الدولة  بين التأسيس المدني والقيم الأخلاقية

0 16

الدولة  بين التأسيس المدني والقيم الأخلاقية :

إرشادات مدنية من فقه النصوص.

د. جمال الهاشمي .

إن المماثلة بالقصاص يعد ظلما ما لم يكن في ميزان الاعتدال وضوابط العدل، وهو ما ورد في الذكر بقوله تعالى “بمثل ما اعتدى” والمماثلة بهذا الشرط يحتاج إلى قضاء محايد أو رجل عدل محايد لا تتنازعه العواطف أو تحيزه البواكي، فإن كان القائم عليه من أصحاب الميل كان الحكم فاسدا. وإن قام المطالب بالقصاص بتنفيذ حكمه كان متجاوزا وأسس بهذا الفعل مدخلا لفوضوية المجتمع وفساده، ولهذا كان التشريع من سنن الله، والقوانين من السنن العقلية المقاربة للعقل والشرع، وهنا تأتي قيمة المؤسسة العدلية في الدولة العادلة، ولا قيمة لمؤسستها لم تبن على مشروعية المصالحة الوطنية أو المجتمعية، والقبيلة في مجتمعاتنا العربية بعدولها شرط من شروط المصالحة الوطنية، ويشترط في عدول كل قبيلة شروطا معيارية تجمع بين الشرعية والمشروعية.

والمماثلة في العداوة إن قام به  دعاة المظلومية بأنفسهم يسقط أهم جانب من جوانب التفاضل والعلو والرقي الإنساني المتمثلة بالمبادئ الأخلاقية التي تعد من أهم قوانين ضبط النفس وكبح غلوائها، ويقابلها في القيمة الأعراف القبلية التي تعد الضابط المجتمعي الذي يوازن بين قوانين الضبط الذاتي والقوانين الفوقية، وبذلك فالأعراف القبلية محددة وليست مطلقة، وقيمتها إنما تكون بقوة التنظيم وتماسكه وقيادته، والقائد في القبيلة رمز للأعراف وليس فوقها، كما أن الحاكم في الدولة تحت قوانينها وليس فوقها، وقد يحاسب بها طوعا وهو ضمان لتماسك النظام واستقراره ومثاليته، أو قد يخضع لما هو أشد منها إذا تداولت الدوائر.

وأكثر تجل للضوابط الأخلاقية يكمن في القبلية، مما تفتقر إليه الأحزاب بكل توجهاتها الدينية والقومية، لأن القبيلة تحافظ على شرفها ومكانتها وأصالتها التاريخية، أما الأحزاب فتحافظ على مصالحها ومكاسبها المادية في الدولة، والله يقول: “ومن أحسن قولا ممن دعا:” وليس ممن تعصب وأفسد السياسة التي هي من وظائف الأنبياء والملوك بنزعاته التعصبية والجهوية أو المصلحية التي تبعده وتقصيه عن مبادئه الدينية.

إذا نظرنا إلى القضاء كقيمة مؤسسية عدلية أقرها الإسلام نصا ، فقد جعل أفضل تجسيداتها وتأسسها في الأنصار، لأن الأنصار هم أولئك الذين قال الله فيهم “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة” فمن يقدم غيره ممن قد يكون أقل منه حاجة لها، فهو أجد بهذه الصفة أن يكون قاضيا، وعندما خرج القضاء من الأنصار فسدت هذه المؤسسة التي بها يتحقق الأمن والسلم المجتمعي، ومن هنا فإن القضاء يجب أن يرشح لدراسته ممن يكن في قبيلته أو مجتمعه المنظم صفة الأنصار، أما الشرعة التي تعد من أهم مؤسسات الدول البرلمانية فقد حددها النص النبوي باليمن فقال: والشرعة في أهل اليمن فهم بيت الحكمة وأكثر الجهويات اجتهادا في تشريع القوانين وتقديم الفتاوى الدينية، وهنا تتجلى أهم مؤسسات الدولة البرلمانية التي تعبر عن الرأي العام والذي به يتحقق التماسك والوحدة المجتمعية، وقد كان معاذ بن جبل أعلم بالحلال والحرام، وقد حكم أهل اليمن بالمصالحة والفهم والوعي والعقل، فهو أول مفاوض بالنص والعقل في تاريخ الإسلام، وهو الوحيد الذي دخل اليمن بعقله وعلمه ونجح بما لم ينجح به غيره في مناطق اليمن الأخرى، وتعد المجتمعات العقلانية من أرقى المجتمعات وأعلاها رتبة لأن قيمتها من الذات وهو ما نسميه بعلم النفس الضبط الذاتي، وقد جاء رجل من أهل اليمن يطلب وصية النبوة فقال له “لا تغضب” ولذلك فإن الغاضب فيه أكثر علل النفس وأدوائها، ولا يصلح للقضاء ولا للفتوى ولا للقيادة، لأن فيها نكسة الذات، والصحبة والمسؤولية.

ومن جهة أخرى فإن الأمانة المجتمعية كما جاء في النص النبوي ” والأمانة في الأزد” فإن محاربة الفساد التي تتمكن دول العالم العربي من محاربته فيرجع إلى أن الأمر أوكل إلى غير أهله من جهة، وغياب الرقابة من جهة أخرى، وما لم تكن هناك معايير اختيارية تعيينية قبل الرقابة والمحاسبة سيتمر الفساد، وتأتي قيمة هذه المؤسسة في أن فيها حفظ الحقوق الإنسانية و التنمية، وتحقيق الأمن الغذائي وأمن الدولة، وقد كانت تسمى ببيت المال أو هي في حداثتنا المعاصرة تسمى وزارة المالية، وبذلك فإن اختيار أهل الأمانة ينبغي أن يختار منهم، لأن الأمين المنفصل عن القبيلة لا يكون قويا عليها، أما إن كان بيئة قبلية تتسم بالأمانة أو يغلب عليها ذلك، فإنه يتميز بصفتي الأمانة والقدرة وهو الشرط الأساسي لاختيار موظفي الدولة، لأنه يخضع لشروط معيارية على الذات وأخرى اعتبارية قائمة على النظام المجتمعي الذي ينتمي عليه.

وهل لأهل السودان والحبشة مكانا في الدولة، لا سيما وأن هذه الجغرافية السوداء كانت أو دار هجرة في تاريخ الإسلام، وأفضل أنظمة عصرها عدلا في تاريخها على نصرانيتها” إن فيها ملك لا يظلم عنده أحد” وفي هذه الفلسفة النبوية العظيمة أبلغ تعبير يصف فيها الدولة المدنية دولة المساواة العدلية التي لا قيمة فيها للقوة والعشير والقبيلة والنصرة، لأن العدل بيت الإنسانية وقبلتها ومحل توافقها، ولا يخرج من ساحتها أحد إلا دخل في نقيضها إلى ساحة الظلم.

فماذا أعطى الله للسودان والحبشة أو لأفريقيا السوداء لأن لغة العرب إذا ضربت مثلا عممته، وخصصته معا” وفي التخصيص والتعميم صوارف منهجية لها محدداتها في واقع الناس وزمانهم وأحوالهم.

وفي النص النبوي ” والأذان في الحبشة” والأذان هنا ليس فقط الأذان في المساجد كوراثة للصحابي المعروف بلال بن رباح، وإنما يرتبط فهم هذا النص بسياق لا يظلم عنده أحد، فتكون وزارة الأوقاف كقيمة مجتمعية في هذا نص الأذان، وإذ أردنا مقاربة دور وزارة الأوقاف التي تعتبر مؤسسة مجتمعية منفصلة عن مؤسسة النظام والحكم، سنجد أن أكثر من يحتاج إلى أعطيات وزارة الأوقاف أهل الحبشة والجغرافية السوداء، وفيهم وصية نبوية ” استوصوا بأهل السودان خيرا” والوصي هم العرب قبل أن تدخل الحبشة والسودان في الإسلام، وهي وصية من جهة وبشارة من جهة أخرى، فأخذ العرب بالبشارة وتركوا الوصية.

أما موضوع الملك الذي يعد الآن موضوعا للصراع الدائر، فهو أول عرى الإسلام نقضا، فإذ نقضت الصلاة الذي نحن الآن فيها ففي نقض الصلاة مبشرات منها الإعلام باكتمال الحلفة، والثانية إعادة الحلقة على ما كنت عليها قبل نقضها، وهذا هو مفهوم التداول،  وأرى أننا في أخر هذه الحلقات وما بعدها خير منها، فحفظ الوضع السائد لا يدوم لأن نقائص الإصلاح يقابل بنقائض الفساد.

والملك لا ينقض بالثورة والانقلابات وإن كان فاسدا لأن التغيير من داخله أولى من نقضه من خارجه، والتغيير الذاتي مرهون بما قبله من إصلاحات تبدأ بالبيئات المجتمعية وفي مقدمتها القبلية، لأنها المجتمع العربي الذي يمتلك القوة والقدرة.

ومن ثم فإن إحياء دور القبيلة وإعادة دعمها كمكون اجتماعي قائم على الأعراف والتماسك أقوى من التنظيمات الحزبية التي بقاؤها مرهوب بثروتها ونفوذها الرسمي، فإذا فقدت التمويل والنفوذ السياسي سقطت. أما القبيلة فهي ببقاء الدولة أو بزوالها تظل حاضرة بسلبها وإيجابها، واستثمارها في الإيجاب أقرب للصلاح من انحرافها عنه.

وعلى أساس ذلك يقاس منزلة الأفراد، فكلما تعدد ضوابط الفرد من الضابط الذاتي إلى ضابط الأسرة ومنه الضابط القبلي ثم ضابط القوانين المدنية يكون الفرد بهذا الترتيب صالحا واعيا وعدلا مدركا للعواقب وقادرا على الحمل والمسؤولية، أما إن كان منفصلا عن هذه المعايير فيقاس بحسبها، وقد تمكنت الدول الغربية من تفعيل هذه المراتب وتنظيمها بقوانين الدولة جعلت العلاقة بين الولد والأسرة علاقة احترام لحفظ الكرامة، وعلاقة تشاور واختيار لحفظ العقل، وعلاقة نظام والتزام لحفظ القوانين والنظام العام، وهذه يقابلها في عالمنا العربي علاقة  إكراه أهدرت الكرامة التي هي من شرائع الدين،  وعلاقة تبعية التي أفقدتنا قيمة الشورى كقيمة دينية شرعت لحفظ العقل، وعلاقة الآمر  الذي افسد حياتنا المدنية والمجتمعية والقبلية بالتسلط والاستبداد والأحادية.

إن المصالحة وإصلاح الدولة لا يستبعد دور الفرد إذ كان في نظام مدني تمييزا عن النظام الحزبي، لأن في الأحزاب العربية بكل تصنيفاتها أحزاب جهويات أيدلوجية لا ترتقي إلى مستوى التنظيم المدني، وهي أكثر تهديدا للدولة المدنية كالقبيلة التي تخلت عن قوانينها العرفية، فالمدنية تقتضي بناء الثقة وتنمية الأفكار والعمل على تفعيلها في مؤسسات دولة عدلية وتحت ضوابط وأطر تنظيمية وقانونية وشرعية.

كما أن الأكاديمي الذي لا يستطع أن يعمل في إطار تفكير أكاديمي جماعي منفتح على إنسانيته ومخالفيه، يكون أكثر بعد عن المنهجية العلمية وأكثر خطرا على المنظومة التعليمية .

لأجل ذلك نرى أن المدنية تبدأ من البيت وتنتهي بالنظام وتتشكل به.

فالأحزاب والقبائل والأفراد تحتاج إلى عمل كبير من أجل تحويلها من العقلية الطوطمية إلى العقلية المدنية مع حفظ صفتها، وقد أقرت النبوة الخاتمة بقيمة القبيلة وجعلت فيها معايير مدنية مكنتها من تأسيس أعرق الحضارات الإنسانية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.