اغتراب الثقافة العربية

0 8

د. عبد العزيز الخال

تركز الدراسات الثقافية على دراسة الأعمال الثقافية والممارسات الراهنة المرتبطة بها في العلوم الاجتماعية والانسانية، آخذة بعين الاعتبار أن لكل مجتمع ثقافة متميزة بذاتها، لها تاريخ الخاص وسياق اجتماعي وسياسي مخصوص، يعطيها مسمى خاصا في لغتها الشفاهية يغنيها عن الاقتراض من أي لغة مجاورة، بأسلوب متميز في التعبير عن المعتقدات والعادات، يؤثر في روح الثقافة من خلال التأثير في سلوك الأفراد الذين يمثلونها[1]. فالمثقف العربي حين يفكر في أي نص من النصوص الثقافية فهو يفكر فيها من داخل مرجعيته الثقافية، بتوسط مجموعة من المفاهيم والنظريات التي يحاول تبييئها وسياقه المتناول، بالإضافة إلى مرجعيته المعرفية التي يقتبس منها ويستشهد بمعطياتها بشكل صريح أحيانا وضمني أحيانا أخرى[2]، والتي في جماعها يعبر المثقف العربي عن سياق حضور الثقافة العربية.

يمكن اعتبار الثقافة العربية تعبيرا عن القيم والمعايير الثقافية التي تفرزها كل الانتاجات العربية معرفيا، وأدبيا، وعقائديا، وفنيا، وأخلاقيا، وقانونيا وكل العادات وأساليب العيش التي يكتسبها الفرد باعتباره عضوا فاعلا في المجتمع، بوصفها حصيلة الخبرة التي راكمها المجتمع العربي، وساهمت في صياغتها كل أطياف المجتمع تعبيرا عن كينونة وجودها العربي وعن رؤية هذا المجتمع في الحياة[3]. فاستحضار الثقافة العربية في قراءة الواقع العربي يجعل الماضي حاضرا في كل مكان، في الوقت الذي يجعل فيه هموم الحاضر عاملا أساسيا لقراءة الماضي. وبناء على ذلك، تروم هذه الورقة الكشف عن ماهية الاغتراب العربي، من خلال التساؤل عما هي المنابع التي دفعت إلى اغتراب الثقافة العربية؟ وكيف وصلت الثقافة العربية إلى حالة الاغتراب؟ وما دور المثقف العربي في مواجهة الاغتراب الثقافي؟

ترجع ضبابية مفهوم الثقافة العربية إلى عدم ارتباطها بمرجعية واضحة ومحددة في معالجتها للإنتاجات الثقافية، فقد ظلت مقسمة ما بين التمسك بالثقافة العربية الإسلامية والانفتاح الثقافة الغربية الأوربية؛ فابتداء من القرن الماضي استأنف المثقف العربي مناقشة القضايا التي عالجها المثقفون العرب الأوائل، وأضاف عليها بعض القضايا الجديدة التي فرضها التفاعل مع الغرب، في محاولة لتجديد المفاهيم التي أصبحت تفرض ذاتها بإلحاح. الأمر الذي ولد من رحم الثقافة العربية ثلاثة اتجاهات فكرية: تيار منبهر بالتصورات الغربية ومشدود له باعتبارها تمثل مستقبل الأفكار البشرية المنفتحة، وتيار سلفي متمسك بثقافة الماضي وترفض التحرر منها أو قبول المستحدثات الغربية، وتيار ثالث يحاول التوفيق بين كل ما هو مُشرق في التراث العربي الإسلامي مع ما لا يتعارض معه في الفكر الغربي[4]. مما شكل هموم حاضر ثقافي غير مستقر، تتجاذبه الرغبة في استعادة أمجاد الماضي ومهمة صنع المستقبل، وساهم في إعجاز الثقافة العربية.

إن التحديات التي تواجه الثقافة العربية نابعة من اخراطها في التغيير دون المشاركة في صنعه على صعيدين؛ الأول هو أن تبعية الدول العربية للدول الرأسمالية الكبرى أفقدتها توازنها الداخلي وكرست استبدادا سياسيا واقتصاديا تجلى في إنفاقها الجزء الأكبر من ميزانيات على القضايا الأمنية وانتهاج سياسة التقطير اتجاه باقي القطاعات الثقافية. أما الثاني هو انقسام المثقفين في تحقيق الوعي بعجز الفرد العربي المحبط ما بين التوجه العلماني والسلفي، كأول خطوة لتجاوز حالة الاغتراب التي تعانيها الثقافة العربية على مجموعة مستويات:

  1. الاغتراب العائلي: تقوم العائلة العربية على أواصر التماسك والتآزر بين أفرادها ماديا ومعنويا، وتعتمد قوة الرابطة العصبية على قوة وضعف التدين لدى أفراد العائلة، فمعظم القيم العائلية تابعة للقيم الدينية، لذلك يصبح كل فرد من أفراد العائلة مسؤولا أمام باقي الأفراد في الأفراح والأحزان، بشكل هرمي يتربع الأب التقليدي على رأسه[5]، الذي تجب طاعة قراراته دون معارضة حتى من طرف الأم، خاصة وأن الأطفال يتم تربيتهم على تمجيد الأسرة وطاعة الوالدين بالترغيب أو الترهيب. في مواجهة تطورات المجتمع المفتوح الذي يرتكز على الحرية الفردية والانفتاح التواصلي عبر وسائل التوصل الاجتماعي؛ حيث يبدأ الأنا الخاص للفرد بالتشكل ويبدأ اغتراب داخلي ينمو نتيجة الصراع بين الانفتاح على العالم الجديد والتشبث بقيم العائلة التي تركز على العلاقات الداخلية التي لا تخلو من السلطة الأبوية حتى في قرارات الأفراد الشخصية، مثل اختيار الزوج والعمل… فيكتسب الابن هذه السلطة باسم التربية والتدين في تشكل أسرة مغتربة من جديد.
  2. الاغتراب الديني: يعبر المجتمع العربية عن المجتمع المتدين بامتياز، فالدين قيمة المجتمع الكبرى، في الوقت الذي لا تلتزم الدولة بتطبيق القواعد الدينية حرفيا؛ مثل قطع يد السارق ورجم الزاني من جهة، ومؤخرا لجوء تونس إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث من جهة ثانية. وهذا يعني ثورة قيمية في الحياة المعاشة[6]؛ حيت أن المتدين يعيش حالة تجاذب ما بين اللجوء إلى التعاليم الدينية وقوانين الدولة؛ فمن جهة يلح رجال الدين في تفسيراتهم على أن طاعة الله من طاعة الحاكم. ومن جهة أخرى نجد أن لكل دولة عربية مذهبها الخاص الذي يتوافق مع ما تقتضيه شرعية الحاكم للاستمرار في الحكم، ويعجز أئمة المساجد في إلقاء خطبهم طبقا لهذا المذهب أو ذاك، وإن خالف يفصل من منصبه أو يسجن. ومن هنا “ليس من الغريب أن تطالب الحركات الدينية بالعودة إلى الماضي البعيد”[7]، للتخلص من حالة الاغتراب الديني التي يعيشها والتي تمنعه من ممارسة الشعائر الدينية كما يفهمها، بعيدا عن أيديولوجية الحاكم السياسية.  فتوظيف الدين في السياسة يلجأ إليه الحاكم عندما لا يكون من مصلحته التعبير عن قضية اجتماعية[8] وليس لحفظ الدين من الزيف والاغتراب، وهذا ما يزيد من اغتراب الدين.
  3. الاغتراب السياسي: تحيلنا طبيعة الاغتراب السياسي إلى التركيز على علاقة السيطرة الخفية بيم المجتمع والدولة[9]؛ ففي ظل سياسة المحافظة على الحكم التي تنتهجها السلطات في الدول العربية، يجد الشعب نفسه عاجزا عن فهم منطق الحياة السياسية وكيف تمكنه قوانين هذه السياسة من التحكم في الموارد المادية والروحية وفتحها أمام الطاقات الشابة التي تعتبر فاقدة للخبرة اللازمة لنيل عدد من المناصب في الحين الذي يقلب الغرب هذه السياسة فيعطي الأولوية للطاقات الشابة. فعدم إشراك الشعب في القرارات السياسية الكبرى يزيد من غربته السياسية على الرغم من مشاركته الشكلية في بعض الأمور (الانتخابات)، في الوقت الذي يظل الحاكم متعاليا عن الحياة العامة في تنزيل القرارات السياسية على الشعب الذي من المفترض فيه أن يظهر الطاعة والامتثال كقيمة دالة على اتقاء شر حاكمه. وهنا يحضر دور المثقف العربي في التعبير عن رغبة الشعب المكبوتة أو على الأقل الانخراط في تشكيل وعي الشعب بعلاقة الهيمنة التي تفرضها الدولة، التي لا تعبر عن حقيقة الإرادة الشعبية بقدر ما تزيد من محنة الاغتراب السياسي الذي تعيشه الشعوب العربية كافة.

هناك علاقة وثيقة بين حالات الاغتراب الثلاث، تبين أن اغتراب الثقافة العربية ناجم عن الهرمية القمعية التي تنظم قيم العائلة والدين ومؤسسات الدولة، التي تفرض على الشعب تفسيرات ومعتقدات تسيطر على حياته في خدمة مصالح رأس الهرم، فأحالته إلى مجرد كائن عاجز ومستلب لا يقوى على مواجهة تحديات العصر ولا العمل على تغيير الواقع[10].

لقد ولدت علاقة السيطرة السياسية على مكونات الثقافة العربية عجز الأطراف المشكلة للمجتمع، من خلال عجزها عن تشكيل قيمة نشاطها داخل المجتمع، المتمثلة في كيفية التعامل مع الانتاج المعرفي العربي وفي سلوكيات الأفراد التي تحاول جاهدا تجاوز هذا الشعور بالاغتراب بطريقة أو بأخرى دون جدوى، في ظل تقبل الواقع العربي غير المنظم، الذي أفقد الفرد حس تفعيل الوعي بقيمة قدرته على المشاركة في الحياة العامة بطريقة فاعلة تغنيه عن الخروج في مظاهرات شعبية للمطالبة بتغيير الواقع. فهناك “قطاعات كبرى من الشعب في مختلف البلدان العربية لا يبدو أنها تعي أهمية أن يكون لها دور أساسي في الحياة العامة”[11]، من خلال تفعيل دورهم في العائلة، والدين، ومؤسسات الدولة وغيرها من الآليات، كبدائل في ظل الوضع الراهن، تمكنهم من التحرر من حالة العجز التي تسكن الذهنية العربية والمشاركة في تغيير الواقع بما يتوافق مع السير العادي للحياة العامة. وكأن الثقافة العربية هنا بالذات تعمل على تجديد نسج خيوط المجتمع العربي وعقلنة المطالب الشعبية بتفعيلها ثقافيا، في أفق الانتقال من خدمة المواطنين لمؤسسات الدولة إلى خدمة مؤسسات الدولة للمواطنين، وذلك فقط حين يصير الشعب العربي شعبا مثقفا، لا يكتفي بتحصيل مطالبه بالنضال في المجال العام، كما ساد مؤخرا في الأوساط العربية بعد الثورات، بل يعمل على تغيير المجتمع من بنيته الداخلية ويتحكم في استقلاليته بتشكيل علاقات توازنه الخاصة.

لائحة المراجع والمصادر

  • During, Simon. The Cultural Studies Reader, second edition, London, Routldge, 1999.
  • كوش، دنيس. مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2007.
  • حواس، عبد الحميد. أوراق في الثقافة الشعبية، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2005.
  • بركات، حليم. الاغتراب في الثقافة العربية: متاهات الانسان بين الحلم والواقع، مركز دراسات الوحدة العربية، 2006.
  • الجابري، محمد عابد. المثقفون في الحضارة الغربية، ط 2، مركز دراسات الوحدة العربية، 2000.
  • الجابري، محمد عابد، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، مركز دراسات الوحدة العربية، 1996.

[1]) دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني (بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2007)، 41.

[2]) محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة الغربية، ط 2 (مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، 08.

[3]) عبد الحميد حواس، أوراق في الثقافة الشعبية (القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2005)، 117.

[4]) محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة الغربية (نفسه)، 15.

[5]) حليم بركات، الاغتراب في الثقافة العربية: متاهات الانسان بين الحلم والواقع (مركز دراسات الوحدة العربية، 2006)، 118.

[6] (Bell Hooks, “A Revolution of  Values: the promise of multicultural change”, in The Cultural Studies Reader, ed. Simon During, second edition (London, Routldge, 1999), 233.

[7]) حليم بركات (نفسه)، 126.

[8]) محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة (مركز دراسات الوحدة العربية، 1996)، 118.

[9]) حليم بركات (نفسه)، 92.

[10]) (نفسه)، 91-92.

[11]) (نفسه)، 14.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.