تحولات القوة بين قيم الحضارة والقيادة السياسية

0 10

تحولات القوة بين قيم الحضارة والقيادة السياسية

د. جمال الهاشمي

برزت  مثاليات فلسفية تدعو إلى السلام والتعايش والمحبة من مدخل كينونة الإنسان الآدمية، وفقا لأربعة أطاريح: أحدهما تقول بطبيعته الإنسان الاجتماعية والثانية  تقول بطبيعته الأخلاقية والثالثة تقول بالتاريخية الأصولية وأسمي الرابعة بالحكمة الحضارية (الدبلوماسية الحضارية).

ويسعى الجميع نحو بناء مؤسسات حوارية متعددة حضارية ودينية وعقائدية  وإنسانية، ويأخذ البعد الإنساني والديني حيزا وجوديا يدور حول آليات التواصل الحضاري ومن بينهما نشأت مفاهيم المدنية والتعايش والعلمانية والليبرالية والديمقراطية وغيرها من المفاهيم الثقافية والسياسية.

ومع هذا لم تأخذ هذه المفاهيم قيمة مؤسسيا تبنى على معايير علمية واقعية واضحة المعالم بل أخذت بالتاريخية المختزلة بالمواقف وتكيفياتها  والتي أحدثت التحولات المجتمعية الفوضوية ونشأ عنها تطرف في الدبلوماسية الحضارية والسياسات الثقافية والتعصبات الفكرية  والتطرفات العقائدية ، مما أدى إلى بروز الدبلوماسية الشعبية التي أصل لها الاستراتيجي الأمريكي “جوزيف ناي”

والتي أحدثت تحولات سياسية واجتماعية غيرت معالم وضوابط وحدود الدبلوماسية السياسية ومفهوم السيادة والدولة، وبين رحى هذه المتغيرات التي بدأت بالتطرف الفكري  تطاحنت المجتمعات و وغابت على إثرها الحكمة الحضارية أو الدبلوماسية الحضارية وفقا للمفهوم الهيجن والمركب من الثقافة الغربية والثقافة الإنسانية ، وبهذه الأعراض الدخيلة ذهبت هيبة الدولة كأعظم حكمة انتجها العقل الإنساني ورعى بها مصالحه  بقرارين: قرار النخبة التي تكتب التاريخ السياسي، وقرار السلطة التي تدير الدولة.

ومفهوم المأسسة لا نعني به البناء المؤسسي،  فهناك دول تتمتع بالعضوية السياسية في الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومع هذا لا تمتلك مقومات الدولة ، لأن تسمية الدولة بحسب المعايير المعاصرة ذات معايير شكلية دبلوماسية بمعنى أن القوة هي التي شكلتها في ثلاثة عناصر حكومة وشعب وجغرافية، وبموجبه حصلت على العضويات الدولية مع أنها تفتقر للتقنين والإدارة وصفة الدولة التي تؤهلها للدور والبناء الحضاري، فهي دول هامشية تخضع لحماية الدول العظمى، ولا تمتلك مقومات الدولة، ومن هنا نشأت فلسفة الدبلوماسية الحضارية لتهيمن الدول العظمى على مصالح العالم بتشريعات القوانين الدولية وغطاءات السيادة وحق تقرير المصير والديمقراطية وغيرها من المفاهيم التي لوثت قيم الحكمة الحضارية ودبلوماسيها التنموية.

إن المؤسسية الغربية هي الوحيدة التي تشكلت بعمقها الحضاري والتاريخي في بنيتها القومية ثم تطورت جغرافيا واقتصاديا وأمنيا في جميع أبعادها الاستراتيجية وأخذت بهذه الأبعاد التي أصلت من خلالها فقه التنظيم وفلسفة المأسسة والحكمة السياسية ثم مأسست التنظيمات السياسية والمدنية داخل المأسسة العظمى لمفهوم الدولة، وكاملت بين أدوار المجتمعات المدنية والدور السياسي للدولة.

وفي إطار المأسسة الواعية تتشكل المعامل الفكرية والتنموية والحضارية، وبالإدارة العلمية المنهجية الواعية والوعي الاجتماعي الجاضن لها تبرز مفاهيم القوة الحضارية في الفكر والأخلاق والنموذج وتنهار باستعمال العنف والإكراه المادي، وقد أحدثت العلاقة بين هذه الدوائر الثلاث سلسلة من التغذيات البنائية و العكسية بين المؤسسة العظمى التي تحتكر القوة وتمتلك سلطة التشريعات ووضع القوانين وتطبيقها وهي البيئة الإدارية الصغرى وبيت الحكمة وبين البيئة الاجتماعية الكبرى ومادة النخبة، وبين البيئة العالمية العظمي من خلال الدبلوماسية الحضارية التي غذت المجتمعات بالفكر التنموي – الإنساني وفكر التنظيم والإدارة والمعرفة،  فكانت مؤسسة النخبة الحضارية  في هذه البيئة الصغرى المعمل الاستراتيجي لتحقيق التوازنات بين هذه المنظومات الكلية من خلال التطورات الإدارية والصياغات الأمنية والسياسات التعليمية عبر مقاييس الرأي والمؤشرات الديمقراطية ، واتسمت الإدارة  بالمرونة المتعاطية بين الشعب والسلطة والشعوب والثقافات الأخرى بعقلية الحكمة الحضارية والمسؤولية الإنسانية والقيم الأخلاقية.

ذلك أن صفة الدولة تعني هي التي تقوم بذاتها ولديها إمكانيات الوجود دون الحاجة لغيرها، فإذا انقطع عنها السلاح أو الغذاء أو التعليم تكون قادرة على البقاء والاستمرار لأن مأسسة الوجود الحضاري فيها من الصفات التي تؤهلها على البقاء.

وإذا تتبعنا واقعنا برؤية الناقد وجدنا أغلب دول العالم الإسلامي لا تمتلك قدرة اقتصادية ولا  صحية، وقانونية، وأمنية، وتنموية وهذه جميعها ينفي عنها صفة الدولة.

إما إذا كانت الدولة تخضع للحماية وليس للتحالفات العسكرية فإنها تنفي عنها صفة الشرعية لأن القوة الحامية تقيد تصرفات النظام، وتجعله جزءا من نسقها الوظيفي واستراتيجيتها الوظيفية ومصالحها، وبهذا تمكنت الدبلوماسية الحضارية من استحداث مصطلحات الدولة المعاصرة ومنحها صفة الشرعية باعتراف دولي وليس بما تمتلكه من حقائق واقعية ومقومات بناء الدولة الفعلية، وقد اغترت هذه الدول المتوهمة مما أدى إلى انهيار مفهوم الدولة المعاصرة تحت مطارق الاستبداد والثورات الاجتماعية، وكانت هذه المصطلحات غير الواقعية واحدة من أهم أسباب التخلف وتدمير مقومات البنية المجتمعية.

ذلك أن الكثير من الزعامات التي تتناسب مع طبيعة المجتمعات المقهورة ، كانت زعامة  مصطنعة أشبه ما يكون بتمثال أسد يفوق حجمه حجم الأسد الطبيعي ويفتقر الى قدرة الحيوان الأليف، وصيحات الشعب المؤيدة ليست أكثر من تفريغ عواطف القهر المكبوته، و عندما تحتزل فكرة الدولة بمفهوم الزعامة، تجر المجتمعات إلى الفوضوية والأزمات المتعددة، فالزعامة الحقيقية سيرة وعدالة وتنمية وقوة وقدرة وتطورات تتغذى بالدبلوماسية الحضارية والدبلوماسية الشعبية ودبلوماسية الفكر والبحث الأكاديمي.

إن الانحدار يؤثر على الشعوب المولعة بالتصفيق والتعصب والمواطنة أو القومية التي كشفت عورتها وعورها الفوضويات المجتمعية التي نادت بإسقاط النظام، لأن المطالب الثورية بإسقاط النظام تمجيدا للفوضوىة ودلالة على وحشية هذه المجتمعات وتطرفها، وهذا التطرف من مؤشرات غياب الوعي المجتمعي والمسؤولية والحكمة وغياب القدرة المنهجية والحكمة السياسية.،

لأن تضخيم مفاهيم الزعامة وترميز الحضارة بها يخرجها عن الصفة الحضارية، ويحرك دوران الشعوب المقهورة الجاهلة من رمز الدولة (الزعيم) الى رموز ثورية تواجه الزعيم الذي تشيء بهتافات الجماهير ، ثم أزال الدولة بصرخاتها “الشعب يريد اسقاط النظام”.

هذه العبارة اللاوعية أثبتت للعالم أن الشعوب العربية التي قامت فيها ثورات الربيع العربي جاهلة تردد كلمات لا تفهمها، وأن مفكريها ومنظريها أشبه بقراصنة لئام لا يغيرون إلا على سفن المساكين، والعيب فيها وليس (فأردت أن أعيبها).

فالتصريحات والخطابات المؤثرة والاستعراضات، وشيوع فلسفة الاتجاهات المعاكسة والجدل العميق  وثقفنة الجدل شعبيا  إنما هو بحسب فلسفة علم النفس السياسي  ردود فعل لا واعية للهزيمة النفسية والخوف المسيطر الذي يسبق النهاية، ووفقا لهذه الفلسفة فإن إعلان الحرب على هذا النظام يقضي على ثلثي القدرات والثلث الآخر تعالجه القوة الصلبة.

ويعد منهج المقارنة من أكثر المناهج التي أثارت الأزمات السياسية والمجتمعية والنفسية نظرا لاستعمالاته الخاطئة وغيابه عن الواقع والعدالة التي تستوجب المقارنة، وقد وظيف توظيف أيدلوجيا وليس تنمويا.

إن السبب الرئيس والأساس  لانهيار الدول واندراسها وفشل التنمية واعاقة الحضارة المؤثرة والقائدة هي الأسباب نفسها التي توظف بأوعية المنهج لقيام الدول وتأسيسها، والإشكالية هنا في فشل القدرة المنهجية وليس في المنهجية نفسها.

ومن هنا يمكن وضع بعض المؤشرات والقياسات التي يجب الوقوف عليها لمعرفة طبيعة القيادة بمفهوم المقارنة :

  • القيادة التي تتخذ قرارات الحرب السريعة والمفاجئة هي نظم تعاني من الفشل المؤسسي،  ذلك أن قرار الحرب أو التهديد به ليس من صفات القيادة لأن الأصل في استعمال القوة أن تكون مخططة ومفاجئة ومزامنة للتهديد ومقاومة تغذيها الإرادة الشعبية.
  • القيادة التي تسعى لإنهاء الحرب في الوقت التي لا تستطيع أن تتقدم في جغرافية العدو هي قيادة مهزومة ذلك أنها لم تدرك أن القوة تصنع السلام، وأن السلام يحتاج إلى القوة.
  • القيادة التي تخوض الحرب ولا تضع خطط تنموية وإدارة في الجغرافية التي تسيطر عليها بما يمكنها من الاستقطاب وتكون ملاذا للهجرة وطلبا للوصول تعاني من أزمة المأسسة والتنظيم، وهذا من مؤشرات الهزيمة والاستعداد للخروج من حلبة الصراع بأية فرصة يحفظ ما كان لها قبل الحرب.
  • القيادة التي تلجأ خلال فترات الحرب إلى الحديث عن القواسم المشتركة مع الخصم، وتضخم فيه المبادئ المشتركة أو تغازله بأحاديث عاطفية، إنما هي قيادة انهزامية وليست مهزومة لأن الهزيمة مع الثبات على المواقف ثقة وشرف وتجديد للنصر. أما التي تستسلم بتلك الشعارات لا تصلح للقيادة لأن الانهزامية تنتقل من الصفة الشخصية إلى المؤسسة إن وجدت ومنها إلى الشعب، ولهذا كان الإرجاف صفة النفاق لأنه يخلق الانهزامية قبل وخلال وبعد المعارك.

والهزيمة ليست الانهزامية ذلك أن الهزيمة قوة مؤسسية تسهم في إعادة صناعة الدولة من منظور القوة ولهذا كان انتصار المسلمين في بدر على قريش هو تتويجا للانهزامية التي استبدت بالوجدان القرشي بدليل اختلاف قريش بين الخروج وعدم الخروج وترتب عليه عدم خروج البعض من سادتها.

أما الهزيمة التي كانت للمسلمين في أحد فقد كانت تصحيحا لمسارات المأسسة داخل الحضارة الإسلامية وقد توجت بفتح مكة المكرمة ودمجها في الحاضنة الحضارية لدولة النبوة في المدينة المنورة.

وهناك قرارات استراتيجية أخرى صنعتها القيادة وشكلت مأسسة حضارية أخرى، ومن ذلك انفاذ جيش أسامة بن زيد في أصعب مرحلة من مراحل اختبار المأسسة الحضارية لدولة النبوة.

إن انفاذ هذا الجيش رغم مسيس الحاجة له أوجد الانهزامية ف وشكل ارباكا لقراراتهم العسكرية، كما أن القيادة البكرية دفعت بمن تبقى  من الدفاع عن المدينة إلى ضرب الأقرب فالأقرب لتجميع شتات المسلمين، ومن جهة أخرى لإضعاف القوى المعادية.

وقياسا على ما سبق فإن المأسسة هي القوة الصلبة وقوة القيادة وهي من أهم معالم قوة الدبلوماسية السياسية ودبلوماسية الحروب العسكرية.

أما الحروب التي تمارسها الدول العربية وبما في ذلك الحروب الحزبية والطائفية ليست في الأصل حروبا مؤسسية وإنما هي حروب أشبه بالصراعات القبلية والعقائدية داخل الحضارة الإسلامية، وهو ما يمنحها الديمومة والاستمرار لغياب التميز المؤسسي في قيادة الحرب وإدارة الأزمات والإدارة بها.

g.alhashimi@yahoo.fr

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.