر عن معادلة متوزانة بين مفهومي الضر الخلاق والرحمة المبدعة  من جهة ومفهوم الإنسان في شقه المادي  واشتقاقته المتداخلة بالجهل والظلم واللذة.

ولم يكن في مفهوم الإنسان وعي كما تدعي بعض النظريات الدينية لما وجه إليه الخطاب في النصوص المقدسة،  وقد تنوعت أيدلوجية الأنسنة إلى مادية ترتبط بمبدأ اللذة، وسلوكية تتعلق بالنفس وروحية تتوجه إلى الشعور، وعقلية تخاطب العقل، وهذه الأنواع الأربعة قعدت لرؤى جزئية متآكلة غير متوزانة،  وقد جاء القرآن الكريم وربط هذه الوصف بالأسباب المحددة للمتغيرات الشخصية (العلة الوجودية لهذه النفسية)، ولم ينفصل السياق الوصفي عن المعالجات والمقاربات التربوية، ويترك المجال  للقيم الإنسانية كأطار منهجي كلي يحدد مكانة الإنسان الأخلاقية، وبذلك تكون المعتقدات والأفكار من المداخل المنهجية المحددة في النص والعقل.

ويرجع تآكل الوعي الفردي والجماعي إلى غياب الدور الذي يمثل فلسفة تشغيلية منطقية لمحتويات العلم، والعقل، ولذلك يسبق الوعي الفكر عند انتاجه، وينمو الوعي بقراءته وتعليمه ونقله وتدريسه، وهنا تتمثل المعادلة التي تشير إلى وجود علاقة دائرية متكاملة بين الفكر والوعي والدور، وهذه الثلاثية الإنسانية هي النص القرآني، والمساحات بينها هي موضوعات العقل التشغيلي، وفي هذا كله صفة الإنسان.

وقد وجدت الفلسفة العالمية في مأزق كبير لدراسة الإنسان فعددت مداخلها العلمية من جهة الاجتماع والسلوك وعلم النفس، والطب الحديث والموسيقي والجمال، وكلما تعمقت في منهجية علمية أو عقلية لتفسير تتوالد معها الإشكاليات والظواهر العلمية وتتداخل مع الفكر المنتوج، مما يدفعها إلى التوالد المنهجي كانعكاس طبيعي لتداعي المشكلات، وهذه الحيوية بين الفكر والمنهج والواقع، أوجد العقل الغربي المبدع والمفكر، والعقل القيادي في هذا العصر، ولديه من الإخفاقات بقدر ما لديه من النجاحات، وما القوانين والتطورات الإدارية والقواعد الدولية إلا انعكاس لذلك العقل الخلاق.

قد لا يفهمني الزنديق القابع عقله في زنازين المعتقدات والأيدلوجيات أو المؤسسات التعليمية والمنهجيات الجامدة، وقد يتعالم التافه في أطروحاته الجريئة كالعادة، وقد يجد هولاء حشودا من المؤيدين، ويقد يشنق سقراط، ويصلب المسيح، وينشر زكريا ويذبح يحيى بتصويت المؤيدين، وقرار الزنادقة المؤمنين، وشواذ الآفاق المتعالمين، وبمرأى الصالحين الصامتين.

ومن السنن التاريخية أو التي دونها التاريخ أن المفكرين والأنبياء والمصلحين وكذلك الحكماء  يُنعون بأفكارهم، وترثيهم الأفكار، وصاحب الدور إن لم يكن مفكرا ينعى بأقلام المفكرين وليس المؤرخين، لأن المفكر يكتب من خزانة المنهج. أما المؤرخ فيكتب من التاريخ أو الواقع أو العاطفة ويخضع المؤرخ لتساؤلات المفكر ونقده وتحقيقه  إلا أن يجمع المؤرخ بين الاثنين كابن خلدون الحضرمي.

 

الأكاديمي الواعي:

يرتبط مفهوم أكاديمي بمدرسة أكاديموس اليونانية وينسب إلى هذه المدرسة نشوء الحضارة الاغريقية بقيادة الكسندر العظيم، وتقوم الحضارة الغربية على نفس الفكر الأكاديمي بعبر عن الموضوعية والعلمية، وكان هذا العلم بديلا عن المدائح والآداب السلطانية التي أفسدت تطور العقل الإسلامي، والتي كانت محل نبذ ونقد  عبد الملك بن مروان مؤسس الدولة الأموية الثانية، ومحل رفض عند علماء المسلمين القدامى.

وأما شخصية أكاديماس في الميثولوجيا فهو البطل أخرج أثينا من حرب طرادوده، كما أخرج الأعداء من محنتهم، ولأجل ذلك أصبحت منطقة أكاديموس التي تقع في الشمال الغربي من أثينا مقدسة، ومركزا تنويريا أخرج عن دائرة الصراع بين المدن المتصارعة، إذ كان الفرسان من النبلاء الذين يحملون شرف الجندية ويقدسون الفلاسفة المفكرين والأطباء والمهندسين.. إذ كانت كل العلوم الطبيعية تتأطر بالأخلاق والفكر، ومن هنا نشأ مصطلح الأمانة العلمية، وفيها نشأت علوم الفلسفة والمنهج العلمي الغربي والحضارات الغربية الشرقية والغربية.

ولأن الفكر وجد في التاريخ الاغريقي فإن وجوده في إعادة ابتعاث هذه الحضارة ملازما لوجودها، وقد أسهم الأفكار الدينية في نشوء هذه الحضارات، وإن لم تكن موضعا للإيمان.

لذلك كانت دول أوروبا خلال النهضة تعمل ترجمة العلوم التجريبية والأخلاقية والدينية، ترجمة تناسب الواقع وتلازمه وتعمل على حل أزماته، ومارست الاستقطاب الناعم للمفكرين، وتنافست على ذلك وجنبت الأكاديمي كافة الصراعات وتجنب الأكاديمي هذه الصراعات بعد ثورة معرفية علمية لم تأتي من داخل الجامعة، وإنما يدان بالفضل للمفكرين من خارجها، ومن ثم نشأ مفهوم العقد الاجتماعي لحل أزمات الفكر والصراع والإدارة والتعقيدات الأيدلوجية والسياسية من فلسفة الأنسنة أو تلك المعروفة بفلاسفة التنوير والمنطق، وهي فلسفة حولت الصراع العقائدي والسياسي إلى من التجريدات إلى الواقع، وحددت معايير الفكر بمقاييسه الإجرائية والتجريبية والتأثيرية؛ فالحديث عن سقراط ليس حديثا عن شخصه كما في موسوعة علو الهمة في صلاح الأمة، وإنما يتموضع الفكر في الحديث عن فكره وعلمه وأثرهما في تغيير الإنسان والواقع، وعن النبالة والشرف الأخلاقي اللذان تجسدا في التضحية دفاعا عن الضمير والأخلاق وصوت الحق بالسلمية والفكر والمنطق.

فلم يكن خطيبا سفسطائيا مجرما يحرك العواطف دون عقل، وإنما كان يخاطب العامة والجهلة بالتوليد المعرفي، وكان منهجا علميا في تنمية الفكر.، لذلك كان الفكر يعني الارتباط بالعقل والواقع والأثر.

وما دون ذلك نزعات نفسية قد تتفق مع نفس وتختلف مع الأخرى، ولا يعمم الفكر إلا إذا كان محل اجماع أو محل اتفاق الجمهور عند الفلاسفة والفقهاء.

 

فرضية التغيير الأكاديمي:

هناك علاقة واقعية يمنطقها الفكر، وهي علاقة عكسية بين كثرة المخرجات الأكايمية والانحطاط والحرب، وقلة مخرجات الأكاديمين والبناء والأمن في فلسفة الحضارة، ويمكننا استقراء شواهد  تاريخية ومعاصرة لأثبات ذلك؛ فالحضارة اليونانية العالمية كانت تتميز بقلة الفلاسفة وكذلك روما الحضارة، وفي الحضارة الصينية والهندية، كل تلك الحضارات كانت تتسم بندرة الحكماء والفلاسفة أو الأكاديمين، وبالمثل في حضارة بني أمية بشقييها الشرقي والغربي و التي قل فيها المجتهدين والعلماء والمحدثين، وكان هولاء جلاس الأمراء ومستشاريه وعلماء الاجتماع.

وقد بدأت الحضارات بالتهاوي بعد أن تحول التعليم من المعرفة إلى النفوذ والوجاهة والوظيفة العامة، بلغت عدد طلاب الفلسفة والعلم  والخطابة في العصور الوسطى الأوربية  عشرات أضعاف فلاسفة عصور الحضارات القديمة، وأخذت الصراعات داخل الكنيسة تأخذ مجراها حتى تقلص ذلك العدد مجددا مع ارهاضات عصر النهضة في بداية القرن الثامن عشر، وحتى الانفجار الكبير الذي غير العالم الأوربي مع حدث الثورة الفرنسية التي انهت الصراعات واستغلال المعرفة والعاطفة الايمانية من خارج المدارس التقليدية، وبدلا من أن تكون هذه المدارس مصدرا للنور، غدت تستقي النور من التنوير، من أولئك الذين صنعهم الواقع ولم تصنعهم الوظيفة العامة والسلطة.

بينما وبعد أن اصبح التعليم والمناظرات والترجمات اشعاعا ثقافيا  في العصر العباسي ونهاية عصور أموية الأندلس بدت ارهاصات الحضارة الفكرية تتجه نحو القوة العسكرية، والصراعات الفكرية، والردود حتى اقتتل الحنابلة والشافعية وضرب أبو دواود صاحب السنن من أنصار السنة، وخرجت مسيرات ومواجهات بين المدارس الفقهية، وأصبحت المدرسة النظامية واحدة من أهم مولدات الصراع الفكري واللاخلاقي أو اللانساني داخل حدائق الموت والتشاحن المذهبي بين اتباع الأئمة الأربعة، جمعتهم الأصول والأشخاص والأفكار وفرقتهم السلطة وترف العلوم.

لا أقصد من ذلك تقليل عدد الأكاديمين والتخلي عن العلم، فذلك ليس منطقيا وليس موجودا في قاموس وفلسفة الحضارات، وإنما أدعو إلى إعادة تصحيح معايير التعليم ومناهجه بناء الصرامة العلمية والمنهجية، ولا شك أن العدالة المنهجية والأخلاقية ستقلل من الوفرة، والكثرة الضارة والمهددة للأمن والسلم والمعرفة.

ومن ثم ستنهض الأمة بقلة من المفكرين والمجتهدين، ومن خلفهم مساحة كبيرة من القراء وطلاب العلم الذي تتفاوت مستوياتهم ويكونو بذلك مادة الحضارة، وهي القاعدة المنهجية التي تحدد منطق الموازنة الحضارية؛ بين مجتهد ومائة الف فقيه، وقد أشار مالك بن أنس إلى هذه القاعدة بقوله ولقد أدركت من يُستسقى بهم ويُتبرك بدعائهم  لصلاحهم ولا يؤخذ منهم العلم.

لأجل ذلك نؤكد على أن الندرة الأكاديمية صفة ملازمة للواقع، وأن الكثرة الأكاديمية سمة ملازمة للسلطة السياسية، ويقاس على ذلك الغرب والصين والهند وحتى بلاد فارس.

 

الأكاديمي البائس:

لعل مصطلح السفسطة أقرب إلى منطق المكادمة، لأن السفسطة تقود الى العنف بخطابات المفوهين، أما المكادمة فهي حالة وظيفية خاصة نشات داخل المجتمعات العربية المعاصرة، وهي صفة حيوانية ترتقي بصاحبها من هذه الرتبة الحيوانية إلى الوظيفة والنفوذ والسلطة، وهو مصطلح يختصر مظاهر الفساد وتوريث المناصب العامة، وفساد التعينات الجامعية.

وقد تنوع طرق ووسائل المكادمة، فقد تأتي بصفات مختلفة للحيوانات، وقد قارب القرآن الكريم بين الحيوان والدور، والحيوان والعلم، ولعل الكلب والحمار قد قارب لنا الكثير من الصفات البشرية بالتمثيل، وقد أبدع فيلسوف الثورة الإيرانية شريعتي في تأصيل مفهوم الاستحمار، وهي ثقافة مجتمعية مقاربة للصفة الحمارية، وهذه المقاربة لا تنطبق إلا على حامل المعرفة؛ العالم والفيلسوف والمثقف والأكاديمي، بمعنى أخر كل هذه الفئات التي تفصل بين العلم والوعي والدور.

إن شريعتي لم يختلق المفهوم وإنما استنبطه كاستنباط الفقهاء على قواعد علمي الاجتماع والنفس الاكاديمية وهو يعي ويدرك مراد الله تعالى في قوله: ” مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَىٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا ۚ”

لو عاصر النخب الأكاديمية المعاصرة لصك أو أصل مفهوم الاستكلاب وهو تعبير قرآني أيضا، ولن يتعب كثيرا لأن اللعاب المادي ومظاهر التعب والعطش وإخراج اللسان من الصفات الكلبية، وهي من الصفات الشائعة في الثقافات المعاصرة والمعروفة بدورات التدريب الخارقة، والتحليل السياسي وفي اللقاءات الصحفية، والمنشورات العبثية والمكتوبات الصحفية ويندرج تحت علم الرذائل الثقافية والأكاديمية المعاصرة  الاشعار التي تترجم اسرار الحالة النفسية والثقافية للفرد والمجتمع.

وإن كان بعض المثثقفين والأكاديمين والخطباء يندرجون تحت فصيلة الكلبيات، وقد تكون مرتبطة بالنفوذ أو منفصلة عنه إلا أن نفوذها يتموقع أدنى درجات السلم الوظيفي، وهي أحد علامات الحالة المرضية في العقلية المعرفية والثقافية، التي تفصل الأكاديمي والعالم والمثقف عن الواقع، وتقوقعه داخل الذات.

أما فصيلة الضبعيات،  فتندرج ضمن دوائر النفوذ الفوضوية داخل الدولة، وتتاسبق على وظائف الدولة ومدخلاتها، وهي أكثر قسوة مع مجتمعاتها من العقارب، وقد ذكر الله العناكب في القرآن كما ذكر الكلاب والحمير، إلا أن الله  لم يقارب صفة الإنسان بالضبع فأتي به مجملا “إن هم إلا كالأنعام” ولم يقاربه بصفة العقرب فأتى به بالإشارة “بل أضل سبيلا”.

وإن كنا قد رأينا بقسوة التضابع من يوظف النفوذ في الدولة على الشعب، فهناك من يستحل الصدقات والهبات الدولية للشعوب التي يمثلها، في أقسى صور العالم الإنساني قسوة وأكثر حيوانية، وإن كانت هذه منابت السوء إلا أكثر السوء سوءا ذلك اليأس الأكاديمي المعرفي الذي أبعد المثقف والأكاديمي والعالم الصالح عن التغيير والتجديد والدفاع والإصلاح من منطلقات الإنسانية والقيم والدين والمبادئ الإلهية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.