أزمة الدولة المعاصرة وتحولاتها الاضطرارية

0 9

د. جمال الهاشمي

تبلورت توجهات حزبية وعقائدية وشعبية غير منسجمة منذ 2012 وبرزت بعد موجة الثورات العربية الشعبية أو بالمعنى الدقيق التمرد الشعبي على السياسات الاقتصادية والإدارية.. وبين ثورة الشعوب والثورات المضادة لم تكن القيم الحضارية حاضرة ضمن هذه التنظيمات الاضطرارية أو ضمن مشاريعهما الحضارية.

لم تكن الثورات مبنية على فكرة القيم الحضارية، أو تعبر عنها بالمعنى الدقيق، وإنما كانت حالة نفسية مناهضة للنظام السياسي وكان أكثر الثائرين عليها من الذين كانوا حلفاء في السلطة سواء كانوا حلفاء تاريخيين أو معاصرين تعرضوا للإقصاء، واغلبهم منتفعين.

وفي المقابل كانت المعاناة الاجتماعية محفزا لقيام الثورة والتي كانت تسعى للتغير الفعلي لكنها لا تمتلك مشاريع إصلاحية أو تجديدية أو حضارية. وأكثرهم من الطلاب والمعلمين والجامعيين والعسكريين والمناطق الجهوية المهمشة والمعتقدات الأخرى.

ونظرا لأن الثورة لم تكن واضحة وعشوائية فقد كانت ظاهرة عدم الثقة بين أطراف الثورة هي البارزة، ولم يكن لديها من الأهداف سوى إزاحة النظام القائم، وسيطرة المشاريع الجزئية وهو ما أدى إلى الاختلاف وفشل الثورة، وتحولت الثورة من قيمة وطنية إصلاحية تنموية إلى قيم حزبية وطائفية وانتقامية.

ونظرا لأن المفهوم الحضاري التنموي كان غائبا إلا على صفحات الوعي الإخباري أو في المدونات الحضارية ومؤلفات علم الآثار، فقد انطلقت الأحزاب وخلال فترات الثورة لم تستطع أن تؤسس لمشاريعها في إدارة الدولة على مستوى العلاقات الخارجية والمحلية، واستمرت وتيرة الصرخات الثورية حتى بعد اعتلائها السلطة، مما أدى الى فشلها محليا وإقليميا ودوليا.

، كما وأن الوعي الديني ظل كامنا ومقتصرا على ممارسة الطقوس اليومية والزمنية أو في نطاق المدارسة الوظيفية التعليمية، وهو ما أدى الى بروز ظواهر دينية هوائية غير منضبطة بمعاييرها الحضارية.

واستمر الوعي القومي بوتيرته الاستخبارية القمعية والإجرامية وأظهر ما كان متخفيا قبل تطور وسائل العلم التكنولوجي.

كل هذه المفاهيم القومية والحضارية والدينية تحولت إلى مفاهيم فكرية مجردة ومتجردة عن واقعها، وقد أدى هذا الانفصام الى تلويث المفاهيم والحكم المسبق عليها، من قبل مستخدميها أو الذين وظفوها كمطية لمشاريع طائفية وحزبية وجهوية، ونظرا لأن هذه المفاهيم لم تعد تتمتع بنفس التأثير السابق، فقد تم إلغاءها أو استبعادها في الفعل السياسي وتجندل في قواميس المعرفة أو ساكنا في حنوط الفكر السياسي المعاصر .

وفي أفضل الحالات تحول من قيمة حية يمكن توظيفها في واقعنا إلى فلسفة رجعية أو تاريخية مندرسة نظرا للجهل بأدواتها ومناهجها ووسائل تفعيلها.

إن المفاهيم الحضارية اشمل بكثير من المفاهيم الدينية والقومية وهي الوحيدة القادرة على معالجة الأزمات المعاصرة، ووضع الحلول لها عبر أدواتها المنطقية التي تحتاج إلى إرادة سياسية مدركة لواقعها والمتغيرات المحلية والدولية.

وكل مؤسسات التعليم الجامعية والمدرسية وبعد اطلاع على محتوياتها تتناول المفهوم الحضاري كقيمة أثرية أو تاريخية أو قصصية. وقد أدى ذلك إلى انفصام الهوية عن قيمها الحضارية، ومن هنا يتبدأ لنا أن مفهوم الحضارة مر بثلاث مراحل رئيسية:

  • مرحلة المد القومي: وهي المرحلة التي ربطت مفهوم الهوية بالمكان الحضاري وألغت صلة القربى الجينية أو العرقية، واختزلت الإسلام والحضارات السابقة بقيم مكانية، وأصبحت القومية متعددة إلى قومية بعثية عربية أبرز رموزها سومرية بابلية عباسية، وقومية عربية بعثية أبرز رموزها أشورية أموية، وقومية اشتراكية ناصرية أبرز رموزها عربية فرعونية.

مع العلم بأن غالبية سكان هذه الحضارات ليسوا من أعراقها، ولا من صناعها، وهذه ضرورة منطقية وعلمية مؤكدة عبر استقراء التحولات الحضارية.

ومن هنا جاء مصطلح التحولات الحضارية مجردة عن المكان، لأن التحول المكاني لا يتناسب مع منطق التحولات لأن الحضارات ليست لها قيمة عرقية، إذ كانت من المغالطات المنهجية التي قدمتها النظريات القومية المعاصرة، كنتيجة رديئة للتعليم الجامعي الإخباري غير الممنهج خلال فترات حكمها، واختزال المؤسسات الجامعية في تعميق المفاهيم الأيدلوجية السياسية.

أما التسمية المكانية فهي السائدة والغالبة عبر التاريخ كما قد تختزل منجزات المجتمعات في نظمها، كاختزال الحضارة المصرية في شخصية الفراعنة، واختزل منجزات المجتمعات الإسلامية في الأموية والعباسية.

وقد توصلنا إلى أن الحضارة الفرعونية والبابلية والسبأية والفارسية من الحضارات التي لها قيمة مكانية وليست عرقية أو جينية وكذلك الحضارة العربية والإسلامية والمسيحية واليهودية لم تعد مرتبطة بقيمة جينية أو عرقية، وإنما غالبية من سيطر عليها من المنتفعين الذين استقطبتهم القيم الحضارية أو انجذبوا إليها.

  • مرحلة المد الإسلامي: وهي المرحلة التي حاولت ربط مفهوم الهوية بقيمة تنظيمية سلوكية ولكنها تجاوزت الحدود الجغرافية والحضارية واختزلت الإثنين في مفهوم الأسلمة وقد أدت هذه إلى تضييق حضارة الإسلام وفصله عن حضاراته الاستمدادية القديمة من جهة ، واختزلت شمولية الكليات الإسلامية الحضارية العالمية في مفهوم الحزب والتنظيم، أو في مفهوم الولاية والإمامة والخلافة.

وهذا من أهم أسباب فشل استنبات القيم الحضارية وتعطيل قيم التنمية والشخصية الحضارية.

وكل هذه التيارات الجديدة وغيرها من التيارات تناولت موضوعات الحضارة كفكر منفصل عن واقعه، بينما في الحقيقة لم يصل مفهوم الحضاري الى القيمة النظرية التي يمكن أن تتجسد في بنيات الدولة والمجتمعات والفرد، ولهذا بدأ مفهوما هزيلا مختزلا في مفهوم الحوار الحضاري أو الدراسات الحضارية القديمة.

والفرق بين المد القومي والإسلامي أن الأول كان وليدا لأيدلوجيات اندماجية حضارية وافدة استخدمت كمدخل معرفي للتراث الحضاري العربي والإسلامي ومن ثم أحدثوا عملية قسرية للدمج بين المعرفة التاريخية للإسلام والأيدلوجية الاشتراكية والقومية القادمة من دول أوروبا والشرق الأسيوي.

وبدأت المعارف التراثية وكأنها اشتراكية وشيوعية وقومية من مدخل الفكر الوافد. وهو ما جعل لنا فكرا خديجا ومعلولا أحدث ازمة معرفية وتعليمية وتنموية. وما تزال تتسع الرقعة بأزمات تهدد كيان الدولة المعاصرة وأمن المجتمعات واستقرارها.

أما الثاني فهو الآخر وليد هجين برز أو خلال الدولة العباسية مرورا بالعصرين المملوكي والعثماني، وقد دمجت ثقافة القوى المسيطرة على العامة من مدخل القيم الحضارية الإسلامية، ومن ثم أحدث انفصاما متعددا بين مفهوم المعتقد السياسي من جهة والحضارة والإسلام من جهة أخرى.

كما أن سيطرة الثاني على المجتمعات أدخله في صراع مع المد القومي، وقد أدى الى بروز ثقافة أخرى كانت من مخرجاتها أدلجة الفقر، وتحول الفقر من أيدلوجية ثورية استخدمته التنظيمات الحزبية المعارضة وخصوصا الإسلامية الى أيدلوجية عسكرة المجتمعات بأموال السلطة.

كما تحول الفقر من قيمة تنموية تغيرية الى قيمة عسكرية معطلة للتنمية، وبدلا من الحفاظ على الوضع السائد السلبي، برزت أزمات أكثر سلبية.

هذه الأزمة في المصطلح الحضاري المنفصل عن وظيفته هي التي أحدثت انحرافا فرديا وسياسيا ودوليا وشعبيا وابتعثت الأزمات الملتهبة في سوريا واليمن والسودان والعراق وليبيا وأفغانستان والصومال وإيران والأزمات المتلبدة في تونس ومصر وتركيا وباكستان والأزمات الكامنة في بقية دول الشرق الأوسط وإن بدأت بعضها متبلورة.

وأخيرا تشير أزمات الانفصال المكاني والاجتماعي السياسي عن موضوعاتها الحضارية العلمية العملية إلى تحولات مستقبلية عضوية في شكل الدولة:

أن الدول الكبرى الإقليمية ستتحول إلى دويلات جهوية ودول هامشية وسيترتب عليه إهدار رأس المال الاجتماعي مما يعني استمرار العنف الاجتماعي وتوسيع جغرافيته خلال العقود القادمة ما لم تتدارك القوى القائمة واقعها وتعمل على وضع مشاريعها الحضارية العملية الشمولية قبل اطلاقه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.