القحط المنهجي 

0 12

القحط المنهجي 

د. جمال الهاشمي

يقتات معظم الباحثين بثلاث كتابات، النقد من أجل النقد، والنقد من أجل اثبات الذات، والنقد من أجل تخطئة الآخر، وفيها تزكية للذات بطريقة أخرى، وتشكلت بهذه الكتابات ثلاث ثقافات، من الأولى الثقافة الجدلية والمهارشة بين المتناقضين في اتجاهات متعاكسة، وهي السائدة في عالمنا العربي ومن أهم محتويات القنوات الإعلامية وإعلام التفاهة على وسائل التواصل الاجتماعي(التوكتوك والتويتر …). والثانية ثقافة الكنكنة وهي ثقافة استجلائية تستجلي الماضي وتتحدث عنه وتحوله إلى عجائز اخبارية ،تفصل بين كنتم، ولتكن. وهي بذلك ليست استدعائية تدرس عوامل نهوضه وعوائق الحاضر ومقومات تفعيلها.

والثالثة الثقافة الاستعلائية، وهي ثقافة نفسية تتعطل ذاتيا، وترفض التجريب، وقد انتقلت من تخطئة الأخر إلى التخاطؤ البيني فأصبحت معوقا من معوقات التقدم الذاتي، وواحدة من أهم معالم الهدم المجتمعي، تمارس في ثقافة التعليم، المدرسي والجامعي وفي الثقافة المجتمعية.

وجميعها أو معظمها لا تخرج عن السفسطة الجدلية- اليونانية القديمة التي أصبحت بعد ذلك موروثا غنوصيا، تغنوصت به المعتقدات الدينية وكثير من المعتقدات الإسلامية فاستغرقتها الفلسفة حتى زاغت بها وغرقت في متاهاتها اللامتناهية من الفرضيات والتجريدات، والتي انتهت بها إلى عقدتها وتقدسيها والتصلب بها.

ويبدأ للباحث أنه لا يدرك قيمة ما يكتب، ولا يميز بين من  يكتب عن قيمه ومن يكتب بها، ومن يكتب النقد ممن يكتب به، ومن يكتب عن الدين ممن يكتب منه، فغدت الكتابة في محنة التيه والتلبيس بها  أحد متاهات البحث المعاصر، وتزوير الحقائق لأن النتائج بمقدماتها، والخواتيم بالبدايات.

وقد سيطرت العلوم الإنسانية على التجريدية في عصورها القديمة بعد انحسار فلاسفة الذرة، وبدلا من البحث واستكشاف الحقائق العلمية وتفعيلها أو تقريبها من أجل توليد القيمة الحضارية، تحولت إلى فلسفة الإعجاز- النبوي- القرآني تقليدا لفلسفة الاعجاز الديني – المسيحي أو اليهودي الذي كان سائدا قبل مجيء بولس الرسول بين الفكر الديني اليهودي والفكر اليوناني الفلسفي، قبل أن يأتي أفلوطين ليحسم الصراع بمنهجيته التوفيقية، والتي أصبحت بعده واحدة من أهم محددات المعتقدات الدينية في الديانات القديمة أو الإسلام

ظهر العديد من فلاسفة التنوير العقلاني داخل الثقافة الكاثوليكية، وتحت إطار العلمية وتوظيفاتها الدينية برزت حركة العقلانية تبحث عن أصل وجود الإنسان، وهل هو موجود فعلا، أم أنه صورة لماهية حقيقية، ثم بدأ البحث عن ماهيته الحقيقية، إذ لو كان ماهية في نظرهم لكان وجوده مطلقا، وقد أدى ذلك إلى البحث عن أفعال الشروع بالطريقة الفلسفية ومناهجها

كان بعض فلاسفة الكاثوليكية يسعون لإثبات المعقدات الدينية بالعلوم الفيزيائية أو التجريبية وبالأرقام، وقد توصل البعض ليس من خلال المعتقدات إلى اكتشافات علمية،  على العكس من فلاسفة الاعجاز الديني المعاصر الذين يجردون  الاكتشافات العلمية  ويوظفونها لإثبات النص الديني، وقد كان العلم منبوذا عند كثير من علماء المسلمين لارتباطه بالفلسفة الميتافيزيقية، والذي تمخض عنه تكفير ابن سيناء والفارابي، لأن القياس الذي كان سائدا خلال هذا العصر مبني على منظور المعتقدات، والتي تنوعت إلى معتقدات جهمية واعتزالية وجبرية وقدرية ومجسمة وعدمية وجميعها  أخذت عن أفلوطين خلا المعتقدات الأصولية التي ارتبطت بالنص، فبنت أحكامها على الأذأذة، إذا قال كذا فهو كذا، وكانت الأذأذة النقدية واحدة من أهم مميزات علم النقد المنهجي، وقابل ذلك المعتقدات الغنوصية  بالكلية أو ببعض جوانبها والتي جعلت من التكفير أداة من أدوات الرفض المنهجي، وأصبح التكفير ثقافة عصره وهو الذي بقي وظل سائدا في عصرنا، حتى أصبح عوام الناس يكفرون على ما يفهمون، فنشأت معتقدات الرعاع، والتي تخالف معتقدات العوام أو معتقدات أهل الفطرة.

لذلك كان الإعجاز العلمي الديني فلسفة أثبتت عجز النص عن إثبات ذاته إلا من خلال العلم، وهي الطريقة التي سعى الفلاسفة المسلمين التجريبين لإثبات النص الديني من خلال مناهج الفلسفة العلمية ، فجمعوا بين المفاهيم الدنيوية التي تتعلق بمعاش وحياة ومصلحة الإنسان في الدنيا، والمفاهيم الآخروية التي تتعلق بنجاة وسعادة الإنسان في الآخرة.

والأدهى من هذا ،  أن ما كانت حقائق علمية بنيت عليها هرطقة الإعجاز لم تعد حقائق علمية، وهنا تأتي إشكالية التقول.. هل يؤدي هذا الرفض إلى رفض التأويلات الإعجازية ؟ ومن ثم نجعل من النص الديني عرضة للتشكيك به، لا سيما وأن يعض الاكتشافات العلمية التي ظلت محددا من محددات المنهج أو ضابطا من ضوابطه متكلفة، ولم تكن تصلح للضبط والقياس مطلقا.

وهذا التخمين والطرح إنما هو من نتائج الجهل المنهجي، والجهل بأدوات وقواعد البحث العلمي .

ونظرا لهذا التطور العلمي المهيب  والتسارع في الاكتشافات العلمية ، تبنى البعض  فكرة اللامنهجية، لأن قواعدها ليست مطلقة ولا يمكن  اتخاذها معيارا أو مقياس لضبط ما يقام عليها.

سنجد البعض وهذه مقولة متواترة سمعتها من كثير من الأكاديميين المرموقين، أن المنهجية خاصة بكل باحث، وأنه لا يوجد لها معمار ثابت، وهذا التسليم المطلق جهل مطبق، يؤكد على أن الباحث يعاني من من علة المنهج، ولا نكاد نجد جامعة عربية تؤسس لهذا العلم، وتعمل على تطويره، بل مما سمعته أن الإدارة الجامعية عندما تعاقب الأكاديمي تحوله من التدريس إلى مركز بحثي، وهذه جهل إداري بقيمة البحث وأهمية المنهج.

والرتبة الحقيقية للباحث هو أن يصل إلى مرحلة الاجتهاد في تخصصه من خلال ما يقدمه من جديد وتأصيلات ونظريات واستكشافات، بينما التدريسي ليس أكثر من مقلد يصل في أعلى درجاته إلى مرحلة التقليد المنهجي، والفرق بين التقليد والتقليد المنهجي، أن الأول يدرس مادة أو كتاب قد أحكمه، فيدرسه كما هو ، أما التقليد المنهجي فهو أعلى درجة منه، إذ يعمل على تدريس أكثر من كتاب في موضوع معين مبينا الاستدلالات المنهجية المتبعة لكل كتاب وكاتب، والباحث يتفاوت في درجته، وفي كل درجة من هذه الدرجات هو أعلى رتبة من المقلد المنهجي، إذ يعمد الباحث الأول إلى جمع الاستدلالات المنهجية وتحديد أهميتها وقيمتها، بينما الثاني وهو الذي يصل إلى رتبة الاجتهاد يعمل على تفعيل قيمة ما قيمه الباحث الأول، وهنا تكون درجة الاجتهاد ويسمى في الاصطلاح العلمي مجتهدا.

في مقابل ذلك سعت العلوم الإنسانية المعاصرة- التي غدت عالة على المنهجية التجريبية وإشكالية أخرى تضاف إلى أزمة المنهجية-  إلى مقاربة قضاياها الإنسانية بالإمبريقية (التجريبية) فدخلوا في مأزق الضبط المنهجي الواهي وبرز التخصص إشكالية منهجية بعد أن كان وسيلة من وسائل الضبط المنهجي، فإذ قلنا باللامنهجية فإن ذلك يستلزم نفي التخصص، وإذا قلنا بالتخصص فإن ذلك يستدعي الفصل المطلق بين العلوم.

التخصص عند البعض أزمة، فمتخصص التاريخ الوسيط لا يسمح لمتخصص التاريخ القديم أو المعاصر الحديث عن تخصصه، على أساس المحتوى، أما المنهجية عند الواعي منهجيا فإنها لا تختلف.

وهنا نميز بين منهجية  الاستيعاب القرائي ، كوسيلة من وسائل الضبط المعرفي للتخصص، ويمكن إزاحة فكرة التخصص بالعلم بها واستيعابها، أما إن كان التخصص مبني على اختلاف في المنهجية،  فهذا يستدعي القول به حتى ينفض الخائض غبار جهله بالعلم المنهجي.

إن التعصب العقائدي لا يعني التعصب الديني، فالتمييز بينهما جلي واضح، فالدين الأصولي ينبذ في اتباعه ثلاث صفات: التعصب، والجهل والتقليد، وهي الصفات التي تتميز بها المعتقدات عن الأديان الأصولية، وإطلاق التعصب الديني على الدين أزمة منهجية وإن كان يعمم ويراد منه الخاص أو الجزء فلا إشكال لأن ذلك يفهم من سياق البحث. أما إن كان يراد بها حقيقة فهذا ينم عن خلل في المنهج، وعليه تكون الأحكام خاطئة .

فإذا نفينا عن الأديان الأصولية التصلب والتعصب والتقليد، فإن هذه النزعات هي نزعات نفسية وتربوية بنيت على فلسفة التقليد الأعمى، وهو أسلوب تربوي يقضي على التساؤلات، باستدلال ديني، أن كثرة التساؤل مهلكة ، وهنا نميز بين التساؤل البحثي، والتساؤل الاختلافي، فالأول تساؤل إشكالي يحاول البحث عن علم يستضاء به، بينما الثاني تساؤل سفسطائي لتبرير الباطل وإبطال الحق.

وعلى أساس ذلك نميز بين تساؤلين: تساؤل يفترض التشريع بالنص،  وتساؤل يفترض التشريع بالعقل، فالأول ارتبط بزمن النبوات وانقطع بانقطاعها، وبذلك فلا يزاد فيه ولا ينقص منه. أما الثاني فيتطور بالمصلحة .

فهل نحن في قحط منهجي ، جهل بها؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.